الإعلام عندما يكون مِلكاً لرأي عام

إلى رائد فارس وحمود جنيد.

عند ظهور اتهامات بالتحرش تتعلق بإعلامي عربي يعمل في محطة DW عربية، تداول المعنيون بالخبر أن المحطة كانت حريصة جداً على أن لا تنتشر تلك المزاعم وتتم الإشارة إليها كثيراً خشية أن يستغلها حزب “البديل من أجل ألمانيا”، اليميني المتطرف، فيتخذ تلك المزاعم ذريعة لشن المزيد من الهجمات على تلك المحطة. الذريعة الأساسية التي اتخذها الحزب المذكور أعلاه لدعوته إيقاف عمل تلك المحطة هو أن الأموال التي تُدفع لها، من قبل دافعي الضرائب، غير مبررة وهي، أي المحطة بقسمها العربي، لا تقدم خدمة مباشرة إلى أولئك الذين يمولوها.

الحجة التي رفعها الحزب، قبل وبعد تلك المزاعم، ومن خلال نظرة أولية غير معنية بالتفاصيل، تمتلك وجاهة لا يمكن إنكارها، أقله أمام الرأي العام الألماني. إذ فعلاً ما هي الفائدة التي يمكن أن يجنيها المشاهد الألماني من قيام تلفزيونه الرسمي DW-TV بتمويل محطة ناطقة باللغة العربية وموجهة إلى جمهور عربي، لن يقتصر بالضرورة على أولئك المهاجرين واللاجئين العرب الموجودين في ألمانيا؟ حتى لو افترضنا أن تلك المحطة تقدم خدمة لا غنى عنها لعملية “اندماج” مجتمعي مطلوبة بإلحاح وقد وصل عدد اللاجئين العرب، السوريين على وجه التخصيص، إلى أرقام غير مسبوقة في تاريخ هذه البلد المعروفة بكونها مستقطبة دائمة لهجرة اليد العاملة إلى اقتصاد دائم الازدهار والتقدم. ومع ذلك، فإن هذا الهدف لا يبرر صرف مبالغ طائلة لإقامة محطة كاملة ناطقة بلغة غير اللغة الرسمية للبلد. وليس خافياً على أحد بأن هدف خدمة الاندماج بحد ذاته قد يكون الدافع الأكبر للوقوف ضد المحطة من قبل حزب معروف، وشديد التباهي، بعنصريته. وفي كل الأحوال فإن الآراء ستختلف بالتأكيد حول جدوى تلك الخطوة بين مؤيد ومعارض، ولكل حججه التي يحاول أن يضعها ويقنع بها صاحب القرار الأول والأخير في عمل تلك المحطة وهو الرأي العام، ليس فقط كمستقبِل لمُنتَج تلك المحطة الإعلامي والمقرر بشأن مصيره في سوق الإعلام، بل وكممول أيضا والمقرر بشأن بقاء تلك المحطة من عدمه.

الظاهرة لا تقتصر على ألمانيا وحدها، كل دول العالم “الحر” لديها إعلامها “الرسمي”، ولكن ليس على طريقة صحيفتي الثورة والبعث أو محطتي الجزيرة والعربية، جوقة “حسب الله” المطبلة بحمد السلطان طويل العمر أو القائد المفدى. “الإعلام الرسمي” في تلك البلاد هو الإعلام الممول من قبل دافعي الضرائب والخاضع في نهاية الأمر للتدقيق في كامل طريقة عمله بكل أوجهها لصالح هذا الرأي العام. ولأنه كذلك فهو مطالب بأن يمتلك أهم ما يمكن أن يجعل من السلعة الإعلامية المُنتَجة من قبله مطلوبة في السوق الإعلامي، الكفاءة والمصداقية في آن. وهذان الشرطان مستحيلا التحقق، كما يعرف الجميع بما فيهم ممولي تلك المشاريع، دون وجود استقلالية كاملة غير خاضعة أو منحازة لطرف من الأطراف. لدرجة صار الإعلام يعتبر، وبالذات عندما لا يكون خاضعاً لتمويل خاص أو لأي احتمال يمكن أن يثير شبهة ما حول حياديته، سلطة رابعة مستقلة ولا تقل أهمية عن سلطة القضاء نفسه، وإن اتخذت طابعاً غير إلزامي بالمعنى القانوني. ولكن الإعلام وكسلطة رابعة، وبسبب المصداقية والحيادية بالذات، امتلك إلزاماً أخلاقياً فرضه على الجميع ولا يمكن إنكاره أبداً.

