صيام تلاميذ المدارس في أوروبا، إشكالية وجدل متكرر

الكاتب: علاء الدين الخطيب

 

شهد رمضان الماضي جدلا كبيرا في ألمانيا والنمسا، وأحد الأسباب كان مطالبة أولياء أمور بعض التلاميذ المسلمين في ألمانيا بتخفيف ضغط المنهج المدرسي على أولادهم الصائمين خلال شهر رمضان، فمدة الصيام اليومية في هذه السنوات تتجاوز الثمانية عشر ساعة، وقد تصل إلى عشرين، كما أنه يأتي قريبا من مواعيد الامتحانات النهائية في المدارس، مما يشكل ضغطا جسديا وعقليا على التلاميذ الصائمين.

الرأي الألماني

أتى الرد الحاسم من وزيرة العائلة الألمانية فرانسيسكا كيفي من الحزب الاشتراكي الألماني، التي أكدت في مقابلة مع جريدة شبيغل الألمانية في الشهر الخامس من السنة الماضية، بأن الحكومة ونظام التعليم الألماني لا يمكنه الاستجابة لهذه المطالب، فالمبدأ الأساسي للتعامل مع الأطفال هو “المدرسة والصحة أولا”، وأضافت الوزيرة “يجب على الأطفال أن يأكلوا ويشربوا لكي يستطيعوا متابعة الدروس والنشاطات”. وذكرت الصحيفة أن الوزيرة وأثناء عملها كرئيسة بلدية مقاطعة نويكولن في برلين في عام 2016، تمكنت من التوافق مع بعض أئمة المساجد، وليس كلهم، على إصدار دليل عمل لأساتذة المدارس للمساهمة الفاعلة في عملية الاندماج، وسمّي هذا الدليل “توصيات نويكولن”، تقول أحد هذه التوصيات ما يلي: “لا يوجد إجبار في الدين. إن جوهر الإسلام لا يخاطر بصحة الأطفال والمراهقين”.

وزيرة العائلة الألمانية فرانسيسكا كيفي – المصدر: dpa

ولاستباق صعود نفس الإشكال والجدل هذه السنة، صرحت الوزيرة لصحيفة فيلت الألمانية الأسبوع الماضي مؤكدة موقفها السابق، حيث أضافت “للأسف في كل سنة، هناك أطفال ينهارون في المدرسة لأنهم لا يأكلون ولا يشربون”، وتابعت موضحة “لتوضيح الأمر، لا يجب على الأطفال الصيام. فالأولوية هي لرفاهية وصحة الأطفال وتعلمِهم”.

ونقلت صحيفة تاغسشبيغل عن منظمة حماية الطفولة الألمانية رؤيتها بأنه على العائلات والأطفال التوصل لحل يناسب الجميع، كأن يكون الصيام وفق ساعات قليلة أو في عطلة نهاية الأسبوع، وبالتشاور مع المنظمات المعنية برعاية الأطفال والشباب.

كذلك توافقت النائبة الألمانية عن حزب الخضر إكين ديليغوز، ذات الأصول التركية، مع ما قالته وزيرة العائلة، وأضافت أنه يجب أن يكون هناك عمر محدد لمن يريد الصيام، لضمان عدم تأثير ذلك على صحتهم؛ ولكنها طالبت بالنقاش حول الموضوع أكثر من تحويله لتعليمات.

لكن النائبة عن الحزب الاشتراكي نزهات باراداري، ذات الأصول التركية، أعلنت بوضوح معارضتها لصيام الأطفال، لأن ذلك يضر بصحتهم خلال مراحل النمو الجسدي، وقالت “أعتقد أن النبي محمد يريد رؤية المؤمنين الشباب وخاصة الأطفال في أفضل حالة جسدية وعقلية”.

