عن داعش “التي في أنفسنا”

لا تحاول هذه السطور أن تكون سجلاً للضجة التي حصلت في الأيام الأخيرة حول فيلم طلال ديركي “عن الآباء والأبناء” ولا إقامة محكمة تفتيش بحق أحد أو فرض وصاية على تفكير أو كلام أحد؛ بما فيها الاتهامات التي ووجه بها كل من هاجم الفيلم، أو حتى حاول أن يقول بأن فيلم طلال ديركي كان فيلما ظالماً في أحسن الأحوال.

هذه المقالة، ضمن حدود إمكانيات كاتبها، تحاول أن ترصد ذلك الموقف الذي وجد أوضح تعبير عنه من خلال عنوان المقالة الشهيرة للأستاذ حازم الأمين. طبعا السطور هذه لا تتناول هذه المقالة حصراً، مع كامل الاحترام والتقدير لكاتبها، بقدر ما تتناول الموقف الذي يرى أن كل مشاكلنا هي “في أنفسنا” قبل أن تكون في أي مكان آخر. وهذا من باب حسن النوايا في كل من يريد الخوض في المأساة السورية المسفوحة تفاصيلها أمام الجميع.

والتناول هنا سيتحرك على محورين: الأول، هو ذلك المتعلق بتصوير تلك الظاهرة، الداعشي الصغير في دواخلنا، بصفتها استجابة تكاد تكون وحيدة تبديها البيئات التي تعرضت لأفدح عقوبة يمكن تخيلها، ربما عبر التاريخ كله، لمجموعة بشرية قامت في مواجهة سلطان جائر. طبعا غني عن القول أن تلك “البيئات” تتمتع بمواصفات طائفية، وإثنية أيضا، حصرية.

أما المحور الثاني، فهو المتعلق بالتسرع في إطلاق الأحكام على تلك المجتمعات دون توفر أي “أداة”، أو حتى “قاعدة معلومات” حقيقية، موضع ثقة، تعطي نتائج حقيقية يمكن التعويل عليها. وبالتالي نجد أنفسنا دائما في مواجهة نزق فردي، في أحسن الأحوال، معبر عنه عبر مقالة، أو فيلم تسجيلي، عوضاً عن أن نكون في مواجهة بحث مدعم بكل ما يلزم من إحصائيات ودراسات ووثائق.  وهذا أمر لا غنى عنه ليكون أرضية تستند عليها كل أشكال التناول لظاهرة أو إشكالية أو مأساة بحجم ما حصل في منطقتنا العربية برمتها إثر الربيع العربي. وكذلك لإعطائنا حداً أدنى من الثقة بأن التناول هنا حقيقي وليس مجرد ردة فعل. وهو تناول يجب أن يضيء بدقة إلى أي مدى استفحلت تلك الظاهرة بحيث يمكن للمرء أن يناقش، ولو بحد أدنى من الهدوء والتركيز، كيفية العلاج أو الخروج من هذا المأزق الذي أدى إلى كل هذا الدمار. على فرض أن استجابة تلك البيئات بالذات كانت هي السبب الرئيسي فعلاً وراء كل هذا الدمار.

التعامل مع الظاهرة الإسلامية في عمومها، وليس الاستجابة الداعشية فقط، بوصفها استجابة رئيسية من قبل المجتمعات، العربية السنية في معظمها، المغيبة والمضصهدة، للتحديات المفروضة عليها فيه إجحاف كبير بحق هذه المجتمعات. وهذا القول، مع وجود حسن النوايا عند جميع من قالوا بهذا، أمر لا يمكن أن يخدم إلا الدعاية المبررة لاستمرار حكم تلك المجتمعات بواسطة البسطار العسكري. البسطار الأقلوي في الحالة السورية، والعراقية الصدامية قبلها، والعراقية الإيرانية معها، والأوليغارشي العسكري في حالة مصر السيسي. البسطار، الأقلوي دائما وبكل المعاني، الذي عرف لحظة تجليه الأولى مع قيام دولة إسرائيل.

