تعال أحدثك عن سوريا بعد ربع قرن

المقال المقروء:

– – – –
ليس لأحدٍ في الراهن أن يفصل في الشكل الذي سيكون عليه الكيان والمُجتمع السوري بعد ربع قرن، لأسباب تتعلق بجُملة هائلة من الفواعل والديناميكيات المُحيطة بالمسألة السورية في الراهن، وهي ستبقى كذلك لفترة طويلة من المُستقبل، باعتبار أن سوريا تُشكل مركزاً بالغ الخطورة والديناميكية لمُجموع العلاقات الإقليمية المُحيطية بها، وحتى الدولية منها في الفترة الأخيرة.

لكن أحوال التعليم الراهنة في سوريا، تُشكل أكبر دلالة على ما سوف يكون عليه حال المُجتمع السوري مُستقبلاً، من أحوال التعليم المُنقسمة إلى خمسة دوائر مُنفصلة عن بعضها، يُمكن وعي أحوال التعليم السوري، فهؤلاء السوريون الذين يتعرضون لهذه العمليات التربوية المُختلفة راهناً، سيغدون طاقة وديناميكية العمل والفعل العام السوري في كافة مجالاته بعد ربع قرن. ومن خصائص التعليم الحالية يُمكن وعي خصائص المُجتمع السوري مُستقبلاً.

يُمكن اختصار أحوال التعليم الحالية بعدد من النقاط ويُمكن على أساسها وعي بعض أحوال المُجتمع السوري بعد رُبع قرن:

– يخضع الطلبة في مناطق الإدارة الذاتية لنمطين مُختلفين من العمليات التربوية، واحدة تُديرها الإدارة الذاتية الكُردية وهو مائل لأن يكون قومياً كُردياً وخاضعاً لأفكار وايدلوجية حزب الاتحاد الديمقراطي الكُردي، بينما يخضع الطلبة العرب لمنظومة تربوية مطابقة لما يخضع له الطلبة في مناطق النِظام السوري، وهاتان العمليتان تقريباً متعاديتان بالرُغم من أنهُما تجريان في مكانٍ واحد، وهذا ما يفاق الاستقطاب في تلك البيئة السورية.

يعني هذا الأمر بأنه في أكثر مناطق البلاد حساسية واستبعاداً وهامشية وفقراً، سيكون ثمة جماعتان تعلمتا المُعاداة بطريقة منهجية وتأسيسية واضحة المعالم. وبالتالي فأن هذه المنطقة ستبقى من أكثر مناطق سوريا أثارة للإشكاليات السياسية والمُجتمعية.

– ينزاح الطلبة السوريين في تُركيا نحو اللُغة التُركية، بدرجة وسوية لا تتناسب مع ما يتلقاه ذوهم، وهذا ما يخلق انفصاماً اجتماعياً. كذلك فأنه يُشكل عاملاً اضافياً لسوء قُدرتهم على العودة والاندماج من جديد في بيئتهم السورية الأولية.

الأمر الذي سيعني مُستقبلاً بأن جزء واضحاً من المُجتمع السوري سيكون “تُركي الهوى”، في نشاطه وثقافته وروابطه العميقة، بدرجة ومستوى يتفوق على ما كان عليه الموارنة اللبنانيون في أوائل القرن الماضي وعلاقتهم وتداخلهم مع الثقافة والعالم السياسي الغربي، الفرنسي منه بالذات. هذه الأمر الذي يعني بأن الهيمنة التُركية ستكون واضحة المعالم على المُجتمع السوري، الشمالي منه على أقل تقدير.

– ثمة طابع طائفي محافظ للغاية للتعليم في مناطق المُعارضة السورية، يخلق مزيداً من التعكير للعلاقات “الوطنية” السورية، خصوصاً في مرحلة العودة. هذا الطابع الطائفي للعلمية التربوية في مناطق المُعارضة متجاوز حتى للطابعين القوميين للعمليات التربوية في كُل من مناطق النِظام والإدارة الذاتية الكُردية، التي تُساهم بدروها في تحطيم أواصر العلاقات الوطنية.

غير السلوك والنزعة الطائفية، فأن ذلك يعني بأن جزء واضح المعالم من السوريين سيشهدون مزيداً من سوء القُدرة على الاندماج والتفاعل مع الثقافة المدنية والمواطنية، مع المواطنين السوريين على أقل تقدير، ومع العالم الأوسع على أكثر تقدير. لأن هذا التعليم الذاتي ليس مُجرد معرفة، بل يتجاوز ذلك لأن يغدو نمط تفكير وحياة.

– تبدو البيئة التربوية للطلبة السوريين في لُبنان والأردن بالغة الاهتراء، وهي تساهم في خلق أكبر نسبة من الأميين السوريين، الذين سيُلاقون صعوبة بالغة في خلق نماذج حياتية مُعاصرة وحيوية.

سيعود قُرابة رُبع سُكان سوريا المُتخيلين إلى مناطقهم وبيئاتهم الاجتماعية وهُم بالتحصيل العلمي الذي لا يوازي ما قد حصل عليه أباءهم من قبل. سيكون هؤلاء بالإضافة إلى الأمية التي نخرت فيهم، سيكونون السوريين الأكثر فقراً وتهميشاً، منحدرين من المناطق والجُغرافيات التي حُطمت، ولم يُعاد بنائها من جديد، وسيكونون الأكثر حملاً لبواعث الرفض والحساسية تجاه الطبقات “المُنتصرة” الذي استحوذت على المتن العام المعرفي والتعليمي والاقتصادي، والتي ستدافع عن هيمنتها بكُل شراهة وشراسة.

سيرى هؤلاء السوريون الضُعفاء أنفسهم في مواجهة حالة من العدمية الأخلاقية والمعرفية والوجدانية، يواجهون عالماً خالياً تماماً من أي شكلٍ من العدالة. لذا بالضبط سيكون بذرة صالحة وأداة طيعة للاندماج في دوامة العُنف.

سوريا بعد ربع قرنٍ من الآن ستشبه أحوال التعليم الذي يحيياه أبناءها، مُهترئة ومُتخاصمة وأُمية وغير عادلة، وأولاً عنيفة.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...