من المهم الإشارة هنا إلى أن السياسيين المذكورين هنا، معروفون بأنهم من مناصري اللجوء وحقوق المهاجرين ودعم التعدد الثقافي للمجتمع، وليسوا من اليمين المتطرف الذي يهمه استخدام الشعارات الشعبوية ضد الأجانب.

 

رأي المجلس الإسلامي في ألمانيا

أصدر المجلس الإسلامي في ألمانيا في العام 2016 منشورا من 24 صفحة، يوضح به رأيه حول صيام التلاميذ، لكنه لا يعطي إجابات واضحة محددة حول الموضوع. فهو يسهب في شرح أهمية صيام رمضان كركن من أركان الإسلام الخمسة، وفوائد الصيام الإيمانية والاجتماعية والنفسية والروحية، وبعض أحكامه الفقهية، بما يوحي وكأننا أمام منشور دفاعي وليس مساهمة بنقاش اجتماعي تربوي حقوقي في بلد علماني ديمقراطي.

إذا أردنا تلخيص رأيه بخصوص السؤال الإشكالي المثار حول صيام التلاميذ، فإجابة المجلس تتلخص بأن الصيام واجب على كل بالغ جسديا وعقليا، دون توضيح سن محددة؛ وبما خص تلاميذ المدارس لا يقرر المجلس، ولا ينصح، بألا يصوم التلاميذ، بل يعطي انطباعا باستحسان الصيام، إلا إذا وجد التلميذ مشقة كبيرة؛ ويطلب من الأهل والمدرسة النقاش مع التلاميذ، وتبيان أن الصيام قرار حر للإنسان، وبنفس الوقت هو واجب إسلاميا.

اجتماع لممثلي المسلمين في ألمانيا 2015 – المصدر: dpa

ويجادل المنشور بأنه من الممكن إيجاد تفاهم مع المدارس بما يتعلق بدروس النشاط البدني كالرياضة والسباحة وغيرها؛ وأن الرحلات المدرسية تضع التلميذ في خانة السفر المحلّ للإفطار؛ كما أنه يرى أن الصيام لا يؤثر على الاختبارات المدرسية لأنها غالبا ما تكون صباحا، حيث لا تكون حاجة الجسد للطعام ملحة، بالإضافة لضرورة التأكيد على التلميذ أن يتناول وجبة السحور. ويذكر المنشور أيضا بأن الصيام يوم فرض، وحيث فرض، كان أشد صعوبة ووطأة من هذا الزمان والمكان. ويلخص رئيس المجلس برهان كيسشي الإشكال بقوله “الصيام هو شأن شخصي بين المؤمن والله، وضمن هذا المنحى يمكن للوالدين والمعلمين أن يقدموا النصيحة للتلميذ، ولكن لا يمكنهم الفرض عليه”.

رأي وتحليل

لا خلاف بين المسلمين على أن صيام رمضان فرض واجب على كل مسلم عاقل بالغ، ولا خلاف على أهمية الصيام وقدسية الشهر الكريم، ولا على التزام المسلمين به. وقد يكون من حسن حظ المسلمين الذين يعيشون في أوروبا، أن هذه الدول بقوانينها وقيمها لا تكتفي فقط بحرية الممارسة الدينية، بل تحمي حقوق أتباع كل دين بممارسة واجبات وطقوس أديانهم، لكن بما لا يتعارض مع الأسس التي تقوم عليها هذه الدول والمجتمعات. ومن هذه الأسس التي لا يمكن المساومة حولها هي حقوق الطفل بالتعليم والصحة والرعاية والرفاهية. وضمن هذا المنحى فمن الثابت لدى الجهات المعنية برعاية الطفولة والمسؤولة عن المدارس، أن تناول التلميذ لطعام وشراب صحي منتظم ضرورة وحق لكل طفل، ولا سبيل للمساومة حول ذلك.

السؤال الأساسي هنا حول، متى يجب على المسلم الصيام؟ وسنتجاوز هنا الادعاءات القائلة بأن نقاش الأحكام الإسلامية حق حصري لعلماء المسلمين، ونستند لمنهج أبي حنيفة في إعمال العقل لا النقل.

