“فريدي ميركوري” والحق بإعادة تعريف الذات والهوية

ماذا يمكن للاجئ في أوروبا أن يجد في فيلم “Bohemian Rhapsody” أو “أنشودة بوهيمية”؟

الفيلم من الناحية السردية، المتعلقة بالسيرة الذاتية، عادي جدا لم يقدم لمن شب على أغاني فرقة “Queen” أية إضافة تذكر. ولكنه من ناحية أخرى، علاقة ماضي فريدي ميركوري مع ما يجب أن يكون هويته ومكون شخصيته الأساسي، فقد كان محاولة بارعة لمجاراة عبقرية هذا المبدع من زاوية هي الأهم دون أدنى ريب: التمرد الذي شكل خلاصة روح هذا الفنان.

أنت مسلم، مسيحي، يهودي…. وستبقى أبدا كذلك في نظر المجتمع الذي هربت منه خوفا على حريتك وأمنك الشخصيين، وفي نظر تيارات العنصرية والانغلاق في المجتمع الذي لجأت إليه. التيارات التي تبرر، خصوصا في حالة اللجوء السوري الأخير، رفضها لقدومك بأمر أساسي بالنسبة لها: أنت مسلم مختلف لا مكان لك هنا وإلا تغيرت “هوية” مجتمعاتنا بسبب وجودكم بكثرة أنت وأمثالك.

بالطبع ليست جريمة أن يدين أحد ما بدين ما. وليست جريمة كذلك أن يحافظ على الدين أو الهوية التي منحت له لحظة ولادته، ما دام مقتنعا بهذا. ولكن بالمقابل هل يمكن للفرد أن يكون شيئا آخر، سواء تعلق الأمر بالدين أو سواه، من اختياره هو؟! في ظل مجتمعات أو تيارات الهويات الراسخة، سواء في الأوطان أو في المنافي، سؤال كهذا هو الكفر بعينه. فريدي ميركوري لم ينصع ومضى خلف سؤاله طارحا احتمالات لا تحصى له ولجميع من يريد أن يسلك هذا الطريق. ليصبح، كما تقول إحدى أشهر أغنيات فرقته I want to break free، مشروع حرية وتمرد دائمين. هذا التمرد طال جميع مناحي حياة فريدي، وبالذات المنحى الأكثر أهمية المتعلق بموهبته كموسيقي. لم ينصع لأي تصنيف مسبق وبقي في حالة بحث دائم عما يميزه عن بقية المبدعين في نفس الحقل، وهو حقه كمبدع في كل الأحوال. وكانت النتيجة تلك الأيقونة الموسيقية “الإنشاد البوهيمي” التي احتفى الفيلم بها، ومازال العالم كله يحتفي بها للآن.

لطالما وجدنا أنفسنا كلاجئين إلى مجتمعات وثقافات جديدة، مختلفة تماما عن تلك التي خلقنا وعشنا فيها أعمارنا، أمام عملية إعادة تكوين، أو إعادة اختراع “reinvention”، إجبارية تقريبا. الأمر يبدأ من “اللغة” وربما لا ينتهي إلا وقد أصبحنا أشخاصا آخرين غير ما كنا عليه لحظة وصولنا. وبمعزل عن إيجابية أو سلبية النتيجة، ولا شيء في نهاية المطاف إيجابي أو سلبي بشكل مطلق إلا في أذهان عشاق المطلقات في كل شيء، فإن عملية كهذه تعني حياة أو موت في ظل مجتمعات مستقبلة جديدة ومختلفة كليا. مجتمعات تمضي في كل الأحوال دون الحاجة إلى أي وافد جديد لا يمتلك القدرة على الاندماج. العملية التي ستقود بدورها إلى تغييرات أكيدة حتى لو أنكر “المندمجون”، بشكل أو بآخر، هذا التغيير.

تحد كهذا، إعادة اختراع الذات، ليس بالأمر السهل الذي يمكن أن يمر كتجربة “مثيرة” يمكن الحديث عنها لاحقا مع الأصدقاء بصفتها “مغامرة” انقضت بانتصار “الشخص الخير”، أو “القيمة الخيرة”، في ذواتنا. في ظل تحد كهذا لا شيء خير ولا شيء سيء.. بالأحرى لا شيء ثابت على الإطلاق باستثناء حقك، وكفرد قبل أي شيء آخر، في أن تمضي خلف ما تراه الأفضل بالنسبة لك كشخص متعطش للحياة بكل ما تحمله من ممكنات ولا شيء أقل.

هذا “التعطش” بالذات كان هو “إضافة” فريدي بكل ما يمكن للإضافة أن تعنيه. ويخطئ من يظن أن طريق فريدي كان معبدا لأسباب عديدة. منها مثلا أنه ولد مواطنا بريطانيا، كونه ولد في زنجبار عندما كانت ما تزال محمية بريطانية. وكونه درس في مدارس بريطانية في الهند وأصبح بالتالي مهيأ لاندماج كامل بعد انتقال عائلته للعيش في لندن وقد بلغ 18 عاما. هذا يعد تفصيلا بسيطا جدا إن أخذنا بعين الاعتبار أن فريدي لم يكن يريد “اندماجا” فقط، بل كان يريد شيئا آخر أبعد بكثير. كان يريد أن ينطلق.

