رأس إنسان على جسد كلب

في جزيرة ساماتانا الواقعة في منتصف بحر الساماتا العظيم، البحر الذي لم تُعرف له أي حدود، يعيش قوم السماترة، وهم بشر لا يخضعون لأي شروط قانونيّة أو أيديولوجيّة معروفة لدى باقي المجتمعات الإنسانيّة التي عرفناها على كوكب الأرض في تاريخه.

العلم، هو أهم مميزات جزيرة ساماتانا، فالناس في هذه الجزيرة يعشقون العلم ويسعون جاهدين، صغارًا وكبارًا، رجالًا ونساءً، إلى منصات العلم ويالحظه من استطاع العمل في مركز ساماتانا للأبحاث، وهو المركز الأهم في الجزيرة من الناحية العلميّة، خاصة وأنّه يضم أعظم العقول التي عرفها البشر يومًا.

في يوم من أيام الخريف الماطرة أعلن مركز ساماتانا للأبحاث عن حاجته لمتطوع من أجل بحثهم الجديد، والمطلوب أن يكون المتطوع قد بلغ الخامسة والعشرين من عمره وهو خال من أي مرض أو عيب، وعلى المتطوع أن يقبل بأن يُقطع رأسه لأنّ الغرض من البحث هو تجربة زرع رأس إنسان على جسد كلب، قالوا إنّ هذه التجربة ستساعدهم في فهم سر الحياة وستساهم بشكل كبير في الوصول إلى خلود الإنسان.

لم يتقدم أي شخص للتطوع من أجل هذه المهمة التي سترتقي بالأبحاث العلميّة في جزيرة ساماتانا إلى مستوى جديد كليًا، حيث أنّ علماء مركز ساماتانا للأبحاث يعولون كثيرًا على هذه التجربة. دام البحث عشر سنوات متواصلة عن شاب بهذا العمر، لكن هذا البحث لم يسفر عن شيء رغم أنّ سكان الجزيرة المتحمسين لفكرة التجربة أغروا الشباب بما قدروا دون أن يلبي أي شخص رغباتهم. كذلك حاولوا استقدام شاب من بلاد أخرى لكن كلّ محاولاتهم باءت بالفشل.

هكذا قرر المسؤولون عن مركز الأبحاث أن يباشروا في زرع نطفة في رحم امرأة، صحيحة الجسد خالية من أي مرض، من أجل أن تلد طفلًا، ومن ثمّ يقومون على رعاية شؤونه حتى يصبح في العمر المناسب للتجربة، فيقوموا بها.

وُلد الطفل من هذه المرأة وسُمّي السماتري الأول. حافظ المجتمع العلمي في هذه الجزيرة بمساعدة من كلّ السكان على رعاية الرضيع ومن ثم الطفل فالمراهق والشاب، بالدرجة القصوى من الاهتمام. كان هذا الإنسان هو أكثر الأشخاص الذين تمّ الاهتمام بهم في تاريخ البشر. هكذا حتى أصبح الشاب في الرابعة والعشرين من عمره. كان حتى هذا العمر قد تلقى ما تلقاه من معارف وعلوم ولغات مختلفة أصبح قادرًا على التكلم بها، قرأ كتب التاريخ وكتب الفلاسفة وكتب الأدب. مارس الرياضة بانتظام وعرف الموسيقى والغناء وكتب الشعر. أحبّ فتاة لكنه مُنع من ممارسة الجنس معها خوفًا من جراثيم أو بكتيريا أو فيروسات قد تصيبه. كانت حياة الشاب مثاليّة وكانت سعادة القائمين على مركز ساماتانا للأبحاث فائقة مع إقتراب موعد القيام بأهم تجربة علميّة في هذا المركز على الإطلاق.

في يوم صيفي جميل، طلب السماتري الأول من كلّ سكان الجزيرة أن يجتمعوا في الساحة العامة حيث يخطب حاكم الجزيرة بالناس عادة. اجتمع كلّ قوم السماترة قبل ساعات من الوقت الذي حدّده الشاب. اعتقد بعضهم أنّ الشاب سيتلو وصيته وآخرون ظنوا أنّ التجربة ستبدأ الآن أما بعض الحكماء فقد أكدوا أن مصيبة على وشك الوقوع.

بدأ الشاب كلامه بتحيتهم وشكرهم على اهتمامهم به طوال السنوات الماضية وأكد على حبه للجزيرة ولسكانها حبًا لا يضاهيه حب، ثم قرأ لهم قصيدة كتبها خصيصًا لهذه المناسبة تتغنى بجزيرة ساماتانا وأهلها. بعد هذه المقدمة الطويلة ساد الصمت الثقيل لدقائق ثم قال الشاب بشكل سريع وبصوت غير واثق متردد جملة وقعت على آذان السكان وقع كارثة لا فكاك منها. لقد أبدى لهم السماتري الأول رغبته في استكمال حياته تحت اسم جديد وهو شادانو، وأنّه قد قرر الإنسحاب من التجربة ويطلب منهم دعمه في حياته القادمة.

حاول شادانو الجديد أن يكمل ما قاله، قال أشياء كثيرة لكنه لم يلق أذنًا واحدة تسمعه. كان هول الصدمة كبيرًا على وجوه السكان رغم أن قلّة منهم كانت تتوقع حدوث شيء كهذا. كان الشاب يحكي والناس عنه مشغولون. يحكي كلّ منه رأيه للشخص الذي يجاوره. بعض الرجال والنسوة توجهوا مع أولادهم إلى بيوتهم خوفًا من مصيبة قد تقع على الموجودين في الساحة العامة، حتى إنّ واحدًا من الرجال قد سُمع وهو يقول لزوجه بأنّه يفكر في أن يغادر الجزيرة إلى واحدة من الجزر القريبة إلى أن تنتهي هذه المأساة.

