حزب “يا طه هالإيد مو إيدك”

بطفولتي الشيقة وضمن الدروس المستقاة من الأهالي والحكماء في عصري، كانوا الأهل يتداولوا نصيحة أو تعويذة على وجه الدقة، هالتعويذة ممكن تستخدمها لتمنع الألم عنك، حيث بتقول يا طه هالإيد مو إيدك، أو يا طه هالبطن مو بطنك، حسب موقع الألم، ونتيجة هالتعويذة الرهيبة ما بقى تتألم نهائي.

وهناك تعويذة تانية تبع إركض بتنسى وجعك، فإذا كان بطنك عم يوجعك اركض لتنسى وجع بطنك، وإذا كنت عم تعاني من التهاب لوزات فإركض بتقوم بتنسى وجعك.

المهم يا طويل العمر فأنا حبيت أنقل هالتعويذات هي لأصدقاء الحي والمدرسة، وكنت أهمس همس فيها مخافة أن تنتشر وتبطل التعويذة نتيجة تكرارها من قبل طلاب المدرسة على بلا طعمة، فكنت خص فيها بعض الأصدقاء المقربين جدًا.

 وفي إحدى نوبات التعذيب بالمدرسة قلت لصديق رح يتعرض بعد شوي لجلسة تعذيب بالمدرسة القبيحة سعيد العاص، كنت صف سابع أيامها، وقلتلو: هلأ بس يقرب دورك بالقتلة بتقول بقلبك يا طه هالرجل مو رجلك إذا فلقة وإذا على إيدك بتقول بقلبك يا طه هالإيد مو إيدك، وهيك ما بتحس بالألم، صفن الزلمة وقلي أكيد هالحكي؟ قلتلو مليار بالمية متل ما عم قلك، ستي بالشام قالتلي هالحكي وأنا جربتو كتير واستفدت، بس قولها وكررها أكتر من مرة وخلال القتلة خليك عم تقولها بقلبك.

بالفعل ماهي إلا هنيهات ووصل دور الموقوف، وبلش الأستاذ ناصر إذا الله ما خيب ذاكرتي، وما في أول عصاية واشتغل الصياح يا طويل العمر، طاخ طاخ وصاحبنا عم يحبس وجهه لحتى كانت رح تطق عروق وجهو، وما لاقيلك ياه إلا صار يصيح وهو عم يتألم (يا طه هالإيد مو إيدك، يا طه هالإيد مو إيدك، ياااا طهههههههههههههههه هالإيد مو إيداااااااك). وقف الأستاذ ناصر مصدوم، قلو مين طه ولا حيوان؟ هداك الصبي وهو عم ينازع الألم الشديد قلو: ما بعرف أستاذ. هون الأستاذ ناصر أصر يعرف مين طه، قلو بدي تقول مين وإلا بدي إلعن يلي خلفك، بدي شبعك قتل، فتاح إيدك، ورجعت جلسة التعذيب ورجع صاحبنا يكرر: يا طه هالإيد مو إيدك، يا طه هالإيد مو إيدك، والأستاذ ناصر الموجه وقف وقلو: يا ابن العرص مين طه؟ شبك جنيت إنت؟ مين طه يا ابن الحيوان؟

صاحبنا تعب من الصمود وحفظ السر، وقرر يغدر بالتنظيم السري تبع التعويذة الحزبية،  واعترف على رئيس حزب “يا طه هالإيد مو إيدك” وقلو: هو قلي أستاذ أنا ما دخلني، وفلت الصبي بالبكي، تركو الأستاذ ناصر والتفت عليي وقلي: مين طه ولا جحش؟ قلتلو بقلك أستاذ بس مو قدام الولاد تبع الصف، الموجه صار عندو فضول مضاعف ويمكن بهديك الفترة بالثمانينات كانت النزعة المخابراتية طاغية على كل سوريا، فيبدو اعتقد الرجل بوجود تنظيم سري مرتبط بطه، وأنا زعيم التبشير بالتنظيم، فأخدني على الكوريدور وقلي حكيلي: قلتلو يا أستاذ هيك هيك هيك القصة، وأنا فكرت ساعدو لرفيقنا وخفف عنه وجع، قلي فيك الخير والله يا سيد وائل، فتاح إيد طه لقلك، ونزل سلخ يمين شمال لحتى ضاع طه بالوادي تبع سعيد العاص، واندثر حزب يا طه هالإيد مو إيدك إلى الأبد.

***

التعويذة الثانية تبع أركض بتنسى كانت نتائجها شنيعة أكتر، ففي صيفية من صيفيات القرية يلي كان الوالد يعتقلنا فيها بالضيعة، تعلمت هالتعويذة، شعرت بمغص ورغبة بالذهاب للتواليت، ولما كان مكان اللعب والتجمع يبعد نصف ساعة حد أدنى عن المنزل، فسألت ابن جيراننا نمّيش، ونمّيش هو لقب الفتى يلي كان وجهه يكسوه النمش، بينما اسمه الحقيقي مجهول بالنسبة إلي حتى اللحظة، فطلبت مشورة نمّيش وقلتلو بدي تواليت، قلي مافي هون، روح شخ ورا التلة، قلتلو ما بعرف، مستحيل إعملها (وأنا ابن المدينة الذي لم يعرف التريض في الخلاء) فأفتى لي بتعويذة اركض بتنسى، قلتلو أكيد؟ قلي متل ما عم قلك، أركض بتنسى، وبالفعل بدأت بالركض يمين ويسار، وللوهلة الاولى نجح الامر، بس مع مرور الوقت المغص بدأ يشتد والحالة بديت تسوء، فقلت لنمّيش يا معلم، يا طويل العمر، الوضع صار سيئ، قلي معناها ما عم تركض منيح، بدك تركض بسرعة، ورجعت أركض أسرع وأسرع، ولكن الأمر ازداد ألمًا وبدأ ينذر بأمور خطيرة، صحت فيه: ياااااا نمّيش ما عاد إقدر، صاح نمّيش من بعيد: ركووووووض بتنسىىىىىىىىى، وخلال دقيقتين كان البطن المتورم قد أطلق العنان لراحته، أي بالمشرمح عملتها على حالي.

وقت رجعت عالبيت وخلال جلسة التحقيق المنزلية، اعترفت على رئيس حزب اركض بتنسى، الرفيق نمّيش الناصيف ابن أبو راشد الناصيف، والدته شمسة النعسان، وسقط الحزب بيد نساء الحارة من أول جلسة تنظيف لأحد أعضاء الحزب العتيد.

نبذة عن الكاتب

وائل عبد الله

وائل عبد الله، خريج كلية الإعلام، قسم التعليم المفتوح. حاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يعمل حالياً كاستشاري في قطاع إدارة المخاطر.

Loading Facebook Comments ...