تبرير الجريمة في سوريا

“هل تعلمين أن من تبكين عليهم وتستغربين لما “الدولة” تعتقل شبابهم وتذلهم على الحواجز، لا يسمحون لفتياتهم بالخروج من المنزل إلا وأحد أخوتهن معهن ويفرضون عليهن ارتداء الحجاب والأن تبكين عليهم!”.

هذه المحادثة دارت بين ضابط في قوة الأمن والمخابرات التي تتبع للنظام السوري وبين ابنته الشابة التي كانت تبكي أثناء مشاهدة تعذيب قوة الأمن لعدد من الشبان الذين تم اعتقالهم في دوما إثر مظاهرة سلمية عام 2011.

وفي حادثة أخرى: “الدولة إنما تقصف بالبراميل المتفجرة مجتمعات هي بالأساس فاسدة وبخيلون ولا يحبوننا ويريدون إذا ما استلموا السلطة القضاء علينا وإبادتنا”.

 بهذه الكلمات رد أحد مؤيدي الأسد على منشور على موقع فيسبوك تعقيباً على قصف أحياء شرق حلب بالبراميل المتفجرة عام 2014.

وبالعودة إلى البدء، من درعا وعندما اندلعت المظاهرات في المدينة وأخذت تتوسع وتهتف بإسقاط نظام الأسد، كنت تجد من يقول تعقبياً على خروج المظاهرات في درعا: “منذ متى والمهربين وقطاع الطرق يريدون الحرية، على الدولة القضاء عليهم.”

مروراً بتبرير قصف أحياء بأكملها على أن هذه الأحياء ذات بناء عشوائي وبالأساس غير مرخصة وتعود الأراضي للدولة التي تسعى لبناء أحياء حديثة وملاعب ووجود هذه الأحياء عبء على الدولة ومخجل أمام الوفود الأجنبية.

بهذه الأمثلة التي لا تنحصر كان يتم تبرير الجرائم من قتل واعتقال وتشريد وتهجير وتدمير في سوريا، إما يُراد من هذا التبرير، إسكات النفس اللوامة أمام ضميرها الإنساني أو بالرغبة الفطرية لدى الإنسان للظهور أمام الناس مستور العورات وكامل الإنسانية وعدم ارتكاب الجرائم.

لم يقف تبرير الجريمة والدفاع عن مرتكيبيها على الجمهور المؤيد لحكومة الأسد بل تحولت لسمة عامة لدى العديد من الفئات في سوريا بخلاف التوجهات السياسية والجهات العسكرية التي تتقاسم السيطرة على الأراضي السورية، فهنالك من يجد في بعض الأيات والأحاديث النبوية تبريراً لقتل أبناء طائفة ما وفقاً لفتوى أحد المشايخ، وأخرين يجدون أن قتل أبناء هذه المنطقة إنما هو للدفاع عن وجودهم وحماية أطفالهم من القتل والظلم الذي ربما قد يتعرض له أطفالهم إذا ما كبروا، ويستندون بتصرفاتهم على أفعال قد ارتكبها بعض أبناء المنطقة المقصودة في حربهم.

وكما أخذ تبرير الجريمة طابعاً دينياً، أخذ أيضاً طابعاً قومياً ومناطقياً، كأن يقال: “أبناء هذا العرق عنصريون يريدون الانفصال عن أرض الوطن”.  وآخرون يقولون: “إن هؤلاء لا عهد ولا ذمة لهم هم بالأساس متطرفون و”دواعش” يجب أن نضع أقدامنا على أفواههم كي يبقوا تحت حكمنا”.

والمزيد من أدوات تبرير الجريمة وتعزيز ثقافة التعميم في سوريا لا يستطيع أحد حصرها بتدوينة ولا بمقال، فالكلام المتداول بين الناس والذي يتحول لشيء مُسَلم لا جدال فيه، أصعب من أن يحصر في بضع أمثلة، لتتحول بهذه الأحاديث المجتمعات السورية إلى مجتمعات مففخة ومنعزلة ومنغلقة على ذاتها، إذا ما اجتمعوا في منطقة ما، وإلى مجتمعات عسكرية إذا ما تم تسليح هذه المجتمعات.

