لا تصدقوا حكاية “الأستاذ” جود سعيد عني

أشاهد على التلفاز تسجيلًا يظهر فيه خمسة أطفال من قريتي اشتبرق، تلك القرية النائية قرب ملتقى ريفي إدلب واللاذقية، والتي وقعت بيد المسلحين بخمس دقائق، أذكر تمامًا ما حصل، ملثمون يتكلمون لهجات غريبة اقتحموا منزلي وعصبوا عيني واقتادوني إلى جهة مجهولة وبصحبتي أولادي الثلاثة الذي يظهر أحدهم الآن على شاشة التلفاز، أعرفه جيدًا، كم كبرت يا علي، صحيح أن صوته بات أخشن وأطال شعره وارتدى ملابس لم أعتدها، لكن الأغرب تلك العصابة المربوطة على رأسه والعبارات التي يتفوه بها، ابني لم يكن يعلم سابقًا ما معنى كلمة “نصيرية”، عندما اختطفونا عام 2013 كان عمره 11 عامًا فقط، ظروف الأزمة والتحاق والده بقوات الدفاع الوطني جعلنا نتوه عن تعليمه أصول دينه، لكن لم يخطر ببالنا يومًا أن يتعلم الصبي أصولها بشكل مبالغ فيه، شكل يسمح له بتكفير والدته، وقتل والده “الكافر” يومًا ما على واحدة من الجبهات.

لا أحد يريدك يا علي، كما كانوا لا يريدون والدتك سابقًا، كم جعلنا هذا الرجل التونسي نكتب مناشدات على أوراق بيضاء ليبثوها على مواقعهم الإلكترونية، لا أعرف إن شاهدها أحد ممن نوجه نداءاتنا له، ما أعرفه أن أبي خرج في مظاهرة قبل عام من عودتي ليطالب محافظ اللاذقية بإطلاق سراحي، كتب مع غيره من أهالي المختطفات والمختطفين رسالة رفض المحافظ استلامها، وقتها قال أحد الضباط لوالدي “متسوي كل هالشي لتطلع عقناة الجزيري يا مندس ماهيكي؟؟، كما أن شخصًا يوصف بنقيب المهندسين في اللاذقية يدعى عمار الأسد قالها بالفم الملآن: “لا يوجد شيء اسمه مختطفو اشتبرق”، هؤلاء أنفسهم كانوا أول الحاضرين لاستقبالي عندما خرجت من الجحيم الذي كنت أعيشه، أخذوا صورًا تذكارية معي وتركوني أواجه الحياة بمفردي بعد مقتل زوجي على إحدى جبهات إدلب، وكم أخاف ان تكون أنت قاتله يا علي.

أيام عصيبة تلك التي عشتها كمختطفة، كنت ملزمة بارتداء حجاب يخنقني، حتى أنني بدأت بالصلاة والصيام وأشياء أخرى لم يلزمني معتقدي القيام بها، ثلاث سنوات ونصف قضيتها مع هؤلاء، أتقنت خلالها اللهجة العربية الفصحى التي يتحدثون بها، تعرفت على نسوة من دول أول مرة أسمع باسمها، غالبيتهن يحملن اسم عائشة، لا أعرف إن كانت صدفة أم أنهن انتحلن هذا الاسم، غريب خضوعهن لأزواجهن، والأغرب طريقة الرجال في التعاطي معنا، لم يغتصبني أحد، توقفوا رجاء عن طرح هذا السؤال الذي لن تعجبكم إجابتي عنه، طعام كثير، دروس دينية وفقهية، تحفيظ قرآن وأحاديث، محاضرات عن الكفر الذي تخوض به طائفتي، ضحكت كثيرًا يوم طلبني أحد “المجاهدين” للزواج، سألت بسذاجة ” أنا متزوجة كيف سأتزوج بك؟؟”، إلا أن زوجته أخبرتني أنني أصبحت الآن من المؤمنات وأن عقد نكاحي من كافر يعتبر باطل شرعًا، قلت في سري كم هي سهلة هذه الحيلة، ليتني استخدمتها للخلاص من زوج طالما جلب لي التعاسة والفقر.