يمكن أخذ حالة جريمة قتل الصحفي جمال الخاشقجي مثالاً حياً على ذلك. موقف الإدارة الأمريكية الرسمي من القاتل، المعروف للجميع، جعل الأخير يلوذ ببعض الأمان بالمعنى السياسي المباشر، وجنّبه تداعيات قانونية، أقله ضمن المدى المنظور؛ ولكن الموقف الإعلامي أدان المجرم أخلاقياً لدرجة بات فيها مجرد وجوده في منتدى دولي، فقط لتجاوز تداعيات ما اقترفت يداه ولو ضمن حملة علاقات عامة، أمراً محرجاً وأدعى لتجنبه من قبل معظم المدعوين إلى هذا المنتدى، عدا بالطبع أولئك الذين يشتركون مع القاتل في منظومة القيم نفسها. بل إن من كان السبب الرئيسي في حماية القاتل سياسياً وبالتالي قانونياً، الرئيس الأمريكي بشكل شخصي، تجنب إجراء لقاء علني معه للثقل الأخلاقي الهائل الذي أحاط تلك الجريمة بسبب دور الإعلام بالذات. هذا الأمر اكتسب مصداقيته وثقله وتأثيره ليس بسبب تغطية “الجزيرة” لأحداث الجريمة، بل بسبب مشاركة مؤسسات إعلامية غربية كبرى، ممولة من قبل القطاع الخاص والرأي العام على حد سواء، بتسليط الضوء على تلك الجريمة واعتبارها انتهاكاً لحق الإعلام بالعمل في حرية ولحق البشر في الحياة.

ولكن، وبالرغم من كل هذه الحيادية التي تحاول أن تكون فوق الشكوك دائماً وتلك المهنية العالية، فإن تجربتنا، كسوريين بالدرجة الأولى، مع هذا الإعلام الممول من قبل دافعي الضرائب، وبالتحديد الإعلام الموجه إلى المنطقة العربية، لم تكن جيدة أبداً. فهذه الحيادية وتلك المهنية اختفتا تماماً، أو كادتا، عند تغطية أخبار ثورة السوريين ضد نظام آل الأسد من قبل أبرز تلك المحطات. تغطية محطتي بي بي سي- عربي وفرانس 24- عربي كانتا خير دليل على هذا. وبغض النظر عن ملابسات وتفاصيل تلك التغطية، التي كادت أن تبلغ في بعض مراحلها درجة الفضيحة، كأن يكون مدير مكتب إحدى تلك المحطات في العاصمة دمشق منحازاً بشكل فاضح للنظام ولا يتوانى عن نشر صور تجمعه بضباطه؛ فإنه لا يمكن إنكار أن تلك المحطات، حتى بنسختها العربية بكل مساوئها وتجاوزاتها، كانت أفضل بما لا يقاس من محطات تلفزة ووسائل إعلام عربية تبين خلال سنوات الثورة الطويلة والمريرة والدموية أنها تعمل لصالح أجندات مموليها حصراً وبما يخدم مصالحهم هم ليس فقط على حساب مصالح السوريين ومطالبهم المشروعة، بل وعلى حساب المصداقية والمهنية معاً، وبالضد منهما في كثير من الأحيان.

