جيوب مخفية ومخيفة

قد تقرأ نصًا لأحد ما، لا تعرفه، ولا هو أصلًا يكتب باسمه الحقيقي، ثم يتركك هذا النص كما لو أنه النص الأول الذي تقرأه في حياتك، النص الأول الذي يتفتح  فيه وعيك على العالم، نص يفتح لك جيوبًا مخفية في لا وعيك، ويغادرك وأنت تفتش فيها وتكتشف الأعاجيب! أجزم أن نصوصًا قرأناها لكتاب شباب، لا يعرفهم أحد، ألهمتنا، لاعلى مستوى الكتابة فقط، بل على مستوى معرفتنا لأنفسنا وفهمنا لها، أكثر بكثير من كتابات تعتبر عظيمة لكتاب يصنفون عالميين وعباقرة!

قبل أيام نشر موقع الجمهورية ضمن ملف طويل عن الجنسانية والجندرة نصًا تحت عنوان “أنا الشاذ” لشاب يعترف في نهاية النص أن اسم رئيف الشلبي الذي كتب به هو اسم مستعار، اضطر له احترامًا لمشاعر والده الثمانيني، الذي كان سيصدم لو أنه قرأ نصًا كهذا بتوقيع ابنه الصريح.

يتحدث رئيف، وهو شاب سوري ينتمي إلى الطبقة المتوسطة المحافظة، في نصه عن هويته الجنسانية واكتشافه لمثليته، وصراعه الطويل مع هذا الاكتشاف في مجتمع وبيئة غيرية تسمي الخارج عنها شاذًا، هذا الصراع الذي أدى به إلى الوصول إلى محاولة الانتحار، ثم عدوله عن الموت في محاولة لاستكمال نضاله الشخصي الداخلي لإثبات هويته. لن أتحدث عن عذوبة النص ولا عن حساسيته المفرطة، ولا عن المقدار الهائل من الألم الذي كُتب به، ولا عن إحساسي الشخصي، كقارئة وكاتبة في الوقت نفسه، بمساحات التردد أثناء كتابته، حتى جاء مفعمًا بكل هذا الصدق والألم، سأترك لكم اكتشاف ذلك لو قرأتم النص على الموقع، وهو أمر يستحق فعلًا.

ذات يوم سألتني ابنتي الوحيدة: “لو أخبرتك أنني مثلية ماذا ستكون ردة فعلك؟”، أذكر أنني صمتّ لفترة وشعرت بالخوف، وظننت بأن ابنتي تريد إعلامي بهويتها الجنسانية بهذا السؤال الموارب، أذكر أن غضبًا عارمًا اعتراني، حاولت قدر إمكاني إخفاءه عنها.

كانت ابنتي تسألني سؤالًا عاديًا، لا شبهة فيه ولا مواربة، هي ليست مثلية، لكنها أردات وضعي على المحك واختبار ما أدعيه من انفتاح وتقبل للآخر وثقافة حرة، كانت محقة في اختبارها، إذ ادعيت وقتها، وسط الغضب المكبوت، أن هذه حياتها وليس لي حق التدخل في انحيازاتها الجنسوية، ظل سؤالها يؤرقني كلما تعرفت إلى أحد المثليين، أو سمعت تجارب مثلية من أحد، وظللت أقف في مسافة القبول والرفض، هي المسافة نفسها بين ما يجب أن أكون عليه من عقل وروح متقبلة لكل ماهو مغاير، وبين ما نشأت عليه في مجتمع وثقافة تحرص على الغرف المغلقة وتسكت عما يحدث فيها، وتمعن في غلق النوافذ الكاشفة، حتى قرأت قبل يومين مقال رئيف الشلبي وذهلت من حجم الكشف الذي أتاحه لي، فأنا لم أخرج من قلب هذا المجتمع الغيري الذي يحكي عنه، إلا بخطوات مترددة جدًا، أنا ما زلت هناك، أستخدم مصطلح شاذ قبل أن أنتبه لنفسي وأعدل الكلمة، أنا ما زلت هناك، أنظر بشفقة إلى المثليين، وبخوف من أن يكون أحد المقربين مني واحدًا منهم، أنا ما زلت هناك، أطلق حكمًا أخلاقيًا تقيًا على المثلي وأدعي عكس ذلك، أنا أكثر ضررًا ممن يعلنون كراهيتهم للمثليين، لأنني أتعامل معهم بعادية بينما ثمة شيء في داخلي يخشاهم، كما لو أنهم مرضى، وأخشى أن أصاب بالعدوى.

هل أعرف أنا حقًا من أنا، وما هي هويتي الجنسانية؟! هل رغباتي الغيرية هي حقيقية أم هي نتيجة إدراك ثقافوي إجتماعي تراكمي أن الجنسانية هي رغبة بين ذكر وأنثى فقط؟! ومن أين تأتيني الجرأة على إطلاق حكم أخلاقي صارم وقطعي على من هو مختلف عني؟! لماذا خفت وشعرت من الغضب لمجرد تخيل أن ابنتي قد تكون لها ميول مغايرة، وأنا التي أعتدّ بحريتي كأنثى وعقل وجسد؟! كيف لم أنتبه يومًا إلى هذا التناقض الذي قد ينتقل إلى آخرين وقد يجعلهم يخشون من إعلان هوياتهم طالما من يدعون التحرر، مثلي، حذرون في التعامل مع المختلفين؟! وكما فعل سؤال ابنتي لي وضعني نص رئيف الشلبي على حافة حادة: الغضب من كل هذا الموروث الذي ساهمنا فيه بتواطؤ مخجل، والرغبة في الصراخ في وجه نفسي، قبل وجه الآخرين: أنني قاسية ظالمة ومفصومة، وأنني لم أخرج كثيرًا عن النسق السلطوي الإجتماعي الذي يراوغ في تقبل المختلف، والذي لا مانع لديه أحيانا من إعدامه نفسيًا عبر تجاهله والتغاضي عن احترام هويته الجنسية، هل كنا نحتاج إلى كل المآلات المرعبة للربيع العربي، ليتمكن المختلفون منا من إعلان هوياتهم دون خوف، ولنتمكن نحن من التخلص من عيوبنا النفسية وادعاءاتنا الفضفاضة؟!

نبذة عن الكاتب

رشا عمران

شاعرة وكاتبة سورية، أصدرت 5 مجموعات شعرية، كما أصدرت أنطولوجيا الشعر السوري من 1980 إلى عام 2008. وتكتب المقال في عدد من المواقع والصحف السورية والعربية.

Loading Facebook Comments ...