(عزيزتي القارئة، عزيزي القارئ، لدينا الآن نهايتان: اختاروا واحدة منهما وأكملوا الحكاية كما تحبون.)

نهاية أولى:

اجتمع مجلس حكماء الجزيرة في اجتماع طارئ وعاجل دعا إليه حاكم الجزيرة في نفس اليوم الذي أبدى فيه السماتري الأول رغبته بالانسحاب من التجربة. دام الاجتماع حتى صباح اليوم التالي. لم يعرف أي شخص في الخارج ما دار من حوار بين الحكماء. كان الناس يغلون في الخارج لم يغمض جفن ولم يخبو مشعل. كان الشاب محاصرًا في واحدة من زوايا الساحة دون أن يُسمح بالتحرك حتى يصدر أمر ما عن مجلس الحكماء.

بعد ساعات طويلة وانتظار لا مفر منه خرج الحاكم محاطًا بالحكماء وعلامات الإنهاك والتعب بادية على وجوههم. رفع الحاكم قبضته في الهواء وقال بصوت عال: “نقف اليوم أمام تحد لم نشهد له مثيل في جزيرتنا الشامخة. لم نقابل حالة مثل هذه قط، لذلك استمر اجتماعنا لساعات طويلة نقلّب المسألة على وجوهها المختلفة حتى وصلنا إلى قرارنا وهو قرار نهائي غير قابل للرجوع عنه. لقد قررنا وبإجماع الحكماء بأن التجربة ستكتمل حتى النهاية ولن نسمح لآراء وعواطف شابٍ صغير أن تحيدنا عن درب العلم الذي انتهجناه. فلنتذكر جميعًا أنّ هذا الشاب ما كان حيًا لولا التجربة وأن وجوده مرتبط بهذا البحث. سكان جزيرة ساماتانا الأعزاء، لقد أوصينا بأن يعجل مركز ساماتانا للأبحاث بإجراء التجربة وأن يقوم بها خلال أيام قليلة وبألا ينتظروا حتى السنة القادمة الموعد المحدد للقيام بالتجربة. ومنذ الآن حتى يوم التجربة الذي ننتظره بفارغ الصبر، نأمر بأن يودع السماتري الأول في سجن الجزيرة وفي زنزانة منفردة تحت الحراسة المشدّدة دون أن يُسمح لأحد بزيارته. هيا أيها الجنود اقتادوه إلى السجن”.

هلل الناس فرحين لقرار حاكم الجزيرة وصاروا يهتفون باسمه وهم يرون الجنود يجرّون السماتري الأول الباكي نحو سجنه.

نهاية ثانيّة:

ازداد صخب المجتمعين في الساحة العامة. مرّ الوقت ثقيلًا على شادانو الذي كان يتبادل النظرات مع المرأة الفاتنة التي يبادلها الحب. بعد ساعات طويلة توجه الاهتمام نحو مجموعة صغيرة من الشبان والشابات، كانوا منفعلين ويصرخون بأنّ الإنسان كائن حرّ الخيار ولا يمكن بأي طريقة من الطرق إجبار أي شخص على تقديم رأسه فداء لفكرة في عقول بعض العلماء. ازداد التجمهر حول هذه المجموعة في الأثناء التي انعقدت فيها جلسة طارئة لمجلس الحكماء بدعوة من حاكم الجزيرة.

ازداد قبول الناس لفكرة المجموعة الصغيرة في دعم شادانو في خياره، وتكاثر الصائحون بحرية الإنسان في اتخاذ قراراته في الحياة. هكذا إلى أن تحول الأمر إلى ما يشبه مسيرة دعم كبيرة، تعالت صيحات الناس وهتافاتهم فيها. كانوا ينادون “البقاء لرأس شادانو على جسده”، “لا لرؤوسنا على أجساد الكلاب”، “لا لخلود الإنسان” ومشى الناس بشكل لا إرادي نحو مركز اجتماع الحكماء بالحاكم.

حوصر المكان بالمدافعين عن شادانو مما اضطر المجتمعين إلى الخروج خوفًا من غضب الناس. نظرات الذعر كانت تعلو وجوه الحكماء والحاكم وحراسهم، مما دفع الحاكم إلى محاولة تهدئة الناس لكن كلّ محاولاته باءت بالفشل خاصة وأن الجموع كانت تتكاثر وصوته يكاد لا يصل إلى الشخص الذي أمامه مما دفع الجنود إلى إطلاق عيارات ناريّة في الهواء مما أدى إلى ازدياد الصراخ والغضب.

هرب الحاكم والحكماء إلى الداخل وأعلنوا عبر مكبرات الصوت أنّهم ينتظرون القائمين على مركز ساماتانا للأبحاث ليتشاوروا معهم فيما يجب عليهم فعله. بعد وصول القائمين على المركز واجتماعهم مع القائمين على أمر الجزيرة تم الاتفاق على إلغاء التجربة والبحث عن طريقة جديدة تساعد في فهم سر الحياة.

نبذة عن الكاتب

دلير يوسف

‏ كاتب ومخرج من سورية، مقيم حالياً في العاصمة الألمانية برلين

Loading Facebook Comments ...