الجلوس في حضن الأمير.. الإعلام في ظل نظام قروسطي

كما هو متوقع، لم يمر خبر حذف منصة نتفلكس لحلقة من برنامج كوميدي ينتقد الموقف السعودي على إثر جريمة قتل جمال خاشقجي مرور الكرام. الحلقة الثانية من برنامج “دليل الوطنية السريع” مع حسن منهاج تعرضت للحجب سعودياً، ما أثار الكثير من الانتقادات والنقاش في عالم الميديا. وبالرغم من أن المنصة قالت، في معرض تبريرها للخطوة، أنها حذفت الحلقة فقط من المحتوى الموجه إلى السعودية وبناء على طلب الحكومة السعودية نفسها، إلا أن هذا لم يشفع لهذه المنصة “تجاوزاً” يبدو بوضوح لا يدع مجالاً لشك أنه من “الكبائر” في عالم الإعلام. إذ كيف يمكن لوسيلة إعلامية شعبية على مستوى العالم كله في فضاء إعلامي مفتوح في ذروة عصر الاتصالات، الذي بات مؤشر حقبة تاريخية كاملة من عمر البشرية، كيف يمكن لها أن تنصاع لطلب سلطة لم تثبت أنها خارج الزمان كلية من خلال تسلطها وثيوقراطيتها فحسب، بل وخارج الإنسانية وأبسط معاييرها المتعارف عليها من خلال أسلوب تعاملها الوحشي مع من تجرأ على الاعتراض ولو حتى من باب النصيحة؟

سيستمر النقاش طويلاً حول تلك الخطوة، الخطيئة، وتبعاتها وعواقبها على المنصة وسمعتها ومصداقيتها. وربما “سكرة النصر”، إن استطاعت “نتفلكس” تجاوز ما حصل بأقل الخسائر، قد تدفع صاحب طلب حذف الفيديو، إلى أن يطلب أمراً أكبر، أو حتى أمراً من المستحيل الاستجابة له.

 سابقاً، وبعد “اشتباك” مع الحكومة الكندية بسبب ملاحظات الأخيرة على سلوك الحكومة السعودية تجاه معارضيها في المملكة، وما ساقه “الاشتباك” من إحراج للكنديين بسبب الموقف الأمريكي الرسمي الذي لم يقصر المراقبون في وصفه بكونه في غاية الانتهازية والجبن، ظن صاحب الأمر والنهي في الحكومة السعودية أنه بات يتربع على رأس قوة عظمى فعلاً وأنه فوق المحاسبة مهما فعل، فقام بارتكاب جريمة بحق الراحل جمال خاشقجي. قد يحصل أمر مماثل في هذا السياق، وردود فعل الأمير السعودي بات من المستحيل التكهن بها، ويطلب الأخير من المنصة أمراً أكبر من مجرد حذف حلقة من برنامج كوميدي من المحتوى الموجه للمشاهدين في مملكته.

وهنا ستكون المنصة أمام وضعية مشابهة لوضعية جيف بيزوس، أغنى رجل في العالم، الذي وجد نفسه مضطراً لإلغاء مشاركته في مؤتمر “دافوس في الصحراء”، تحت رعاية ولي عهد السعودية، بعد جريمة قتل الخاشقجي وكاحتجاج علني على تلك الجريمة. هذا بالرغم من أن بيزوس كان من أبرز الأسماء التي التقاها ولي عهد السعودية خلال زيارته الأمريكية وكانت هناك الكثير من الاتفاقات المسبقة حول مشاريع ومشاركات سعودية مغرية جداً ضمن الامبراطورية المالية والإعلامية التي يمتلكها الرجل، ومن ضمنها جريدة “واشنطن بوست” التي كان يعمل لها الراحل الخاشقجي. هول الفاجعة، هذا أقل ما يمكن أن توصف به جريمة ببشاعة اغتيال الخاشقجي، جعل الرجل يهرول مبتعداً عن الأمير السعودي، المتهم الأول بالجريمة، حتى ولو كانت مليارات العالم كلها بحوزته؛ لأن بيزوس، وبالرغم من نبل وصواب موقفه في نهاية المطاف، والذي قد يتراجع عنه لاحقاً أو يبقى متمسكاً به، لأنه لحظة اتخاذ قراره، والجريمة ما تزال طازجة والرأي العام بأكمله متوتر ضدها، كان يعرف جيداً أنه لو تجاهل تلك الجريمة فهو يحكم على سمعته بوصمة هو بغنى عنها وعن تأثيرها على أعماله، خصوصاً في عالم الميديا.

