منزل إقطاعي في عفرين

على الحائط الحدودي الذي يفصل بين الأراضي التركية عن السورية، وفي قرية الحمام الواقعة بريف حلب الشمالي الغربي والتي افتتحت فيها بوابة تجارية حدودية بين البلدين، تطل ثلاثة منازل مهجورة على الأراضي التركية، تعود فترة بنائها لعشرينيات القرن الماضي، أي في الفترة التي كان المجتمع السوري بمجمله، بما يشمل ريف حلب طبعاً، يخضع لسطوة استقطاب وانقسام ثنائي، إذ انقسم المجتمع حينها لطبقة أغنياء كثيري المال تسمى “الآغاوات” أو “الأوسطة” من جهة، ومن جهة أخرى بقية المجتمع كعمال لا يأخذون من تعبهم إلا ما يبقيهم على قيد الحياة، إذ لا تأمين صحي ولا حوافز أو تعويضات كما في بعض دول العالم، وفئة قليلة مستثناء من هذه الثنائية والتي تقتصر مهمتها على صلة الوصل بين طبقة الآغاوات والشعب.. فئة “الجواسيس” الذين يكونوا بالمعنى العام صلة وصل بين الآغاوات والشعب وبالمعنى الأدق عيون الآغاوات على المجتمع المسحوق والذي يرى في الآغا ما يشبه إلهاً له.

كان الظلم والخوف والجوع ينهش معظم أفراد المجتمع الذي تعمل دون توقف لدى “الآغا”، قساوة الظلم آنذاك ما زالت ماثلة في حجارة بناء المنزل، حجارة ثقيلة ومنزل صخري ضخم وكل حجرة يتطلب حملها عدة رجال أقوياء أصحاء. قد تنبهر من قوة البناء ومدى ضخامته وقِدمه، لكن هل سألت نفسك كيف تم بناؤه ومن بناه وما الأجر الذي كسبه العامل؟ هل يأخذ العامل أجره كما يناله العامل في بعض الدول المتحضرة؟

هل فكرت أنه خلال تلك الفترة لم تكن تتوفر الالآت المتطورة في البناء، ولا الإمكانات المادية لها، ولو لم يكن الوضع كذلك، برأيي، لوجدت منازل أقل ضخامة مبنية، لا خيماً مبعثرة وغرفاً طينية، فمن لديه القدرة على تشييد بناء ضخم مقابل أجر مادي يعادل تعبه، لن يرضى لنفسه العيش في منزل طيني. كانت بعض الأسر تخشى اقتراب الشتاء خشية انهيار سقوف منازلها.

بحسب الكلام المتواتر على لسان المعمرين بالسن في ريف حلب، فإن الآغاوات كانوا يقدمون على ترفيه أنفسهم وذويهم على حساب تعب باقي أهالي القرى التي تخضع لمحمية هذا الآغا أو ذاك. وإذا ما عمل أحد أفراد المجتمع في منطقة ما خارج “محمية الآغا” وقرر من ثم العودة إلى قريته لبناء منزل أو شراء أرض مستقلاً عن العمل تحت إمرة الآغا، يتم التضييق عليه أو سلب ماله وقد تصل عقوبته لدرجة القتل، فثنائية المجتمع القائمة على آغا وعبد يجب بحسب الواقع أن تبقى.

ازدياد الظلم المفروض على المجتمع بريف حلب من قبل طبقة “الإقطاعيين” ورضا الدول التي كانت تبسط سيطرتها على المنطقة أنذاك، دفع في بعض الأحيان بسبب شدة الظلم الذي يتعرض له الأهالي إلى قتل الآغا والارتياح منه والعمل على تحصيل حقوقهم الكاملة العادلة مقابل تعبهم في الأراضي وحرية التجارة والشراء والبناء دون إذن مسبق من الآغا ورجاله.

قد يختار الآغا بريف حلب مكاناً لتشييد بيته في قمة تلة ما، وإن لم توجد التلة، قد يبني التلة بسواعد وتعب الأهالي ويبني قصره على أعلى التلة كي تسمح له الإطلالة برؤية ومراقبة الأهالي الذين يسكنون بخيمهم أو في منازلهم الطينية حول قصره، وعلى مرمى نظره، كما هو الحال في المنازل الثلاثة المبنية بقرية الحَمّام.

نظراً لشح المصادر التي ترصد الواقع الذي كان يعيشه المجتمع بريف حلب، قد تلامس بعض ما عاشه الأهالي في الأعمال التلفزيونية السورية، كمسلسل “كوم حجر” من كتابة كمال مرة وإخراج رضوان شاهين، صوّر العمل الواقع الذي عاشه الأهالي بظل النظام الإقطاعي في الفترة الزمنية ما بعد خروج الأتراك من المنطقة في الربع الأول من القرن العشرين ودخول الفرنسيين إلى سوريا. كذلك رصد الكاتب والروائي السوري حنا مينه، الواقع المعاش في ظل حكم الإقطاعيين، وظلمهم للأهالي في ثلاثتيه الروائية ( بقايا صور- المستنقع – القطاف) التي تصور الواقع في ظل الحكم الإقطاعي في بعض فصولها في كل من ” ولاية حلب” قبل تقسيم سوريا وفقاً لاتفاقية سايكس وبيكو وكذلك واقع حياة المجتمع في ظل النظام الإقطاعي في الساحل السوري.

انتهت المرحلة التي كان يعيش فيها الأهالي تحت الحكم الإقطاعي وظلمه واستعباده للبشر ودخلت المنطقة بمراحل أخرى من الظلم ولكن بمسميات أخرى غير النظام الإقطاعي.

فاليوم على سبيل المثال لا يزال البناء مشيداً في قرية الحَمّام، وما يزال قائماً ولكن من يسكنه ليس الآغا ولا حتى أحد عيونه أو أحفاده، إنما تسكنه عائلة مهجرة من إحدى المحافظات السورية، ربما تكون هذه العائلة، إحدى أحفاد أجدادهم المقهورين، الذين كان أجدادهم يمشون بالقرب من البناء وهم يخافون على أنفسهم من توبيخ الآغا أو طلب الاغا منهم  للسخرة لأمر ما، ربما من يسكن في البناء اليوم هم أحفاد أحد العاملين الذين تم إجبارهم على إعمار البناء وسكن أحفادهم به هو تعويض واستكمال للأجر الحقيقي والعادل لتعب أجدادهم.

عندما تسير وتتنقل بالريف السوري، لا تسمع من السكان قصة وإلا فيها من الأوجاع وتعدد الظلم وقساوة الحياة التي يعيشونها مهما تبدل اسم من يحكم المنطقة واسم من يستعبد الأهالي، لكن عندما تشاهد أنقاض أو باقي بناء لأحد الاغاوات والذي كان يوماً ما يستعبد البشر، فإن رؤيتك لأمثال هذه الأبنية يمنحك شعور ثقة أنه يوماً ما سيزول بعض “الآغاوات” الذين أُطلق عليهم اسماء أخرى وسيأتي أحفاد من تم ظلمه اليوم ليعيش بالمكان الذي أكل من أيادي أجداده.

نبذة عن الكاتب

محرر سوريالي

Loading Facebook Comments ...