المقالة الأخيرة، للمنفى دُر

المقال المقروء:

– – – –

مع بداية حياته الجامعية في كُل كُلية الإعلام بجامعة دمشق، أكتشف كاتب هذه السطور نوعاً خاصاً من “المنافي”، يُمكن تسميته بـ”المنفى الكِتابي”. فمُنذ تلك الأيام الأولى، ومع قرار العمل في الصحافة والكتابة كمهنة دائمة، اكتشفت، مثل العشرات من الزُملاء والأقران السوريين الآخرين، اكتشفت بأنه لا صحافة ولا مؤسسات ولا منابر للكِتابة في بلدي سوريا، وأن شرط إتمام الامتهان في هذا المجال أنما يمر بشكل إجباري بالعمل والكتابة لصالح منابر ومؤسسات غير سورية، لبنانية وخليجية وأوربية.

لم يكن العمل والكتابة لصالح تلك الوسائل مُجرد شكلٍ من البُعد الجُغرافي فحسب، بل كان على الدوام ممزوجاً بشكلين آخرين من نواتج المنافي الأصلية، وإن غير المرئية:

فقد كان ذلك يعني أولاً التخلي عن جزء غير يسير من شروط الكتابة عن بلد مثل سوريا، وذلك كخضوع موضوعي لشروط المنبر والمؤسسات ذاتها، التي تعمل وتهتم بفضائها. كان ذلك فُقداناً أولياً لشيء من جوهر الكتابة، التي تتمركز حول القضايا والمشاغل والتفاصيل التي تُحيط بالكاتب، إن على المستوى الذاتي الشخصي، أو الوطني العام. والشيء القليل الذي كان مُتاحاً، فأنه على الدوام خاضعاً لشروط تلك المؤسسات وارتباطاتها وعلاقة دولها مع النِظام السوري، كثير الحساسية تجاه السوريين الذين يملكون أية علاقة مع أي طرف غير سوري.

المستوى الآخر من التخلي كان يتعلق بالحقوق. فكاتب هذه السطور، مثل غيره من الكُتاب والإعلاميين السوريين، لم يملك يوماً عقداً واضح المعالم مع المؤسسات التي عمل بها وكتب لصالحها، وكان على الدوام عُرضة للتخلي من طرف واحد، دون أي تعويض أو تبرير من قِبل الجهة والمؤسسة التي يعمل بها، كانت في أكثر من مرة طرداً واضحاً، بسبب رأي أو موقف أبداه كاتب هذه السطور في مجاله وفضاءه الخاص، وفي مرات أكثر نتيجة مزاجية المُشرفين على هذه المؤسسات.

طبعاً، وأثر جميع الأزمات التي تواجهها هذه المؤسسات، كان هؤلاء السوريون يدفعون أثمان التعسر التي تمر بها تلك المؤسسات، إذ ثمة مؤسسات إعلامية معروفة لم تدفع للكُتاب السوريين مكافئاتهم المُستحقة مُنذ سنتين أو ثلاثة، وهُم لا يملكون أية أدوات وديناميكيات للدفاع عن حقوقهم، كما يفعل غيرهم من الكُتاب والإعلاميين، الذين ينتمون إلى دول هذه المؤسسات، كالإضراب أو رفع دعاوي أمام المحاكم.

كانت الثورة السورية فرصة استثنائية لتجدد الأمل بإمكانية تشييد إعلامٍ سوري قادر على احتواء هذا الامتهان والانشغال بالكتابة. لكن نفس المؤسسات التي انفرزت عن الحراك الثوري، ما لبثت أن اُستقطبت، وغدت اشكالاً من الدعاية السياسية للأطراف السلطوية التي هيمنت على مُختلف المناطق السورية، والتي أعادت تجربة التسلطية الأسدية، وإن بأحياز أصغر وأقل وحشية، لكن كاتب هذه السطور، مثل المئات من الآخرين من أقرانه، لم يجد مكاناً مناسباً له ضمها.

كانت الكتابة في موقع راديو سوريالي لمُدة عامين تجربة خاصة في مواجهة ذلك الشكل من المنفى. فدون أي رياء، كُنت اشعره مكاناً فسيحاً لكُل ما أعتقده وأظنه رأيي الخاص بما يدور في داخلي وحولي، كشخص مُهتم بالحياة العامة السورية، وكُل ما يُحيط بها، من دول ومُجتمعات وحساسيات.

في منبر سوريالي شعرت لأول مرة بقيمة العمل ضمن عائلة من الفاعلين، يجمع بينهم شيء أوسع من القيم البيروقراطية والمصلحية، شيء يتجاوزها لقيم الإيمان المُشترك بمشروع صغير، هو هذا الراديو والمنبر، يُشكل ذرة جُزئية من اللوحة الكُلية للبلد المُشترك، الذي على كُل ساكنيه أن يحيكوا فضائه العام.

كذلك في منبر سوريالي لم اشعر بأية مشاعر دفينة بالحقوق المسلوبة، إذ كان ثمة تعاقد واضح المعالم، وبين أناس ينتمون إلى نفس الدرجة من المكانة والعلاقة والقدر من المؤسسة، يستطيع أي منهم أن يُحاسب الآخرين على ما يقومون به من أعمال، وأن يدافع عن حقوقه بنفس الدرجة من السوية والقُدرة.

كذلك كان العمل في مؤسسة سوريالي دون أية خطوط حمراء، خلا تلك التي تتعلق بما يضعها الكاتب لنفسه، من قيم إنسانية عُليا، تنبذ العُنف والكراهية وخطابها. لم يكن ثمة خطٌ أحمر قط، قومي أو ديني أو مناطقي أو سياسية، فالكتابة عن كُل شيء كان مُتاحاً، شرط أن تتحلى تلك الكتابة بمزيج من المعرفة والروح النقدية.

أخيراً، فأن ترك الكتابة الأسبوعية في منبر موقع سوريالي هي تجربة الترك الأولى لكتاب هذه السطور دون حقوق مسلوبة. بل هو تركٌ فقط لأن شيئاً ما حان وقت انتهاءه بكُل ود، لكن لسوء طالع كاتب هذه السطور، فأنه سيعود للعيش كُمغترب ومنفي في مؤسسات إعلامية وكتابية أخرى، إلى أن يكون في دمشق مؤسسات إعلامية وكتابية حُرة، في سوريا ما بعد الأسد.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...