 التأثير الذي قد يصل إلى تراجع في حجم الأعمال، أو حتى أبعد من ذلك، وهو ما ينتظر غالباً أية وسيلة إعلامية، في زماننا هذا، تخضع لإرادة نظام أبوي قروسطي خارج الزمان والمكان. نظام على الضد تماماً من كل ما وصل إليه البشر من قيم دفعوا ثمنها دماء وأرواحا غالية عبر قرون طويلة من المعاناة والاضطهاد والثورات ضد هذا النوع بالذات من الأنظمة وأشباهها من نفس عائلة الاستبداد والتخلف والموت.

حسن منهاج

ما فعلته نتفلكس وردود الأفعال المستمرة حتى الآن على هذا الفعل، يشير بوضوح إلى أقصى مدى يمكن أن يصله نظام مازال يعيش للآن في القرون الوسطى مع أية منصة، أو وسيلة، إعلامية معاصرة تعمل في فضاء مفتوح وجمهورها موزع عبر العالم كله، وليس مقتصراً على من ابتلاهم الله بحكام معاتيه كأولئك الذين يتحكمون برقاب العباد في المنطقة العربية. البرنامج الذي حذفت منه حلقة هو بالأساس برنامج موجه للجمهور الناطق باللغة الإنكليزية، أي جمهور غربي في عمومه، وللبرنامج متابعيه في جميع أنحاء العالم، وبالتالي فإن عملية الحذف ما كانت لتمر مرور الكرام بالتأكيد. ولو تعلق الأمر ببرنامج عربي… لا حاجة للاستمرار في تفاصيل مؤلمة الكل يعرفها.

لم يكن موضوع الإعلام أمراً يحتل مرتبة مهمة في سلم أولويات النظام القروسطي الحاكم في منطقتنا العربية. والجيل الذي عاش بدايات وعيه في منطقتنا، قبيل ثورة الاتصالات، يتذكر تماماً أن الموضوع ما كان ليتجاوز ما تم التعارف عليه منذ عهد جوبلز، وزير دعاية هتلر، أو إن توخى أحد ما مزيداً من “الحداثة”، فالإعلام السوفيتيني بصيغته الستالينية كان أحدث ما توصلت إليه البشرية في أعين العاملين في هذا القطاع في ظل هكذا أنظمة. هذا بالرغم من أن عصر “الصورة” كان قد دُشن فعلا منذ ستينات القرن الماضي، إثر حرب فيتنام وتأثيراتها على الشارع الأمريكي وثورة الشباب التي اجتاحت العالم، الغربي، كله في تلك الفترة.

وكان الأمر مؤشراً أولياً وأساسياً لثورة في التواصل بين البشر قادمة لا ريب فيها، ولكن الأمر بالنسبة لمعتقلي أرض الموت، مواطني بلادنا، كان يدور في مكان وزمان آخرين بعيدين بعد الشمس عن سجناء الأقبية. وجاءت ثورة الاتصالات وقلبت الطاولة فوق رؤوس الجميع وأولهم النظام الحاكم الذي وجد نفسه مضطرا للبحث في أمر هذه الوسيلة التي ما عادت تعترف بحدود ولا بمنع ولا بحجب ولا بكبت ولا بسواه من الأدوات التي لا يعرف الأمير القروسطي سواها. وكان لابد مما ليس منه بد ودخل العرب، عبر مشيخات الخليج بداية، عصر الإعلام وحاولوا ركوب الموجة التي لم تلبث أن أثبتت، وإثر المزيد من الأدوات الجديدة التي حرضت على المزيد من الانفتاح والشفافية أنها عصية كليا على من يريد أن يعتيلها كناقة أو كحمار ويوجهها إلى حيث يشاء.

ولأن الأمر بات أكثر جدية، وأكبر حجماً وأوسع مدى وبكثير، كان لابد من العثور على طريقة ناجعة للتعامل مع هذا البلاء الذي اجتاح العالم وكاد أن يثمر ربيعاً حقيقياً في بلاد الموت التي يفترض أن تبقى حبيسة عصر الجيفة القروسطية الحاكمة. تعددت الحلول ولكنها بمجملها سعت باتجاه واحد، إبقاء هذا البلاء تحت السيطرة قدر الإمكان. ولأن المشكلة تبقى دائماً عند محكومي أو رعايا تلك الأنظمة، كان لا بد من محاولة إفهامهم، بالحسنى أو بسواها، أن الأمر برمته لن يتعدى القشرة الخارجية التي تساير موجة ستعبر متجاوزة منطقتنا، كما جرت العادة عبر قرون طويلة. وإن قدر لأحد من أولئك الرعايا أن يتأثر بما يرى ويعتقد أن من حقه العيش كبقية خلق الله في زمان غير زمان الأمير أو الحاكم، فلابد من رده إلى رشده أو جعله عبرة للآخرين.

