الشقاق، صداقة تنهار – حكاية وانحكت 14

“لو ما بيستاهل ما كان الجيش قتله”.
هي آخر جملة كان ممكن رئيفة تتوقع تسمعها من رفيقة عمرها سلمى، رفيقتها وزميلتها اللي اشتغلوا اكتر من عشرين سنة بمكتب واحد، وتشاركوا سوا تفاصيل وأسرار حياتون، بحلوها ومرها…

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

“لو ما بيستاهل ما كان الجيش قتلو”.

هي آخر جملة كان ممكن رئيفة تتوقع تسمعها من رفيقة عمرها سلمى، رفيقتها وزميلتها اللي عاشوا اكتر من عشرين سنة بمكتب واحد، وتشاركوا سوا تفاصيل واسرار حياتون، بحلوها ومرها…

رئيفة صاحبة التنين واربعين سنة بهالحياة، موظفة بشؤون الطلاب بكلية الآداب بجامعة دمشق، وقت أخدت البكالوريا، شجعها ابوها الموظف بوزارة التربية، انها تقدم على مسابقة التوظيف، لأنو مقتنع تماما انو الوظيفة الحكومية هي ضمان للمستقبل، وأحسن من الشغل الخاص الغير ثابت، وبالموظيفة بيقدر الواحد يترقى بالمناصب شوي شوي، وبالنهاية في راتب تقاعدي وتعويض عائلي وتعويضات كتير بيقدر الواحد يستفيد منها اذا فهم القوانين وعرف يزبط امورو

رئيفة بنفس الوقت ماكانت انسانة طموحة، وأساسا علاماتها بالبكالوريا ماكتير بيعطوها فرص كتير لتحلم بالجامعة، مشان هيك سمعت كلام ابوها وتقدمت للمسابقة، وكونها عضو فاعل بحزب البعث العربي الاشتراكي، بتواظب على حضور كل الاجتماعات يلي كانت تصير، وكون أبوها عندو بعض المعارف يلي بيقدر يطلب منهون المساعدة، قدرت رئيفة تجتاز الامتحانين الكتابي والشفهي وتصير موظفة دولة مثبتة، قاعدة على كرسي جلد بزقزق بس مريح، ورا مكتب حديدي قديم، وبقيت هيك طوال هالعشرين سنة

شغلها ماكان صعب ابداً، شغلتها كانت بتتلخص بانها تدقق اوراق المنتسبين للجامعة، وترفع هي الأوراق لرئيس شؤون الطلبة، وظيفة روتينية بحتة، كانت تحس انو مافي اي اهمية لشغلها، لأن اساسا الموظفين يلي بيستلموا الأوراق من الطلاب وقت التسجيل، مابيقبلوا يستلموا اي معاملة ناقصها اوراق، كانت تحس انها مجرد تحويلة، بتجي الآوراق لعندها وبتلف لعند الموظف الأعلى.. بس بالنهاية ليس حتى تعترض على وظيفة مريحة وبدون اي مسؤوليات، مافيها ضغط غير تلات شهور بالسنة!!!!

بس كمان هالراحة هي وعدم وجود أي محفز للعمل، والروتين الوظيفي القاتل، مع الوقت بيتحول لشي متل الثقب الأسود، بيمتص كل الطاقة يلي عند الموظفين، بتلاقيهون فقدوا اهتماماتهون ورغبتهون بالحياة، حتى ذوقهون بالتياب بيتغير..

الشي الوحيد يلي ممكن يعمل فرق هو الحياة الاجتماعية يلي بتنخلق بالمكتب، اذا كان الواحد محظوظ بزملاء ظراف، هاد الشي الوحيد يلي بخيل الموظف يروح ع وظيفتو بشوية طاقة ورغبة.. وبتصير الاهتمامات مشتركة والأحاديث نفسها يلي بيتشاركوها، أحادث عن الراتب وسخافتو، عن الهموم لمالية الموسمية، خاصة مع موسم المدارس، وموسم المونة، نصايح بالتوفير، اختراع طبخات اقتصادية، وغيرو من الأحاديث يلي بيقتلوا الوقت فيها ليخلص الدوام ويرجعوا ع بيوتون.

