عوضا عن الحافلات.. الأوبر في الشمال السوري

الباسل تادروس وبيهس الشامي

130 كيلومترًا، هي المسافة التي قد تفصل بين قريبين من منطقة واحدة في سوريا، واضطرتهما الظروف إلى الإقامة في نقطتين متباعدتين من شمال البلاد بعد تهجيرهما قسريًا.

وباتت مسألة توافر المواصلات في الشمال مطلبًا ملحًا، لا لكونها تمثل وسيلة للنقل فحسب، بل لأنها أصبحت تشكل أيضًا الحجر الأساس في عملية التواصل الاجتماعي، وتمكين الآلاف من مهجري الداخل من زيارة أهلهم وأصدقائهم ومعارفهم، والذين تم توزيعهم بشكل عشوائي عقب حملات التهجير القسرية، على مدن وبلدات الشمال السوري.

“إذا أردت الذهاب من إدلب باتجاه عفرين، فستضطر لدفع ما بين 6 آلاف حتى 8 آلاف ليرة ثمن تعرفة الركوب بالسرافيس، إن وجدت، عداك عن الانتظار لمدة طويلة ريثما يتم اكتمال العدد، قبل انطلاق الرحلة”، يروي سامي، أحد المهجرين في إدلب، والذي يقوم على الدوام بزيارة أهله وأقربائه المتوزعين على بلدات أخرى شمالي سوريا، بواسطة سيارته الخاصة، مصطحبا معه شخصًا ما أو عائلة، وذلك بعد الاتفاق معهم عبر الإنترنت، دون أن يتقاضى أي أجر.

ويشير سامي بأن الكثير من الأهالي يضعون منشورات، عبر الغرف أو الصفحات المخصصة في وسائل التواصل الاجتماعي لمتابعة أخبار مهجري الداخل، مفادها احتياجهم لوسيلة نقل تقلهم من مكان لآخر، لذلك يقوم سامي على الفور بالتواصل والاتفاق معهم، مصطحبًا إياهم أثناء ذهابه لزيارة ذويه، موضحًا هو الآخر حاجته لرفيق سفر: “أقل شيء يكون لي سند، إذا ما اعترضنا أحد ما، أو تم إيقافي على الطريق من قبل أحد الحواجز”.

وسائل مواصلات بديلة وبخدمة متطورة

ارتفاع تسعيرة وسائل النقل، بحجة بعد المسافات التي تفصل ما بين مدن وبلدات الشمال السوري، واستغلال حاجة المهجّرين الراغبين بالتنقل لزيارة ذويهم، هو ما دفع البعض لشراء سيارات كبيرة (المعروفة شعبيًا باسم سيارات الفان)، واستخدامها في سوق العمل كوسائل مواصلات بديلة، بأسعار معتدلة، وخدمة متطورة، فما على الزبون سوى إرسال موقعه الجغرافي للسائق، موفرًا على نفسه عناء الانتظار وعدم انتظام مواعيد انطلاق الحافلات.

“أنشأنا غرفًا خاصة للنقل عبر وسائل التواصل الاجتماعي كفيسبوك وإنستغرام، هدفها نشر مواعيد انطلاق الرحلات، كي يتمكن الزبائن من الاطلاع عليها، بغية التواصل معنا” يشرح أبو أنس، أحد مهجري الغوطة الشرقية، والذي يعمل بصفة سائق لإحدى هذه السيارات المخصصة لنقل الركاب.

ويضيف: “مثلًا نحن نضع إعلانًا عن رحلة الغد المتجهة من عفرين إلى معرة النعمان، الانطلاق الساعة 8 صباحًا، والعودة الساعة 1 ظهرًا، التكلفة 2500 ليرة، بمجرد أن يقرأ الزبون هذا الإعلان يقوم بالتواصل معنا، فنطلب منه إرسال موقعه الجغرافي فقط، موفّرين على الزبائن فترة الانتظار التي يقضونها عادة ضمن الكراج أو الموقف، ريثما يتم اكتمال العدد قبل انطلاق الرحلة”.

ويشيد أبو أنس بالخدمات والتسهيلات الممنوحة للمهجرين، والتي من شأنها تخفيف معاناة المدنيين في الترحال والتنقل، مطالبًا زملائه من السائقين بتنظيم العمل بشكل أكبر، وافتتاح مكتب رئيسي، يديره موظف ما أو عدة موظفين، مسؤولين عن تلقي المكالمات وخدمة الزبائن، على غرار الشركات العالمية.

طبيعة العمل ومخاطر الطريق

أبو مازن الشامي، مهجّر اختار العمل كسائق، وتشارك مع صديق له لشراء سيارة كبيرة (فان)، وتحويلها لوسيلة نقل عامة على خط معرة النعمان – عفرين، يشرح لسوريالي الطابع الخاص لهذا النوع من العمل: “رأس مالك هي السيارة، متى أحببت أن تغير مهنتك أو تسافر لمكان آخر، فما عليك سوى بيع السيارة”.

ويردف: “لدينا ثلاث رحلات أسبوعيًا، ننطلق الساعة السابعة صباحًا من معرة النعمان، مرورًا بإدلب المدينة و حزانو وسرمدا والدانا ودارة عزة وترمانين، وصولًا لمدينة عفرين، تقريبا الرحلة تستغرق ثلاث ساعات”، مشيرًا إلى تجنب الرحلات الليلية “خشية المخاطر التي قد تواجهنا”.

ينتقد أبو مازن بعض السائقين الذين يستغلون الطلب المتزايد على هذه الخدمة، فأصبحوا يطالبون بأجرة نقل مرتفعة جدًا: “إذا أراد الراكب مثلًا  أن يتنقل ما بين عفرين وإدلب، فعليه أن يدفع 4 آلاف ليرة سورية، بينما نحن نتقاضى 2500 ليرة فقط”.

ويختم “أبرز المخاطر والصعوبات التي واجهتنا حقيقة تتمثل بالواقع المؤلم التي تعيشه مدن وبلدات الشمال السوري من خطف واغتيال وعبوات ناسفة، بالإضافة لموضوع الاقتتال الداخلي بين الفصائل، و فرض أتاوات من بعض حواجز ريف حلب بحق المارة، الأمر الذي اضطرنا لرفع التسعيرة إلى 2500 ليرة، بعد أن كانت 2000 ليرة فقط”.

نبذة عن الكاتب

Loading Facebook Comments ...