إعلام المقاومة الفلسطينية في سوريا وبدايات ظاهرة “السبوبة”

من عاش فترة السبعينيات والثمانينيات، وحتى النصف الأول من التسعينيات، من القرن الفائت في سوريا، وكان قريباً من الوسط الثقافي الإعلامي في ذلك الوقت، لا بد أنه تعامل مع الإعلام الفلسطيني، إعلام المقاومة، بشكل أو بآخر كاتباً أو قارئاً. والحق أن هذه الظاهرة، خصوصاً في بداياتها، وفي ظل الحكم الأسدي الذي لم يدع شيئاً يفلت من قبضته الخانقة، كانت ظاهرة ملفتة بصفتها، أولاً، شيئاً متحرراً من قبضة النظام.

كان لهذه الميزة تأثير منعش إلى حد ما على من تعامل مع هذا الإعلام، من السوريين والفلسطينيين على حد سواء. إذ كان كافياً للمرء أن يعمل مع، أو يقرأ، صحيفة أو مجلة أو كتاب صادرين في سوريا عن جهات أخرى غير جحور العفن الأسدي البعثي المعتاد والذي كان قد فرض ظلاله الكئيبة على مختلف أوجه الحياة والنشاط وحتى التفكير في البلاد خلال ذلك الوقت، حتى يشعر بأنه خرج ولو بضعة خطوات بعيداً عن دورة الكآبة المعتادة.

كانت مكاتب الإعلام التابعة لمختلف المنظمات الفلسطينية موجودة في العاصمة دمشق، أغلبها في مخيم اليرموك، وكانت تمارس عملها في ذلك الوقت بشكل يومي معتاد وتصدر مجموعة لا بأس بها من الإصدارات المتنوعة. هل كان لهذه الإصدارات سوق حقيقية في سوريا؟ الأمر كان يعتمد على الكثير من العوامل لتحقيق انتشار ما. أهم تلك العوامل هو سيطرة الدولة على توزيع المطبوعات والإصدارات الدورية، عبر المؤسسة العامة للمطبوعات، وبالتالي لم يكن هناك مجال للحديث عن أي شكل من أشكال “الاستقلال” ونهاية الطريق بيد أجهزة النظام. وكثيراً ما منع تداول أعداد من الإصدارات الدورية لبعض التنظيمات الفلسطينية، الحليفة لنظام دمشق، بسبب تجاوزها لبعض “الخطوط الحمراء” أحياناً.

من جهة أخرى فإن الكثير من تلك المؤسسات الإعلامية نفسها لم تكن تعتمد في استمراريتها على انتشار إصداراتها، أو رواج أعمالها، في السوق المحلي السوري أو في السوق العربية على العموم. كانت تلك مؤسسات تابعة لتنظيمات، حيث أمر بقائها واستمرارها مرهون بقرار من قيادات تلك التنظيمات. مضاف إليه أن الدورة المالية لعمل تلك المؤسسات لم تستقل يوماً واحداً عن التمويل والدعم المقدم لها من قيادات تنظيماتها الرئيسية. هذا بالرغم من الشكوى التي كان يبديها الجميع في كون تلك المؤسسات لا تحقق دخلاً كافياً لتغطية رواتب العاملين فيها. مع أن أمر تحقيق دخل مادي لتغيطة المصاريف، وكما كان يعلم الجميع منذ ذلك الوقت، يتطلب “منطقاً” آخر في إدارة الشأن الإعلامي والثقافي بحيث تعطى تلك المؤسسات حرية أوسع في عملها وفي إدارته وبحيث تكون الإدارة نفسها مختارة على أسس الكفاءة وليس الولاء. وهذا بالطبع كان منطقاً بعيداً جداً عن أصحاب القرار الرئيسيين في مصير تلك المؤسسات التي وجدت أصلا لأهداف أخرى كان للإعلام والثقافة دور رديف في تحقيقها في أحسن الأحوال.