بالرغم من أن ما تم ذكره لحد هنا، معروف ومتداول والكثير من الفئات تتحدث به وكأنه أمر محسوم لا خلاف عليه، لكن يتم تداوله من  باب تبرير الجريمة، أما التطرق إليه من باب توضيح أسباب المشاكل ومعالجتها والبحث عن حلول لها بين ثنايا الكلام المُسَلم به، يتم صده بحجة عدم تحريك النعرات الطائفية أو أن لا كلام عنصري يجب أن يقال ويعود الكل إلى ما تربى عليه.

منذ اندلاع الثورة السورية في آذار عام 2011، كان الكثير من الكلام الذي يحرك الشرائح الاجتماعية ويشكل الدافع الأول لتصرفاتهم وقراراتهم كان ليعتبر شيئاً مقدساً كالمفاهيم الدينية والمناطقية بين فئات المجتمع لتكون الثورة السورية بمظاهراتها التي أبدت تعاطفها مع كل المحافظات والمناطق والأديان والطوائف والقوميات المترامية على الأراضي السورية وتعاطف أبناء المدن مع الأرياف وتضامن أبناء الأرياف مع أبناء ما يسمى بالمفهوم الأسدي ولدى من لا يريد للسوريين الخير بـ”الأقليات”.

كسرت الثورة السورية عبر مظاهراتها السلمية عدداً من المفاهيم الدينية التي كانت متداولة ومسلماً بها كتبرير قتل أبناء جماعات معينة، وأدت لإعادة التفكير بالأمور التي كانت من المسلمات الدينية، وإن كان قد تعافت بعض الشرائح المجتمعية السورية  من عدة مفاهيم تعميمية خاطئة، لا يزال العديد من المفاهيم راسخاً وقد يطول معالجتها لعدة سنوات ولكن لا بد من الاستمرارية بالتذكير به ومحاربته.

 وعلى جانب أخر، أراها من وجهة نظري أخطر، تلك التعميمات المناطقية التي أدت لتبرير الجريمة والتي لا تقوم على الفتاوى الدينية، بل تلك التي تستغل خطأ ما من ابن أحد أبناء المناطق في سوريا ويتم تعميمه على كل أبناء المنطقة، ويتم تدوال الخطأ قبل بدء معركة عسكرية ما، ويتم التذكير بالخطأ حتى بعد ارتكاب أخطاء لا تقل عن الخطاً الذي دفع الأول لمحاربة الثاني لأنه ارتكب خطأ.

الابتعاد عن الغوص بمسببات تبرير الجريمة في سوريا التي كانت قبل اندلاع الثورة والتي سببتها المعارك الدائرة على الأراضي السورية، والانشغال بأمور أخرى كالمؤتمرات السياسية والتشكيلات العسكرية والصيد على شاطىء ما، لن يحل المشاكل والشرخ الذي أوجدته قوة الأمن السورية للحفاظ واستمرارية السيطرة على سوريا (خوف البعض من البعض) وعززته الجماعات المتطرفة والمناطقية والعنصرية.

فالمشكلة في سوريا، لمن يريد  حلها، لن تعالج فقط بسقوط الأسد من السلطة سواء كان بذات السيناريو الذي حدث في كل من تونس أو مصر أو ليبيا أو اليمن.

بل أحد أهم المشاكل التي يجب البحث عن حلول لها وطرحها ومعالجتها هي مشكلة تبرير الجريمة وشرعنتها واستساغتها وإعادة تعريف الجريمة على أساس سلوك المجرم ذاته لا على أساس التعميم الديني والمناطقي والعرقي.

نبذة عن الكاتب

خليفة الخضر

مواطن صحفي مقيم في الشمال السوري

Loading Facebook Comments ...