إلى أين؟! فريدي ميركوري وجد هدفه وسلك طريقا يعرفه الجميع ويخشوه في آن. من “فاروق بولسارا” إلى “فريدي ميركوري” المسافة كانت شاسعة جدا. لم يرض بما كان مطروحا ومضى إلى أبعد وأعاد اختراع نفسه كاملا من الاسم إلى العمل، الذي بقي مصرا فيه على كونه موسيقيا وليس شيئا آخر من أي من المهن التي امتهنها قبل احتراف الموسيقى، إلى حتى ميوله الجنسية. وبالرغم من أن “فريدي” الفكرة كان موجودا دائما مع “فاروق”، كما هي بذور “الأفكار” أو “أحلام اليقظة” التي يحملها الكل في ذواتهم، إلا أنه مضى في نهاية المطاف وراء تلك الفكرة وحولها إلى إبداع وجنون لم ينسه العالم كله حتى الآن.

إعادة اختراع الذات والهوية ليست بالأمر اليسير، نعم؛ ولكن، وفي حالة اللجوء بالتحديد، فإن الشخص القادر على تحويل مأساة اللجوء إلى ولادة جديدة يكون قد سلك طريق نجاة يحتاج إلى شجاعة وثقة بالذات هائلين للخوض فيه. الأمر هنا لا يقتصر على أولئك الذين يريدون تغيير كامل هويتهم وإعادة إختراع ذواتهم بشكل جديد أكثر استجابة مع مكنونات ظهرت في فسحة قد تكون، ضمن ظروف تزداد مأساوية وتضييقا، فسحة هاربة فعلا. بل إنه أيضا يعني أولئك المقتنعين بهوياتهم الأصلية. فأن تعيد رؤية قناعاتك من منظور جديد هو أمر حيوي ومنعش ولا غنى عنه لجعل تلك القناعات بدورها حياة جديدة وليست عبئا ثقيلا على كاهل صاحبها وكل المحيطين به. أصادف هنا في بلاد اللجوء نماذج عن “رجال دين” أو “مؤمنين” أكثر انفتاحا وتفهما وسعة أفق من كثر من دعاة “العلمنة” الذين حولوا قناعاتهم إلى “دين” جديد راسخ وزادوا من عدوانيتهم تجاه المجتمعات التي أتوا منها لدرجة باتوا أقرب ما يكون إلى تيارات اليمين العنصري في نظرتهم المتعالية كليا تجاه تلك المجتمعات.

في كل الأحوال لو لم يسلك “فريدي” ذلك الطريق لربما بقي “فاروق” مجرد “Paki”[1] في نظر كثر. وكان يمكن أن يبقى هكذا طيلة عمره الذي لو عاشه كما كان يفترض أن يعاش، من وجهة نظر والده، لبقي أسير تلك التسمية ومحاولة محو “الانتقاص” الواضح فيها في وقت هو أحوج ما يكون فيه للعيش كما يريد هو لا كما يريد والده. أو كما يريد بضعة عنصريين مرضى بأوهام تفوق عرقي، أو ديني، قاد العالم، عدة مرات، إلى كوارث مدمرة. وما زال احتمال تكرار تلك الكوارث قائما حتى الآن.

من الأكيد طبعا أن الأب ليس كالعنصريين من ناحية مشاعره تجاه “الضحية”؛ ولكن الأكيد أيضا أن مشاعر الحب، إن حاولت فرض رؤيتها هي للمحبوب، كيف يجب أن يكون أو يعيش أو..، فهي في النهاية ستحوله إلى ضحية. أي الحب والكراهية هنا يتساويان في النتيجة. تلك النتيجة التي رفضها “فريدي” بكل ما أوتي ومضى خلف أحلامه.

هل يمتلك أولئك اللاجئين في أوروبا، والغرب عموما، هذا الخيار؟! بالتأكيد، وفي كلا الاتجاهين: حياة وهوية جديدتين بالكامل؛ أو تجديد للحياة والهوية القديميتن من منظور أكثر رحابة وغنى. غير هذا سنجد أنفسنا كـ “بومي بولسارا” والد “فاروق” ممسكا بصورة طفله الصغير، في لقطة جدا مؤثرة في الفيلم، وقد أدرك، متأخرا جدا، أن “فاروق” قد خرج بكامل إرادته ورغبته ولن يعود أبداً.

———————————————

[1]  الاسم العنصري المختصر لكل الوافدين إلى بريطانيا من منطقة جنوب آسيا. وهي الصفة التي أطلقت على “فريدي” خلال ظهوره الأول مع فرقته في أحد البارات حسب أحد مشاهد الفيلم، وهي الصفة نفسها نفس الصفة التي استخدمها بعض “خصومه” الشخصيين لإهانته.

نبذة عن الكاتب

شكري الريان

كاتب فلسطيني سوري مهتم بالشأن الإعلامي

Loading Facebook Comments ...