ويمكن القول بأنه خلال تلك الفترة، الموغلة في القدم بمقاييس عصر الاتصالات الحالي، لم يكن أمر “الكفاءة” أو “السوية” قد طرح نفسه بقوة ليس على الإعلام الفلسطيني فحسب، بل وعلى إعلام عربي كان في عمومه قائماً على اجماع لا يقبل جدلا بشأن القضايا الوطنية الكبرى وبشكل يكاد يكون كاسحاً. وإن صدف أن وجد شيئ مغاير، وقد وجد فعلاً، فهو كان محدوداً ورهناً بمقدرة ذاتية توافرت نتيجة ظروف خاصة وليست ظروف عمل في مؤسسات. عموماً لم يكن الإعلام  في ذلك الوقت يطرح أسئلة من النوع الذي فرض نفسه لاحقاً نتيجة انفتاح، كاسح بدوره، على العالم المحيط ومختلف ألوانه ثقافياً وإعلامياً. في ذلك الوقت كان العالم ما يزال بعيداً جداً، وإن صدف وحط الرحال على شواطئنا، فهو ما فعلها إلا بصفته مستعمراً، أو جاء ليغرس “رأس حربته المتقدم” على شكل احتلال لأرض سليبة لا بد أن نحررها في يوم من الأيام.

كانت “القضية” هي محور جميع أشكال النشاط الثقافي والإعلامي الفلسطيني في ذلك الوقت. وهذا طبيعي. وباستثناء مبدعين فعليين أضافوا من إبداعهم الشخصي للسوية فرفعوها، مبدعون يمكن أن يعدوا على أصابع اليد، ويمكن هنا ذكر غسان كنفاني ومحمود درويش وناجي العلي وإلياس خوري كمثال، وهم في النهاية مبدعون قبل وخلال وبعد العمل الإعلامي؛ وباستثناء هذه الظواهر الفردية لم يحظ هذا النشاط بأي تقييم مهني لأداء أو سوية مطلوب توافرها، كحد أدنى، من أجل تحسينها لاحقاً. هذا النوع من الأسئلة لم يكن مطروحاً نهائياً على أحد في ذلك الجهاز الكبير الذي كانته تلك المؤسسات الإعلامية والثقافية المتعددة والمتنوعة الأشكال والنشاطات. كان المطلوب في ذلك الوقت شيئاً آخر تماماً، شيء كان الإعلام والثقافة فيه مجرد رديفين في معركة إثبات وجود لشعب كان يراد له أن يمحى بالكامل.

 تابعت “القضية” سيرها، وإن بشكل متعثر، عبر مسالك وعرة عدة إلى أن وصلت إلى محطتها الحالية. وبقي الإعلام الذي انتجته المرحلة السابقة موجوداً بنفس طريقته وديباجته لم يتغير إلى أن اختفى تماماً من دول الجوار، ومن بينها سوريا، وبقي محصوراً في تلك المساحة الضيقة جدا من الأرض التي غدتها “القضية” في وقتنا الحالي.

عقود كاملة من العمل، الممول بشكل فاق وبمراحل وسائل إعلامية عربية أخرى فاقت بدورها هذا الإعلام سوية وأداء وبمراحل، خصوصا في المساحات الضيقة جدا التي كانت تتاح لوجود إعلام ليس حرا تماما ولكن بهوامش أوسع من سواه، مثال الحالة اللبنانية في ذلك الوقت؛ عقود كاملة لم تترك أثرا يذكر على حركة إعلام عربي، أو محلي في أماكن عمل بعض وجوه هذا النشاط الإعلامي. كما لم تترك أثرا على “كادر” يفترض أن يكتسب خبرات مميزة خلال سنوات عمل طويلة في تلك المؤسسات.

أيضا هنا تتعدد الأسباب، ولا يمكن إنكار أن إمكانية ترك أثر ما في المحيط السوري معدومة تماما في ظل نظام يحصي على الناس أنفاسها. ولكن بالمقابل هناك أثر لا يمكن أبدا أن تطاله يد النظام. إنه ذلك الأثر المتعلق بإنشاء “كادر” مهني حقيقي يمكن لاحقا أن يلعب دورا مهما في خلق حالة مهنية ذات كفاءة يعتد بها ويعتمد عليها. نحن هنا لا نتحدث عن تحرير فلسطين.. نتحدث فقط عن قواعد أساسية تميز أي ممارسة لأية مهنة في أي مكان وفي أي زمان في العالم.