ومما يجعل المراقب شديد الغيظ، خصوصاً إن كان سوريّاً، هو تلك الطريقة التي يعامل بها الإعلام الغربي مواطنه ومموله وصاحب القرار في شأن بقائه من عدمه، مقارنة بطريقة تعامله مع غيره من المتلقين في حال كان الخطاب الإعلامي موجهاً إلى دول أخرى غير تلك التي يقيم بها “دافعو الضرائب”. تتغير اللهجة كلياً، المهنية، الدقة، طريقة العمل، وفي بعض الأحيان تتغير حتى الانطباعات على وجوه المذيعين ومقدمي البرامج ونشرات الأخبار. لا يمكنني الإتيان بأمثلة محددة وذكر أسماء حتى لا أتهم بالإساءة إلى أحد، وأنا أتحدث هنا عن حالات فردية لحسن الحظ، ولكن أظن أننا جميعا مررنا بتجربة مشاهدة لتلك المذيعة أو لهذا المذيع العاملين في واحدة من هذه المحطات، الممولة بأموال دافعي الضرائب الغربيين، عندما يتفوه أحد الضيوف بما لا يتفق مع ميول المذيع أو المذيعة، الميول أو الانحيازات التي يصدف أن تكون معلنة تماماً بدون أي حرج، بحيث يتحول الحوار إلى حفلة استجواب. حتى أبسط قواعد التهذيب العامة يتم التلاعب بمعاييرها هنا لصالح من وجد، أو وجدت، أن مجرد جلوسه أمام الكاميرا أعطاه “منصباً” يتفق تماما مع ما تعنيه كلمة “منصب” في ثقافة فرض على من ولدوا في ظل نيرها أن يتعاملوا مع العالم المحيط بهم كفسطاطين: واحد للأسياد وآخر للعبيد.

هناك، في الغرب، سياق آخر يختلف تماماً، وفي الكثير من تفاصيله، عن ذلك الموجود هنا في الشرق. بحيث يمكن الحديث عن عالمين إعلاميين منفصلين تماماً، أحدهما قوي والآخر ضعيف، لا يمكنهما أن يلتقيا إلا في حال قرر القوي أن يخدم الضعيف وسرب إليه قبساً، ولو مشوهاً، من نور إعلامه المحايد والمهني. وبالرغم من كل ما يمكن أن يحدثه هذا من استفزاز إلا أن الخيارات أمامنا تكاد تنعدم ونحن، الضعفاء، وبالرغم من كل التضحيات، لم نستطع الوصول بما يفترض أنه “إعلامنا” إلى مرحلة نستطيع أن نقول من خلالها إنه مهني إلى درجة ما، وحيادي قدر الإمكان. هناك من إعلاميينا من دفعوا حتى حياتهم ثمنا لتلك المشاريع المستقلة التي، فوق كل التضحيات، حرمت من التمويل الغربي الذي كان يمكن أن يضمن حداً أدنى من الحيادية وإمكانية العمل لهذه المشاريع. راديو فرش والشهيدين رائد فارس وحمود جنيد مثال لم يمض عليه بضعة أيام فقط.

وبالتالي، والحال هكذا، تصبح عبارة أن إعلامنا ليس ملكاً لنا أدعى للضحك فيما حياتنا نفسها ليست كذلك! وصاحب القرار في حياتنا وإعلامنا وكل تفاصيلنا ليس إلا جلاداً معتوهاً يتجنبه العالم كله كوباء.

هل هناك مخرج من هذه المصيدة؟! أظن أن مخرجنا الوحيد هو أن نستمر بالعمل على طريقة حمود جنيد… نحمل الكاميرا، الأقلام، مخيلاتنا، كل ما نستطيع التعامل معه بإدراك معقول، على الأقل، لإمكانية استخدامه ونمضي خلف كل “غارة” جريمة ارتكبت بحقنا وحق أهلنا وجيراننا ناقلين حقيقة ما يحدث لنا بالكامل ونستمر في وضعه أمام أولئك الذين يملكون فعلاً أمر مصيرهم، ومصيرنا إن تطوعوا لهذا، بين أيديهم. أتحدث عن الرأي العام في بلاد الحرية والعدالة والمساواة القادر فعلاً على صنع الفارق، لو شاء، في سياسات بلاده التي يخشاها نخاسو بلادنا. فسحة الأمل أمامنا أنهم بشر مثلنا، على عكس حكامنا وخدمهم من الساسة ولصوص الأعمال ومرتزقة الإعلام، وسيفهمون وسيقدرون بالضبط حقيقة ما نحن فيه ولن يطول الزمان لنصل إلى ما نريد. أما أن نستمر في طرق أبواب “المفكر” هذا أو “كاتب الأغاني عاشق المطربات صانع النجوم” ذاك، فلن نصل إلّا إلى قبرنا بجوار من سبقونا. الفارق بيننا وبينهم هم أنهم قالوا كلمتهم ومضوا. أما نحن فنكون بهذا كسبنا الموت والذل معاً.

نبذة عن الكاتب

شكري الريان

كاتب فلسطيني سوري مهتم بالشأن الإعلامي

Loading Facebook Comments ...