وبهالأجواء هي تعرفت رئيفة على سلمى بعد شهر من بداية دوامها، سلمى كانت متقدمة ع الوظيفة بشهادتها الاعدادية، لذلك كان ترتيبها الوظيفي أقل بدرجة من رئيفة، كانت مسؤولة عن استلام المعاملات من الطلاب بواحد من شبابيك تقديم الطلبات، وهاد بيعني انو هي بتتواصل بشكل مباشر مع الطلاب، وبتتعامل معهون بشكل يومي طول فترة التسجيل، وكتير ايام بيوصل العدد لحوالي الألف طالب باليوم، مشان هيك كانت بتعتبر انو شغلها أصعب من شغل رئيفة، وراتبها اقل منها، وهاد الشي كان يزعجها أحيانا.

سلمى من قرية قريفيص التابعة لجبلة، وأول مابلشت دوامها حست انو هي ورئيفة ح يكونو كتير رفقات، يمكن صارت بيناتون هي الشرارة يلي بتشبه شرارة الحب، بس على صداقة، شرارة ماممكن تتفسر، بس بتصير..

هالصداقة حولتهون لأكتر من أختين، تشاركوا سوا كل لحظات حياتون، وأسرارها، كانت علاقتهون غير مشروطة انهون يشبهوا بعض، بالعكس، كانو متقبلات اختلافهون بكل سعادة، رئيفة المحجبة بنت العائلة الدمشقية السنية المتدينة التدين الشامي الاجتماعي، النابع من العادات والأعراف الاجتماعي أكتر من الدين، وسلمى بنت ريف جبلة العلوية الغير متدينة ولابتصلي أو بتصوم، الاختلاف هاد مانو مهم، المهم انهون كانو بيفهموا ع بعض بدون مايحكوا

سلمى تجوزت من شب بتعرفوا، بيشتغل سائق وحارس لضابط من ضباط الأمن، أما رئيفة ف تجوزت ابن رفيق ابوها وبيشتغل أستاذ تاريخ، وماكان كتير مرتاح لهي الرفقة القوية مع حدا مختلف اجتماعيا وطائفيا، رغم انو ماصرح بهالكلام راحة، بس كانت رئيفة تلمس استياؤو الواضح وقت تصير زيارات عائلية، هو ماكان يمانع انو يكونوا رفقة، بس خليها ع الرسمي، أريح

سنة 2011 كان عند سلمى خمس ولاد، اكبرهون صبي ب 15 سنة، والتاني ب 13، وبنت 7 سنين، والصغر توأم بنات عمرون خمس سنين، أما رئيفة ف بعد جهد جهيد وحاولات كتير، جابت ولد واحد، كان عمرو عشر سنين

رئيفة وعيلتها كانو ساكنين بالمزة شيخ سعد، وسلمى وعيلتها بالمزة 86، ومع بداية الثورة ماكان في شي كتير عم يصير بدمشق، لكن الجو متوتر والأجواء مشحونة، خاصة ب 86، والاشاعات كانت اكتر شي ينتشر بسرعة، متل انو سمموا المي، أو يصي اطلاق رصاص ويركض حدا بالشارع يصرخ انو الارهابيين هجموا مشان يقتلونا، وخيرها من الاشاعات والاخبار يلي هدفها تحسيس سكان المنطقة واللي غالبيتهون من العلويين، تحسيسهون بالخطر وعدم الأمان، مشان هيك كانت سلمى بكتير من الأيام تاخود ولادها وتروح تنام عند رئيفة، لأنو منطقتها أكتر أمان، رغم اعتراض زوجها، أما زوج رئيفة فكان عندو نفس معارض، وغم انو ماشارك بالحراك الثوري، بس كان دائماً بيفتح النقاشات السياسية مع سلمى وزوجها لما يزوروهون، مع انو رئيفة كانت تطلب منو دائما انو مايفتح هالنقاش، وتقلوا انو سلمى وزوجها ماشفنا منهون غير كل خير، مافي داعي نحملهون مسؤولية على كلشي عم يصير، بس ماكان يرد عليها