يقيس غالبية من شيوخ المسلمين وفقهائهم بكل مذاهبهم حكم تحديد العمر الذي يجب فيه الصيام على حكم تحديد العمر الذي تجب به الصلاة على الصبي والبنت، وهم يرون أن ذلك يحصل بعمر العاشرة أو أكثر قليلا؛ فهل يصح هذا القياس، حتى لو أن بعضهم أضاف ضرورة التحقق من قدرة الطفل على الصيام؟

أولا، الصيام ليس كالصلاة من حيث الممارسة والجهد البدني والنفسي؛ فالصيام عمل يتحدى الحاجة الإنسانية الأساسية للشراب والطعام، ويتطلب جهدا بدنيا كبيرا، بينما الصلاة لا تعارض حاجة إنسانية أساسية، والجهد البدني المطلوب بها أقل بكثير من الصيام؛ فقياس الصيام على الصلاة من حيث الممارسة لتحديد سنّ الوجوب واضح البطلان عقلا.

ثانيا، مفهوم الطفولة والبلوغ بمعنى المسؤولية مفهوم متغيّر مع الزمن والمكان، فقبل قرنين من الزمن كانت معظم شعوب الأرض تقبل زواج وعمل من هم بعمر الثالثة عشر للصبي والبنت. لكن هذه المفاهيم تغيرت بسرعة منذ القرن العشرين، بسبب تغير الظروف ونظام التعليم والمستوى المادي والنظم الحاكمة للمجتمعات البشرية. فاتفقت غالبية الدول، بما فيها الإسلامية، على استهجان زواج من هم دون الثامنة عشر، وتجريم ذلك أحيانا؛ كذلك اتفقت على منع عمل الأطفال دون سن الثامنة عشر.

سن الثامنة عشر ليس مجرد رقم عشوائي، بل هو مرتبط بالحقيقة العلمية، التي ما كان للأقدمين علمٌ يكفي لتحليلها ودراستها، وهي: إن جسم الإنسان يتوقف عن النمو وسطيا في عمر الثامنة عشر، وأن جسد الإنسان في مرحلة النمو يكون أكثر عرضة للإيذاء منه بعد استقرار نموه الجسدي، وأن التنمية الصحية المدروسة القائمة على تأمين الغذاء والمشرب الصحي المنتظم، والرعاية النفسية والتربوية والتعليمية المتوازنة، شرط أساسي لمنح الطفل والمراهق الصحة الجسدية والنفسية والعلمية اللازمة له، ليكون قادرا في سن النضوج على دخول معترك الحياة وتأسيس حياته المستقلة.

تلاميذ مسلمون في ألمانيا – المصدر: Ingo Otto / WAZ FotoPool

أما من الناحية التنظيمية للحياة العصرية، والمختلفة جدا عما عاشته كل المجتمعات البشرية قبل القرن العشرين، فالإنسان بحاجة لأن يقضي أول ثمانية عشر عاما من عمره في اكتساب ما يكفي من علوم مدرسية وخبرات نفسية وفكرية، تؤهله لمواجهة مسؤوليات الحياة المعقدة في العصر الحديث، ولتحديد خياراته في الحياة، أي دراسة يريد أن يتابعها، وأي عمل يريد أن يمارسه، ومع من ومتى يريد تأسيس عائلته، وأي دين أو مذهب أو حزب سياسي يريد أن يتبع، وهل يريد أو يطيق الصيام أم لا. لذلك اتفق مشرعو القانون في كل الدول على أن من هم دون عمر الثامنة عشر ليسوا شخصيات مؤهلة لتحمل المسؤولية القانونية مثل البالغين.