بالنسبة للكوادر، الغالبية الكاسحة منهم حتى لا نظلم البعض، كان الأمر لهم أشبه بوظيفة تؤدى كأي وظيفة أخرى في أي قسم للأرشيف في أية وزارة أو إدارة منسية. “دوام” يبدأ في الساعة كذا وينتهي في الساعة كذا. وبعده، كما قبله، هناك حياة أخرى تعاش بمعزل عن تفاصيل مهنة يفترض أنها أقرب إلى هاجس بالنسبة لمن يمتهنها. لا أتحدث عن “مهنة المتاعب” الصحافة فقط، ومعظم موظفي تلك المؤسسات كانوا يطلقون على أنفسهم صفة صحفي، لم تكن صفة “إعلامي” رائجة بعد في ذلك الوقت، بل أتحدث عن جميع أوجه العمل والنشاط في تلك المؤسسات. ولم يكن من النادر أن تجد في ذلك الوقت عاملين في تلك المؤسسات يجهلون بشكل تام ما هي آخر التطورات أو الأبحاث أو الدراسات أو المشاريع أو الكتب، أو حتى الأخبار، المتعلقة في مجال عملهم عربيا على الأقل. كان البعض في مجال الثقافة والإعلام قد توقف عند حقبة “هيكل” و”محفوظ” إعلاميا وثقافيا، على سبيل المثال وليس الحصر، وأنا أتحدث عن نهاية الثمانينيات والنصف الأول من التسعينات! الجو بأكمله في تلك المؤسسات لم يكن محفزا أبدا للقيام بأي “اختراق” من أي نوع لنمط يتعامل مع العمل بصفتة “دوام” قبل أي شيء آخر. والمعايير أساسا هي معايير ولاء قبل أن تكون معايير كفاءة. وفي مثل هكذا أجواء من الصعب أن تخلق “كادرا” محترفا لأكثر من الهروب من “الدوام”!

كان لابد لهكذا “ظاهرة” أن تنتهي ما أن يقرر سبب وجودها ذلك. وهذا ما حدث فعليا وبشكل يكاد يكون مباغتا للجميع وخلال زمن قياسي من لحظة توقيع اتفاق أوسلو وانتقال الكثير من تلك المؤسسات للعمل داخل “الأراضي”. مؤسسات بأكملها كانت قد عملت لعقود في مكاتبها وأماكن تواجدها قررت فجأة، وخلال أيام، الإغلاق والانتقال للعمل في مكان آخر! البعض كان قد بدأ بتقليص نشاطه إلى حدوده الدنيا وبعُشر الكادر الذي كان يعمل لديه سابقا. في بعض الحالات بلغت الحدود القصوى موظف أو موظفين من كوادر التنظيم الممول للمشروع كون رواتبهم تأتي من التنظيم وليس من المؤسسة الإعلامية. أنتقل من استطاع الانتقال من الكادر الإداري لتلك المؤسسات، المرتبط أصلا بقيادات التنظيمات، إلى الداخل لمتابعة عمله هناك. أما البقية، النسبة العظمى من العاملين في تلك المؤسسات والذين ما كان بالإمكان أن ينتقلوا إلى الداخل، وجلهم من المقيمين في سوريا، أصبحوا جميعا على قارعة الطريق.

لاحقا تابع البعض ممن كانوا يعملون في تلك المؤسسات عملهم في مجالات مختلفة من القطاع الإعلامي، وهؤلاء كانوا أفرادا معدودين، أما البقية، الغالبية الكبيرة من “كادر” كان يعد بالمئات إن لم يكن أكثر، اختفوا تماما ووجدوا لأنفسهم أعمال آخرى، و”دوام” آخر، في “وظيفة” أخرى.

