من ثورة الناشطين السوريين إلى مذبحتهم

المقال المقروء:

– – – –

باغتيال الناشط والإعلامي رائد الفارس، تكتمل فصول المأساة السورية، ليس لتمايز خاص ما كان يتفرد به الفارس، فمثله استشهد العشرات من الناشطين والإعلاميين الثوريين السلميين السوريين، بل لفرادة بيئة بلدته كفرنبل بذاتها، بأحداثها ومُجتمعها وجُغرافيتها ونُشطائها. تلك البلدة النادرة التي بقيت مُحافظة على نوع من الحياة العام المدنية المُستقلة والسلمية، بالرُغم من الهيمنة العسكرية المديدة للتنظيمات الإسلامية القروسطية عليها.

برحيل الفارس تكون دورة الحياة المدنية السلمية الديمقراطية السورية، أو أي أمل منظور بها، قد وصلت إلى حتفها. فالسوريون الذين ينتمون إلى تلك العوالم ويعتبرونها أطارهم وأدواتهم للتفاعل والعيش والبناء، أنما يشاهدون أنفسهم يواجهون أربعة عوالم ماحقة لهم.

عالم النِظام الأسدي، الذي يُجبرهم على الدخول في أكبر دوامة للتكاذب المحض، كذبة المدينة المُتسترة على جِبال من الطائفية، وأكذوبة الممانعة الماحقة للفلسطينيين وكُل المُتطلعين للحُرية، وكذبة الحداثة والتعايش المكور على بِحارٍ من الحروب والصراعات والأحقاد الأهلية.

العالم الآخر هو جُغرافيا الإسلاميين، بكافة تشكيلاتهم وصورهم، الإسلاميون الذين يخوضون صراعاً مفتوحاً وتافهاً ومُتخيلاً مع الآخر، الذي يُمثل الغرب جوهره وهويته، وبالتالي يرون في هؤلاء الناشطين المدنيين السلميين الثوريين الأداة السرطانية التي تنشر أفكار وتطلعات هؤلاء الأعداء في ظهرانيتهم، يرونهم السرطان الذي يفتت المُجتمع بين أيادي الإسلاميين ويمنعهم من القبض والتحكم بهذا المُجتمع. عوالم الإسلاميين تراهم صهاينة الداخل، بالضبط كما شيدت خطابية الممانعة صهاينة مماثلين في دواخل مناطق سيطرتها على الدوام.

كذلك يواجه هؤلاء الشبيهون بالفارس نظاماً إيديولوجياً مركزياً في شرق الفرات، متوهماً بحمله لنبوءة الحداثة والمدنية والتعايش، بينما لا يسلك إلا دروب قمع الحياة العامة والشراكة السياسية والسلام الاجتماعي المديد. في ذلك المكان يرى أخوة وشُركاء الفارس أنفسهم في مواجهة خطابية اخطبوطية في كُل حدب، تقول كُل شيء عن كُل شيء، لكنها، ولفظاعة تراجيدية ما، لا تفعل أي شيء، خلا التحكم السُلطوي المُطلق بحيوات الناس وخياراتهم الحرة.

اخيراً، فأن طبقة رائد الفارس من الناشطين والفاعلين، السلميين الديمقراطيين، يرون أنفسهم في مواجهة حيتان مؤسسات المُجتمع المدني، الغربية والأممية منها على السواء. تلك التي تستميت في سبيل تغيير تطلعات واهتمامات ونوازع هؤلاء الشُبان، تذبح ذواتهم ولغتهم ومراكز تفكيرهم، تستبدلها بأخرى نظيرة، مُسطحة ومُفرغة وغير ذات دلالة، تأخذهم لما ترغب هي به، تقتلعهم مما كانوا يؤمنون به، تُحطم جنونهم وحماسهم وآمالهم، تلوث حساسياتهم قدر المُستطاع.

في مواجهة تلك المأساة، مصيران تراجيديان لاحقا هؤلاء الناشطين، فأما تركوا أي شيء له علاقة بالشأن العام، وعادوا إلى تشكيلة “إنسان الحُكم الأسدي”، الذي يحيى دون مبالاة بحقوقه الجوهرية في الحُرية والكرامة الإنسانية، ودون أي اعتبار للقيم والأعمال العامة الجماعية، التي أنتجت عبر التاريخ أعظم التحولات، وأن يغدو مُجرد كائن عائش بقيم وسلوكيات غريزية شبه حيوانية.

المصير الآخر تمثل في المحق الجسدي لهم من قِبل أجهزة الحُكم التسلطية في مُختلف المناطق، الذي وإن طال عدداً محدوداً منهم، إلا أن فاعليته المُرعبة أجبرت الطيف الأوسع منهم على الفزع والصمت المُطبق أو الهجرة، كان رائد الفارس ورفاقهم وتجربتهم آخر المحاولات للبقاء على قد الحياة بأي شرطٍ كان.

هذا الطريق من ثورة وحياة الناشطين السوريين إلى مذبحتهم المُريعة لم تمر بطريق مُستقيمة واضحة المعالم، بل تآزر على حياكتها جميع هؤلاء الذين يتسلطون على مُختلف المناطق السورية، فوقهم عقلية ومنهجية وعمل العالم القوي، الذي آمن مُنذ أول لحظة بأنه لا حل للمسألة السورية، وأن الأسد ومن شاببه هُم الحل الأمثل لهؤلاء المُتمردين على قواعد وخطوط الاستقرار والمصالح الكُبرى.

كانت سوريا عامرة بثورة مهيبة قبل سبعة سنوات، أنحطت لتغدو أزمة مُركبة، ومنها لتكون مسألة، شبيهة بتلك المسائل المُعقدة في حركة التاريخ، والآن تغدو مأساة فظيعة في كُل مُفرزاتها. كان الناشطون السلميون المدنيون الديمقراطيون يدفعون على الدوام أثمان تلك التحولات الفظيعة، لكنهم، كما يحدث على الدوام، لن يدفعوها لوحدهم، وغد القتلة قريب، وعُمرهم أقصر مما يُتخيل.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...