الإسلام يشكل جزءاً رئيسياً من هوية تلك المجتمعات، ولكن هذا لا يعني أنها بغالبيتها الكاسحة تريد مجتمعاً إسلامياً متزمتاً. الهجوم الأكثر حدة الذي يتعرض له الإسلاميون يأتي من تلك المجتمعات بالذات، ولا يقتصر فقط على “مثقفي” تلك المجتمعات. في الحالة السورية امتد الأمر إلى شرائح واسعة عانت الأمرين خلال فترات الحصار المضنية التي فرضها النظام على البيئات الثائرة ضده، وفوقها عانت تلك البيئات من تعنت وخبث وقلة كفاءة وفساد الإسلاميين الذين يريدون إزاحة النظام فقط حتى يتولوا السلطة عوضاً عنه، ولو على شبر أرض. الاحتجاجات في بعض المناطق أخذت شكل عمل مسلح مضاد، هو وحده من ساهم في طرد داعش من مساحات واسعة في الشمال السوري، الأمر الذي يبدو أن كثيرين يريدون نسيانه!

الموضوع المتعلق بهوية الحكم المستقبلي البديل عن الحكم الاستبدادي الذي قامت ضده تلك المجتمعات، موضوع قابل للنقاش عند الجميع مع بضعة استثناءات. الغالبية الكاسحة لم يكتفوا بإبداء قبول واضح بفكرة أن يكون صندوق الاقتراع هو الحكم الدائم بينهم، بل إن بعضهم ذهب إلى أبعد من هذا وضحى بالكثير، خلال الربيع العربي كثر ضحوا بأرواحهم، للوصول إلى الصندوق هذا أو، على الأقل، إلى مرحلة يمكن فيها للمرء أن يقول كلمته دون خوف من ثمن باهظ مقابل كلمة فقط.

القول بأن التوجهات الإسلامية المتطرفة هي السائدة وصاحبة الحظ الأوفر بالاستمرار في الحكم في المجتمعات المسلمة، أو “البيئات الحاضنة” كما يصر الأسد وشبيحته على وصفها، القول الذي لقي قبولاً عند نسبة من المتابعين، أو أقله لم يخضع لفحص وتمحيص لا غنى عنهما للتأكد من صحته، هذا القول فيه أيضا الكثير من العنصرية. وكأن تلك المجتمعات يستحيل أن تحكم إلا بواسطة السوط كائناً من كان الممسك به. وبالتالي يصبح التدخل لقمع تلك المجتمعات مبرراً أخلاقياً. بل إن جعل هذا السوط في يد عسكري “علماني” خيار فيه رحمة ما، شكل من أشكال الرحمة الصعب إدراك مداها البعيد، حتى للقطيع، أي المحكومين.

هل يمكن أن يذهب القول أعلاه، بكون الاستجابة الإسلامية، الداعشية في بعض أوجهها، هي أكثر ما يمكن لتلك المجتمعات أن تبديه في مواجهة أي تحد تتعرض له، هل يمكن أن يذهب إلى أبعد من دعم وتعزيز الطريقة العنصرية الأقلوية الاستبدادية في حكم تلك المجتمعات؟! وإن افترض البعض أن ما تريده هذه المقالة هو تقويل القائلين بـ”داعش التي في أنفسنا” كلاماً غير ما يريدون قوله، فما الذي يريدون قوله بالتحديد خارج ما ذكر أعلاه؟! ربما فيلم طلال ديركي يأتي كتأكيد لـ “التقول” أعلاه، وليس العكس.

وحتى بوجود دافع “نبيل” وراء تلك “النظرية” حول الداعشي الذي في إنفسنا أعلاه، وأن الغاية هي إحداث تلك الصدمة المطلوبة لتطوير تلك المجتمعات واستجاباتها بحيث تصبح أكثر صلابة في مواجهة التحديات المفروضة عليها. وأن الصدمة وحدها هي التي ستكون محفزاً للبحث في الأسباب الحقيقية، الداخلية، لما حدث فعلاً. خصوصا وأن أحداً لا يمكن أن ينكر أن تلك المجتمعات “هزمت” في معركتها الأخيرة من أجل الحرية والكرامة، ولا يمكن لعاقل أن يفترض أن أسباب الهزيمة هذه تكمن فقط في الظروف الخارجية التي فرضت الهزيمة عليها. هناك شيء ما، داخلي، لعب دوراً أكيداً في جعل تلك الهزيمة ممكنة، وهو أمر لا يمكن إغفاله وإلا سنصبح كمن يريد أن يقول بأنه فعل كل ما هو مطلوب منه وفشل بالكامل في تحقيق أي شيء!