في كل الأحوال كانت الصورة الإعلامية في المنطقة كلها في ذلك الوقت على وشك التغير. والملفت فعلا أن المئات من الكوادر الذين يفترض أنهم عملوا سنوات في مؤسسات إعلامية فلسطينية، لم يفلحوا أن يجدوا لأنفسهم مكانا في إعلام جديد كان قد بدأ بالظهور في المنطقة مع النصف الثاني من التسعينات. إعلام أضخم وأكثر تنوعا بكثير من سابقيه وقادر على استيعاب أضعاف أعداد العاملين في مختلف أوجه النشاط الإعلامي، ولكن شريطة توفر كفاءات يبدو أن معظم العاملين في إعلام “السبوبة” لم يسعفهم الوقت لامتلاكها. فوجدوا أنفسهم خارج “المولد” بالكامل دون أي أثر يذكّر بتجربة لم يكن مضى على أفولها سوى، ربما، بضعة أشهر فقط قبل انطلاق “المولد” الجديد!

هذه التجربة، وكاتب هذه السطور أحد شهودها و”ضحاياها” إلى وقت لحسن الحظ لم يطل كثيرا، تقودنا للمقارنة، بسبب أوجه تشابه كثيرة، أقله من ناحية العناوين العامة، مع تجربة أخرى يعيشها “الإعلام الثوري السوري” في أيامنا الحالية.

دعونا نراجع بعض التفاصيل ونقيم المقارنة عسانا نصل إلى نتيجة مفيدة.

أولا: الممول.

في الحالة الفلسطينية كان الممول إما خليجيا أو ليبيا. ولكن بالمقابل ما كان لهذا الممول أي تأثير مباشر على أي وجه من أوجه النشاط السياسي والإعلامي والعسكري وسواه من وجوه العمل الذي كانت تمارسه مختلف التنظيمات الفلسطينية، اللهم إلا تلك التنظيمات التي تم “دحشها” في منظمة التحرير بصفتها تنظيمات فلسطينية وهي أفرع مخابرات للنظامين السوري والعراقي، أو حسب الذي يدفع أكثر. من يريد أسماء يمكنه أن يسأل أي عابر سبيل وسيسرد له أسماء كل تلك التنظيمات العيرة. التنظيمات الرئيسية الفاعلة فعلا في القرار الفلسطيني، تنظيمين اثنين بشكل رئيسي، ما كان أي ممول ليجرؤ على أن يقول لهم حرفا واحدا فيما يجب، أو لا يجب، عليهم فعله. وإن كان لأحد أن يفرض قرارا ما كان عليه أن يمر عبر مذبحة. تل الزعتر مثال.

في الحالة السورية. الممول، الخليجي، هو السيد المطاع الذي يأتمر الجميع بأمره. سياسيا وعسكريا وإعلاميا، والله وحده يعلم ماذا أيضا. الاستثناء الوحيد هو ذلك المتعلق بالممول القطري، حيث التركي يشاركه القرار، وفي رواية أخرى التركي هو سيد القرار.

ثانيا: طريقة العمل.

في الحالة الفلسطينية كان العمل يركز على هدف محدد، “قضية” كبرى وكان يجب أن تخدم بمختلف الوسائل. كل ما تم إنشاءه من مؤسسات كان لخدمة هذه القضية. وتحت هذا الشعار الكبير كان “الولاء” أمرا مفروغا منه. ولكنه، أقله في البداية، كان ولاء لقضية، لم يلبث بدوره، وبعد سنوات، أن تحول إلى ولاء لأشخاص. وخلال تلك الفترة حظينا فعلا بتجارب فريدة وإبداعات فردية أشارت إلى ضرورة أن تكون هناك كفاءة. في كل الأحوال المناخ، في بداياته على الأقل، كان مشجعا جدا وأمثال الكنفاني والعلي والدرويش وسعد الله ونوس وعبد الرحمن منيف يعملون في قطاع الثقافة والإعلام الفلسطيني، وهو موضوع حديثنا الرئيسي. بل إننا يمكن أن نضيف، وعلى مستوى الإدارة، أنه كان لدى الفلسطينيين، في دوائر الثقافة والإعلام، رجال من طراز ماجد أبو شرار.