ولكن المشكلة لم تقتصر على رعايا النظام العربي وحدهم. العالم بات قرية صغيرة فعلاً بسبب هذه الوسيلة، وبالتالي لابد من العثور على حلول أكثر ذكاء من نشر صحافي معارض بالمنشار؛ أو تشويه جثة طفل تحت التعذيب والسعي لعرضها على الملأ، ومن قبل أهل الطفل بالذات؛ أو حتى تدمير مدينة بأكملها على رؤوس ساكينها بسلاحٍ أهلُ تلك المدينة هم من دفعوا ثمنه مسبقاً. فهذا النوع من الجرائم قاد إلى ردود أفعال عكس المطلوب. حتى وإن اقتصر الأمر على ردود الأفعال اللفظية فقط، حتى الآن، إلا أن الإزعاج الذي سببته ردود الأفعال تلك كان كفيلاً بحث الأمير للتفكير بوسائل أخرى للتقليل من حجم خسائر في السمعة قد تقود في النهاية إلى خسائر حقيقية على الأرض من سلطة الأمير نفسه إن استمر الضغط أو تعاظم. حتى محاولة السيطرة على المحتوى المبثوث، ولو كان المحتوى الموجه إلى رعايا الأمير، صار يثير مشاكل أكبر من المتوقع. العالم يتكلم ويبحث ويشير ويقول ما يشاء وفي لحظته ودون أي وجل أو خوف مما رُبّي عليه رعايا الأنظمة القروسطية.

الحل الأمثل في مثل هكذا حالات هو في بناء وسيلة إعلامية من أساسها وعدم الاعتماد على تلك التي تعمل بموجب قوانين زمان معاصر، كل ما فيه معاد للأمير وسلطته. يمكن في حال كان لدى الحاكم أو الأمير موارد طائلة أن يبني حتى إمبراطورية إعلامية كاملة، الحالة القطرية مثال. و”شراء” ما يمكن شراءه من نجوم الإعلام، وغيرهم من “النجوم” في مجالات أخرى في المنطقة والعالم، تماماً كما يتم شراء لاعبي كرة القدم، وتحويل المسألة برمتها، في مواجهة إعلام مجنون في ذروة عصر الاتصالات والإعلام، من دفاع عن حق الناس في امتلاك أصواتها وتحديد مصائرها إلى مجرد “وجهات نظر” مختلفة بسبب اختلاف الثقافات نفسها! طبعا لا يذهب الأمير في مثل هذه الحالة، خصوصا إن كان يمتلك درجة ذكاء أعلى من أمير النشر أو سيد القتل تحت التعذيب، لا يذهب إلى افتراض أن “إمبراطوريته” ستنافس بشكل جدي مؤسسات إعلامية راسخة في عالم مفتوح فعلا (أين هي الجزيرة إنترناشيونال الآن؟!) ولكنها بالمقابل ستحدث خللاً في السردية بحيث يتحول الأمر من صراع بين أمير قروسطي ورعايا يريدون أن يصبحوا مواطنين في بلادهم، إلى حرب أهلية أو اختلاف في وجهات النظر أو حتى مؤامرة…

هل ستترسخ تلك السردية بسهولة؟ بالتأكيد لا. ولكن الممكنات قائمة وخلخلة السرد المضاد، إسباغ نوع من ظلال الشك على السرد المضاد، أمر يستحق القيام به. وفي كل الأحوال فإن تجربة الجزيرة خلال الحرب الأمريكية في أفغانستان هي ما قادت الأمير إلى افتتاح “الجزيرة انترناشيونال”، إذ حرب السرديات المتعارضة، وفي مواجهة رأي عام عالمي، أثبتت فعالية لم يكن أحد يتوقعها. وبالرغم من أن “الجزيرة إنترناشيونال” طرحت كمثال هنا، إلا أن الأمر، وبالتداعي، يقودنا إلى ما هو أبعد.