وعلى فرض أن “الصدمة” هي المطلوبة للقيام بمراجعة لا بد منها وإلا عدنا لتكرار نفس الأخطاء، في حال أتيحت لنا الفرصة للقيام بمحاولة أخرى. يصح هنا السؤال هل استند أصحاب نظرية “داعش التي في أنفسنا” إلى معرفة دقيقة بتلك المجتمعات حتى يصل إلى تلك النتيجة بصفتها “سبب” الهزيمة؟! بعضهم يمتلك خبرة “إخبارية” لا شك بها، وقد تكون الخبرة الأفضل في منطقتنا كلها، ولكن في موازين البحث، ما هي القيمة الفعلية للتقرير الإخباري القائم على مجهود فردي، خصوصا في تناول ظاهرة من السعة والخطورة كظاهرة الإسلام السياسي في المجتمعات العربية وتطوراتها الأكثر راديكالية؟! أو حتى لو اقتصر الكلام على ما يمكن للإعلام أن يقوم به، هل يمكن لـ “رحلات”، كائناً ما كان عددها، للقاء مجموعة من “الجهاديين” أن يكون كافياً لتأسيس تلك “الداتا”، الأرضية التي لا غنى عنها، ليقوم عليها شيء جدير بالثقة، معرفياً على الأقل؟! أم أن الأمر يتطلب عمل مؤسسات حقيقية لها تاريخها وإمكانياتها وعملها التراكمي؟! وفوق هذا هو عمل تديره فرق بحث متكاملة وليس مجهودات فردية، يشكر أصحابها في كل الأحوال على ما قدموه ولكن مع الانتباه إلى أن أبعد ما يكمن أن يصلوا إليه من حدود لا يمكنه أن يكون إلا إسهاماً متواضعاً في مجال بحاجة إلى فرق بحث كاملة وعمل تراكمي وتعاون وتقبل لما يمكن أن يظهر عن طريق البحث والاستقصاء من وثائق تثبت شيئاً لا يمكن إنكاره وهو بدوره سيقود البحث بأكمله باتجاهات جديدة لم تكن موجودة فعلا مع بداية البحث…. مثلاً وثائق تقول بأن “حجي بكر” لم يكن إلا ضابط استخبارات عراقي سابق، من عهد صدام، وأصبح لاحقاً مدير عمليات داعش في كامل الأراضي السورية والعراقية على حد سواء!

التحقيق الشهير الذي قدمته مجلة “دير شبيغل” الألمانية هو نموذج على ما يمكن لتلك “المؤسسات” وليس الأفراد القيام به، إعلامياً على الأقل. التقرير الذي أخذ جهداً ومالاً ووقتاً ونشر وثائق غير مسبوقة للكشف عن هيكلية وكيفية عمل التنظيم في مدن وبلدات في سوريا، لم يكن يعرف عنها أي شيء قبل بضعة أيام من بدء انتشاره فيها. ولاحقاً، بعد بضعة أشهر من ظهوره فيها، استفرد بحكمها بقبضة وطريقة مشابهتين لأسلوب النظام الذي ثارت تلك المدن والبلدات ضده. بل إنه استند إلى “داتا” واضحة للقيام بعمله هذا من المستحيل أن يجمعها خلال بضعة أشهر من وصوله إلى بيئة لم يكن يعرف عنها شيئاً من قبل. “داتا” كشفت عن دراية كبيرة بتلك المجتمعات مع قوائم كاملة بأسماء أشخاص مقيمين في تلك المناطق وميولهم السياسية! وكل هذا تم في سياق عمل إعلامي فقط، وليس عملاً بحثياً. حيث الجميع يدرك مدى صعوبة، إن لم يكن استحالة، القيام بعمل بحثي حقيقي وتراكمي حول ظاهرة الإسلام السياسي تحديداً في منطقتنا منذ نشأة هذه الظاهرة في ظل الأنظمة البوليسية التي يعرف الجميع ماذا يعني لها عمل بحثي مستقل.