في الحالة السورية “القضية” هي الأساس دون نقاش. ولكن بالمقابل القرار بيد من، وبالتالي الولاء الحقيقي لمن؟! ولو قرر صاحب القرار، الممول، أن لا تكون “القضية” هي الموضوع الرئيسي أو المحور الذي يجب على الجميع أن يتحركوا بالاستناد إليه، ولأسباب تخص مصالحه، فمن سيجرؤ على الاعتراض؟! هل لدى العاملين في “الإعلام الثوري السوري”، والمقصود تحديدا المؤسسات الكبيرة الممولة فعليا وبشكل علني من ممول خليجي، هل لدى هؤلاء من يجرؤ على الاعتراض. هل لدى أي منهم، جميعا فردا فردا، واحد بالمليون من الثقل الرمزي للأسماء المذكورة أعلاه ممن عملوا في الإعلام الفلسطيني، فلسطينيين وسوريين ولبنانيين وسعوديين على حد سواء؟! هل فعل أي منهم، تحديدا أولئك العاملين في إعلام “السبوبة” الممول خليجيا، أي شيء لتعزيز هذا الثقل وتلك المكانة بين أهله وناسه بحيث يمكنه أن يعترض ويوقف عمل مؤسسة أو يؤخذ رأيه وثقله، المكتسب من مكانة عامة مبنية على ثقة الناس فيه، بعين الاعتبار عند التخطيط لأي قرار بشأن تلك المؤسسة التي يعمل هو فيها؟! أم أنه مجرد اسم على قائمة الرواتب في آخر الشهر وهذا جل طموحه؟! الإجابة مفروغ منها. وهذا أمر طبيعي عندما تكون الإدارة لأشخاص من طراز أنس أزرق.

ثالثا: الكادر.

فلسطينيا لم تكن التجربة، من ناحية كفاءة الكادر الإعلامي، ناجحة في عمومها. الكادر الذي أنشأته تلك المؤسسات، في معظم الحالات، اتكالي وكسول. وزاد في الطين بلة أن “الإعلام الجديد” الذي بدأ بالظهور بعيد أفول تجربة الإعلام الفلسطيني مباشرة، كان يتطلب مهارات مختلفة جدا عن تلك التي تعود عليها حتى العاملون المهرة في القطاع الإعلامي العربي في عمومه، وليس الفلسطيني فحسب.

كان زمن البث الفضائي قد بدأ، وهو زمن جديد بالكامل يتطلب مهارات أخرى وشغف مختلف عن شغف من تعود على “الدوام”، ويريد العودة إلى البيت في أسرع وقت لتناول الغداء ونوم القيلولة.

سورياً تتكرر نفس المأساة. لدينا “إعلام ثوري” بدأ طريقه باستخدام ما بات الآن ملح الحياة بشكل يومي، الهاتف المحمول. ولكنه تحول تدريجيا للعمل في “مؤسسات” تعمل بشكل تقليدي. مؤسسات ثقيلة الحركة وبحاجة إلى تمويل ضخم لتتم مشاريعها، تلفزيونا سوريا وأورينت مثال. وفوق هذا كله الولاء هو المعيار الرئيسي الذي يتم بموجبه التعامل مع الجميع. الكفاءة هنا تأتي في الدرجة الثانية أو بعدها أو قد لا تأتي أبدا. وهذا طبيعي، ما دمت تريد العمل في مشاريع “ضخمة” فعليك أن تبحث عن ممول وأن تخضع لقرار هذا الممول خصوصا عندما تكون تكاليف مشروعك بعشرات الملايين إن لم يكن أكثر.