ليوم من أيام الجمعة، طلع زوجها لسلمى يزور اهلو يلي ساكنين بمنطقة القدم، وعرفت سلمى انو اكيد ح يشارك بالمظاهرات يلي عم تطلع هونيك، وفعلا هاد اللي صار، رجع ع البيت عيونو حمرا من اثر الغاز المسيل للدموع، وصدرو مخنوق ماعم يقدر ياخود نفس، فات ع البيت لقى سلمى قاعدة عندون وعم تتفرج ع قناة الدنيا، قام فات ع غرفتو بدون مايسلم ونده ورا رئيفة وطلب منها انو تقطع علاقتها بسلمى، بالوقت اللي كانت سلمى قبل بشوي عم تخبرها انو زوجها كمان عم يضغط عليها انو تقطع علاقتها برئيفة وعيلتها السنية، ويومها قررت الرفيقتين انو مابدهون مشاكل اكتر، وبلا ماتكبر القصة مع الردال، وقرروا يخففوا لقاءاتون وزياراتون، حتى بالآخير انقطعت نهائياً..

بقيو يتقابلوا بالوظيفة، ويتبادلو الحادسث والأخبار، وشوي شوي كمان علاقتهون بلشت تصير باردة نتيجة تصاعد حدة الأحاث اللي عم تصير بسوريا، ومع مرور سنتين كانو تقريباً زملاء عمل وبس، بهالفترة، ب 2013 صارت مجزرة بمنطقة جديدة الفضل، فات الجيش مع احد الميليشيات اللي عن تقاتل معو، وعملو مدبحة كبيرة، وتسكرت المنطقة، ابو جاسم، المستخدم الخمسيني يلي بيشتغل بالجامعة، كان ساكن هونيك، وانقطعت أخبارو ومتحدا عرفان شي عن، وبلشوا الموظفين بعد فترة يسألو عنو، لنو كان رجال حباب مازعج حدا منهون، بالعكس كان دائما يحاول يسليهون ويمازحهون وينسيهون همومون، وهنن عم يحكوا عنو قالت سلمى بكل ثقة : اطمنوا جديدة الفضل امورها تمام، الجيش فات قتل الارهابيين وطهر المنطقة، وكلها يومن زمان وبيرجع ابو جاسم ع الدوام…

سكتت رئيفة وماحكت شي، بس حست بغصة وخنقة من المنطق يلي عم تحكي فيه رفيقة عمرها…

بعدد يومين بيوصل خبر انو ابو جاسم توفى محروق، وانو كان واحد من ضحايا المجزرة، بخيم الصمت ع الغرفة وماحدا بيعرف شو يحكي، غير سلمى يلي بتتحرك باتجاه مكتبها وهي عم تقول بمنتهى البرود : لو ماكان عامل شي ماكان الجيش قتلو..

بهي اللحظة ماقدرت رئيفة تبقى ساكتة، راحت وواجهتها وقالتله : لك ع مين عم تضحكي!! اصحي لك ياسلمى، ليش الجيش لما عم يفوت ع منظقة عم يفكر مين عامل شي ومين لآ؟ معقول لهلق عم تضحكي ع حالك بعد كل هالناس يلي ماتت!!!

 فردت عليها سلمى : والله اذا اللي بدو يمون نحنا أو هنن، ف أكيد هنن يموتو.

هي الجملة كانت حاسمة بالنسبة لرئيفة، يلي قطعت علاقتها نهائيا بسلمى، وطلبت تنتقل ع مكان تاني

نبذة عن الكاتب

معد ومقدم برامج ، ومشرف قسم الدراما براديو سوريالي ممثل ومخرج مسرحي ، وحكواتي ، مقيم حالياً ببرلين_المانيا "بحب الطبخ ، وابتكار طبخات جديدة بخلطات مختلفة ، ويلي بيحب يجرب مية أهلا وسهلا ايمتى ماكان"

Loading Facebook Comments ...