تجاوز عددنا كمخطوفات العشرات ومعنا كثير من الأطفال، وبينهم علي، أخذوه مني بعد عدة أشهر، فصلوني عنه لحرمانية وجوده بين النساء وهو يقترب من البلوغ، سلّمته بخضوع تام إذ لم تكن لدينا رفاهية الجدل وطرح الأسئلة حول مصيرنا وما سيفعلونه بنا، مضت أشهر طويلة قبل أن أراه للمرة الأولى، أصبت بالذعر عندما وجدته بات رجلًا بجسد طفل صغير، كان جافًا في الحديث معي، يتجنب ملامستي، ولا ينظر بعينيّ عندما يتكلم، وقال لشقيقته كم يليق بك الحجاب، كان سعيدًا برؤيتي أغسل ملابس المقاتلين وأطهو لهم أثناء احتدام المعارك فأجري عند الله سيكون أضعاف ما أقوم به على اعتبار أنه جهاد بحد ذاته، صرت أخاف منه مع مرور الأيام، لن أنسى عينيه الجامدتين عندما غامرت وسألته عن موعد خلاصنا مما نحن فيه، “لا تجادلي فهذا خلاصنا يا امرأة، نحن نعلم ما نفعله بالضبط”، أصبحت مجرد امرأة بنظر ولدي الذي بات يمنعني عن طرح الأسئلة هو أيضًا، وكان من أشد المعارضين لإطلاق سراحي بعد أعوام من الاحتجاز، لكنه رضخ لتوجيهات أميره الذي بايعه على السمع والطاعة، ودعني قائلًا علّ اللقاء يكون قريبًا عندما نأتي إليك فاتحين…

لم أحدثهم عما فعلته يا علي، لم أقل لهم إن ابني أصبح قاتلًا باسم “الله”، طرقت أبواب مسؤولين كثر هنا في اللاذقية لأشكو لهم خطف طفلي الصغير الذي احتفظ به جنود الله على الأرض، لا أعرف لماذا يستقبلونني ببرود هكذا، ولا يتفاعلون مع مصيبتي ومصيبة نساء كثر مثلي، “لكنهم سيقتلونه”، هكذا أخبرتهم، كم كان قاسيًا ذلك الجواب الذي جاءني من أحد الجالسين في مكتب المحافظ حين قال: “خليه يموت، أحسن ما يرجع ويقتلنا”.

منذ أيام فقط كنت في قرية “وطى عرامو” قرب صلنفة، حللت زائرة على سيدة تكابد مشكلتي ذاتها، وعلى الطريق الواصل إلى هناك، فوجئت بفريق عمل كبير ساقني فضولي للوقوف لمشاهدة ما يفعلونه، علمت من سيدة تنتمي لهذه القرية أنهم يصورون عملًا سينمائيًا عن أحداث الريف الشمالي، عضو من الفريق حاول شرح مجريات العمل للفضوليين أمثالي، بعد الاحتجاج على عدم استشارتنا بخصوص عمل يتحدث عنّا، وسماع رواياتنا والتصوير ضمن المواقع التي جرت بها الأحداث الحقيقية بدلًا من الاستعانة بمواقع مشابهة، ليكون العمل أقرب إلى الواقع وتنال قضيتنا تعاطفًا صادقًا من الجمهور.

 أخبرونا أن مخرج العمل “الأستاذ” جود سعيد قام بكل هذا، بصراحة لا أعرف من هذا الجود سعيد الذي ينادونه “الأستاذ”، لكنني علمت لاحقًا أنه ابن ضابط كبير، وهاهو يكرّم في تونس عن عمل يتحدث عن “الحرب”، تلك الحرب التي نحن ولا أحد غيرنا ضحاياها وليس “الأستاذ” الذي يتحدث بلساننا، ويقدم قصصنا برؤيته لينال عليها الجوائز، أذكر جيدًا كيف تجرأت و قلت لهم بصوت عال إنني من اشتبرق ولم يزرنا أحد فكيف تدعون أشياء لم تحصل؟؟، صرخ بي أحد أعضاء الفريق وأخبرني بلهجة آمرة ألا “أجادل” كثيرًا، “فالأستاذ” مدعوم”من أعلى الجهات، وسيعتمد على روايات متخيلة لأشخاص متخيلين، وهو يعلم ما يفعله “بالضبط”.

نبذة عن الكاتب

بتول العلي

صحافية سورية

Loading Facebook Comments ...