بالمقابل فإن العالم لا يمكنه أن يقف منتظرا السوريين، بإعلامهم الثوري، الإعلام الضخم والممول خليجيا، ليجدوا طريقة ما لتجاوز كابوس الممول. العالم، الحر والمتطور دائما، يقدم المزيد من البدائل للجميع بما فيهم الممول نفسه الذي سيجد نفسه بالضبط أمام نفس الحالة التي وجد نفسه فيها قبل عقدين وأكثر من الزمن عندما اكتشف أن إنشاء “ماكينته الإعلامية” أهم بالنسبة له من الدفع لمؤسسات إعلامية أخرى لتقلل من حجم انتقادها لأنظمة الخليج، يعني أن “تكف بلائها” باللهجة العامية. الممول لن يلبث أن يكتشف أن ثورة الاتصالات، التي نعيش واحدة من أعلى ذراها الآن، تقدم له بدائل أقل كلفة بما لا يقاس، وأكثر فعالية أيضا بما لا يقاس، مقارنة بتلك المشاريع الضخمة التي تكلفة ملايين دون طائل منها سوى تربية المزيد من تنابلة السلطان.

هناك، مثلا، إمكانية للقيام بحملة “سايد شوز” (side shows)، لا أجد ترجمة دقيقة لمثل هذا المصلح للآن، تقدمها منصات متوافرة بكثرة على الشبكة، وبتكاليف لا تذكر، ليس مقارنة مع تكاليف المشاريع الضخمة فحسب، بل حتى مقارنة بتكاليف حفل عشاء لافتتاح واحد من تلك المشاريع أيضا، تعطي إمكانية للعمل وللانتشار وللوصول لأوسع شريحة ممكنة من المتابعين. شريحة محسوبة بدقة بعدد المشاهدات، تمكن الممول من إيصال رسالته دون أن يكون هناك أدنى أثر لدوره في هذا… العرض الجانبي!

وتلك طريقة عمل مجزية لن نلبث أن نكتشف، وقريبا جدا على ما أتوقع، أنها باتت الرئيسية في توجه الكثير من مراكز القرار فيما يتعلق بالوصول إلى أوسع جمهور وإقناعه بطريقة أكثر جاذبية من الطريقة التقليدية بصوابية رؤية قيادة ما. النظام السوري لجأ فعليا إلى هذه الطريقة عبر مجموعة من “العروض الجانبية” كان “الإعلامي” وسام الطير أحد نجمومها.

ثورة الاتصالات وتطوراتها تطرح المزيد في كل يوم. وفي كل يوم هناك إمكانية لأن يقرر الممول قرارا مفاجئا بعد أن يكتشف، صدفة، أنه يمول مشروعا خاسرا يكلفه نزيفا من الأموال. هذا “الاكتشاف” أمر وارد في كل لحظة. وفي ظل الطوشة الخليجية التي وصلت حدود الهستيريا، ما شاهدناه في كأس آسيا لكرة القدم مؤخرا مثال بلغ درجة الفضيحة، فإنه لا يمكن لأحد أن يستبعد أي احتمال في أية لحظة.

في ظل هكذا وضع يصح افتراض أن النهاية “السورية” ستكون أكثر وطأة ومأسوية وحدة من نظيرتها “الفلسطينية” بالنسبة لكادر ربي على انتظار “السبوبة”، حسب قاموس مصطلحات المقاومة الفلسطينية كان اسمه “المخصص”، في نهاية كل شهر. سيجد الجميع أنفسهم، مرة أخرى، ربما للمرة الألف، على قارعة الطريق.

ولكن الفرق بين الحالتين الفلسطينية والسورية، أن الأولى انتقلت إلى “مشروع” جديد ولو على جزء من الوطن بجزء من الكادر. بينما الثانية ما تزال في المنافي ولا يسمح لها المحتل الأسدي، ولا داعميه، ولا حتى ذوي اللحى من أتباع ممولي مشاريعهم السياسية والإعلامية، ولو بشبر أرض. وبعد كل هذا تجد من يقول لك: حاسبونا على المحتوى!!!!!….

 

*****

التدوينات المنشورة في هذا القسم، تعبر عن رأي كاتبيها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي سوريالي

نبذة عن الكاتب

شكري الريان

كاتب فلسطيني سوري مهتم بالشأن الإعلامي

Loading Facebook Comments ...