ما حدث مع الباحث “جوليو ريجيني” في مصر ليس إلا مثالاً حديثاً لمجموعة من الأمثلة قد تكون بدأت فعلياً بالجريمة الفظيعة التي حصلت بحق الراحل “ميشال سورا”. وباستثناء بضعة محاولات محدودة، كان القيام بالعمل البحثي، المستقل والمتوازن، في ظل الأوضاع “المستقرة” تحت سلطة الحكم الاستبداي أشبه بالاستحالة. بضعة أبواب فقط فتحت أمام أحد الباحثين، في السبعينيات من قرننا الماضي، المقصود الراحل “حنا بطاطو”، فكانت النتيجة كتابين يكادان يكونان المرجعين الوحيدين في التاريخ السياسي المعاصر لبلدين كاملين، سوريا والعراق!

ليست الغاية انتقاص دور المجهود الفردي هنا، خصوصا في سياق انعدمت فيه تماما إمكانية قيام المؤسسات بعملها، هذا إن وجدت تلك المؤسسات أصلاً؛ ولكن بالمقابل علينا أن لا ننسى أن هذا المجهود، المشكور للمرة المليون ربما، له حدوده ولا يمكنه تجاوزها. وأن يُبنى على هذا المجهود موقف يكاد يكون “موحداً” تجاه الظاهرة نفسها، ويَنسب هذا الموقف الصواب إلى من تبنوه، وإلى المعترضين عليه أحادية الاتجاه والتشنج والرغبة في إسكات الصوت المختلف، فهذا أمر أدعى للتساؤل فعلا حول جدية من تبنوا هذا الموقف بعيداً عن النزق الفردي المدفوع بالملل ليس إلا، وهذا في أحسن الأحوال.

هل من الممكن القيام بشيء ذا مغزى وفائدة يُفهمنا، كرأي عام، حقيقة ما حدث؟! طبعا هذا أمر أكيد. وهو ما سيحصل في كل الأحوال ولن ينتظر خروج البعض من حالة الملل أو الإحباط التي يعيشها ويريد أن يفرضها على الجميع. ولكن حتى ينجح هذا المسعى فهو بحاجة إلى تحقيق مجموعة من الشروط، أهمها على الإطلاق أن يكون بعيدا كلياً عن المماحكات التي أبداها كثر تجاه الاعتراض على السمة “الداعشية” التي يراد إلصاقها بالبيئات التي ثارت ضد الاستبداد.

قد يكون الأخيرون مدفوعين بردة فعل دفاعية عن بيئات يرون أنها دفعت الثمن الأكبر لهذه الثورة، هذا أمر مفهوم ومفهومة حدوده ولابد فعلاً من القيام بمراجعة أكيدة وإلا لن يستقيم أي فهم لكل ما حدث. ولكن أن يستمر أصحاب النظرية الداعشية بوسمهم بأنهم قطعيون أحاديو الاتجاه أو “شرطة ثورة”، عدا عن كونهم داعشيين، كما المستذئبين، كلما عنّ لأحدهم شتيمة تلك البيئات عبر عمل “إبداعي” ما، فهذا بدوره موقف لا يمكن فهم الاستمرار فيه إلا بصفته “دونكيشوتية علمانوية” لن توصل صاحبها إلا إلى المزيد من طواحين الهواء. الطواحين المحمولة على أوهام “اختلاف” مفتعل واستعراضي لن يفعل شيئاً في خدمة محاولة فهم ستصل إلى غاياتها في كل الأحوال تاركة، من يشاء، يطارد ما شاء له الوقت من طواحين.

نبذة عن الكاتب

شكري الريان

كاتب فلسطيني سوري مهتم بالشأن الإعلامي

Loading Facebook Comments ...