بما أن الإسلام بجوهره هو دين حرية واختيار وليس إجبارا ولا توريثا، فمن واجب الآباء والأمهات المسلمين أن يعيدوا التفكير في تعليم حرية الاختيار لأولادهم، وتوجيههم لاكتساب الشخصيات المستقلة، وأنه من الخطأ الكبير قياس حياة أولادهم على ما عايشوه هم وقتما كانوا بعمرهم، فهذا قياس فاسد يسيء للأولاد والوالدين، فلا عاما يشبه العام الذي قبله، فما بالك بمقارنة أجيال عبر عقود وقرون.

من ناحية ثانية، لا يمكن لطبيب أن يدعي ان طفلا بعمر الثالثة عشر وجسمه في مرحلة النمو، ومطلوب منه التركيز والدراسة، والاستجابة لحاجته كطفل باللعب والحركة سيستفيد من الصيام صحيا، أو أن جسمه يطيقه. وقد سمعنا عن عائلات مسلمة كثيرة تعاملت مع أولادها من مبدأ التيسير والوسطية، فتوصلوا إلى اتفاقية أن يصوم أولادهم بضع ساعات في اليوم حسب قدرة احتمالهم، وفي هذا انسجام أصح مع مقاصد الدين الإسلامي.

إن مرونة الوالدين مع أطفالهم فيما يخص أمور الدين، وتقديم حقائق العلم على منقول الفتاوى، يدل على ثقة الأب والأم المسلمين بنفسيهما ودينهما، فهما ليسا مضطرين للاعتماد على حب أطفالهما لهما، ورغبة الطفل الفطرية في تقليد والديه، لكي يثبتا لأولادهما أن الإسلام دين جميل ودين حق، بل إن التماشي مع جو وقوانين حرية العقيدة المسيطرة في الغرب يعطي عملية انتقال الدين من الآباء للأبناء قوة وعقلانية أكثر بكثير من عملية التدريب والتعويد التي ألفناها في مجتمعاتنا.

إذا إن التجاوب مع مطالبة الجهات الألمانية والأوروبية عموما، التخفيف عن الأبناء والبنات الواجبات الدينية المفروضة على الكبار، هو فعل مصلحة للأطفال وللمسلمين وللدول المضيفة. وضمن سياق سؤال الصيام هنا، فإن الموقف العاطفي أو المرتاب بكل ما يأت من الآخرين، لا يفيد الأطفال في هذه المجتمعات، بل سيسيئ لتكوينهم النفسي وربما الجسدي؛ فهذا التجاوب لا يمسّ أساسا عقديا إسلاميا إذا بقينا ضمن جوهر الإسلام وليس ضمن ما يريد فرضه بعض الشيوخ والفقهاء على الناس، ولا علاقة له بمؤامرة كونية كبرى على الإسلام والمسلمين، ومن يعش بالغرب يرى بوضوح أن حقوق الطفل فوق كل اعتبار، وخارج المعترك السياسي الداخلي والخارجي.

 


 

روابط:

لقاء وزيرة العائلة الألمانية

https://www.welt.de/newsticker/news2/article192873207/Regierung-Familienministerin-Giffey-gegen-zu-strenges-Fasten-von-Kindern-im-Ramadan.html

 

تصريحات السياسيين ومجلس الطفل الألماني

https://www.tagesspiegel.de/politik/zum-start-des-fastenmonats-giffey-gegen-strenges-ramadan-fasten-von-schulkindern/24283040.html

منشور المجلس الإسلامي في ألمانيا

http://islamrat.de/wp-content/uploads/2016/06/Islamrat_Fasten-in-der-Schule.pdf?fbclid=IwAR2yoT28RLvGi8lrsmoX8-XQfa7g7uJcqoA18iYqxy997tdViWJzt1FgZDc

دراسة حول صيام التلاميذ في أوروبا للكاتب

http://wp.me/P2RRDZ-Kz

 

نبذة عن الكاتب

محرر سوريالي

Loading Facebook Comments ...