في البدايات كان الرأي العام العربي شديد الحماس لتلك التجربة، تجربة الجزيرة عموماً بكامل أوجهها، قبل الربيع، لابد دائماً من الوقوف عند نقطة التحول هذه كاستهلال لأي كلام يتناول ما عشناه في ظل الأنظمة القروسطية طيلة عقود كاملة، ما قبل الربيع وما بعده. ومع انطلاق الربيع كان موقف الشبكة عموماً داعما لانتفاضة الشارع، ولكن إلى حين وبما يخدم “تيارا” محددا شارك في تلك الانتفاضة ولم يلبث أن حاول السيطرة عليها وتطبيعها بطابعه هو. لاحقا ومع ظهور سرديات أخرى، تناولت دور هذا التيار بالذات بنقد شديد (التيار الإسلامي بعمومه، والإخوان المسلمين على وجه الخصوص) بل ومضت إلى تحميله جزءا من المسؤولية في فشل الربيع من الوصول إلى أهدافه، بدأ الافتراق عن تلك التجربة. حيث ظهر للعيان أن الأمير يريد دعم تيار بعينه لخدمة أجندة تخص مصالحه هو بمعزل عن مصالح عموم الناس التي يفترض أن جهازه الإعلامي كان يدعمها من البداية.

لم يلبث الأمر أن تطور في سوريا بالذات، حيث تنوعت أدوات الأمير، من الإعلام إلى السياسة إلى العسكر، وبقي الهدف هو خدمة أجندته هو بالذات دون الأخذ بعين الاعتبار لأي أجندة أخرى قد تحوز على إجماع الجمهور العام في سوريا، أو في سواها من بلدان الربيع العربي.

من الناحية الإعلامية الكل يذكر تلك الدعاية المكثفة والهائلة التي سعت من خلالها شبكة الجزيرة إلى إظهار جبهة النصرة، قبل أن تعلن ولاءها الكامل للقاعدة وتسبب حرجا كبيراً للجميع، بصفتها الفصيل الأكثر فعالية وتفانياً وإخلاصاً في تحقيق أهداف ثورة السوريين. بعد هذا جرت مياه كثيرة، ولكن بقي الأمير يدير الأمور من منظور مصلحة نظامه. نعم لم يصل السوريون مع نظام الأمير القطري إلى ما وصلوا إليه مع الأنظمة الأسدكيمائية والمنشارية والإماراتية والإيرانية من افتراق وتعارض يطال حق السوريين في تقرير مصائرهم، ولكن بالمقابل فإن النظام القطري هو في نهاية المطاف نظام قروسطي كالأنظمة المذكورة أعلاه، ولا يمكنه في أي حال من الأحوال أن يمول مشروعاً مفتوحاً قد يجد نفسه في نفس ورطة “نتفلكس” مع طلب أمير قروسطي آخر.

“المنطق”، حسب الكثير من المتذاكين، يقول بأن الأمير من حقه أن يمول مشروعاً يطرح وجهة نظره. ولكن بالمقابل ليس من حق الأمير أن يقدم مشروعه هذا بصفته مدافعاً عن حق شعب كامل في تقرير مصيره وهو يستخدم نضال هذا الشعب كغطاء ليمرر من خلاله أجندته الخاصة، ويطرح سرديته الخاصة لكل ما حصل، والتي لا تختلف كثيراً عن أجندات من ساموا هذا الشعب سوء العذاب. المنطق هنا، وبدون قوسين، يقول بأن الناس هبت وثارت ضد هذا النوع من الأنظمة القروسطية بالذات، نظام الأمير القطري جزء من تلك التركيبة، وبالتالي من المستحيل على هذا الأمير أن يمضي ضد مصلحة نظامه هو بالذات. أي أن على من يريد أن يعمل مع هذا الأمير أن يتحلى بنفس الصفات والكفاءات التي تحلى بها جميع من عملوا من غيره من الأمراء والقادة العظماء والحكام المفدين، منذ زمن هتلر وستالين إلى يومنا هذا، وينسى حكاية الشعب الثائر ومعاناته في ظل نظام قمع دموي. الأمر هنا سيصبح أشبه بالتسول في أحسن الحالات، وفي أسوئها، وهو الغالب دائماً، يصبح سرقة تضحيات شعب كامل فقط للتواجد على قائمة رواتب سمو الأمير، أو رجله المعتمد، لـ “الإعلاميين” في آخر كل شهر.

خلاصة القول أن تعامل الأنظمة القروسطية، التي ابتلينا بها في بلادنا، مع الإعلام، وفي عصر الإعلام بالذات، قد يرتقي بهذه الوسيلة من مجرد ناقة أو حمار يمتطيها الأمير، إلى صبي مدلل يجلسه الأمير حضنه… أبعد من هذا؟! أظن أن مشروع تغيير الأمير ونظامه وصبيته ورميهم جميعا في أقرب سلة مهملات يبقى هو الحل الوحيد للوصول إلى ما هو أبعد، إلى حيث نصبح بشراً أسوياء كغيرنا في بقية بلاد الله العامرة.

نبذة عن الكاتب

شكري الريان

كاتب فلسطيني سوري مهتم بالشأن الإعلامي

Loading Facebook Comments ...