أعراض الانسحاب الإمبراطوري: مساع إسرائيلية وبريطانية لملء الفراغ

أعلنت الحكومة الماليزية، في نهاية حزيران- يونيو الماضي، عن سحب قواتها من الأراضي السعودية، والتي تشارك في العمليات العسكرية في اليمن تحت مظلة “درع الخليج المشترك 1”. وحينها ذكرّتنا وسائل الإعلام بإن ماليزيا أيضًا عضو في “التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب”، والذي كان قد تم تأسيسه بمبادرة سعودية في كانون الأول- ديسمبر من عام 2015. وباستثناء اجتماع وزراء دفاع دول التحالف الـ41، العام الماضي في الرياض، فإن وسائل الإعلام لا تنقل من أخبار التحالف سوى زيارات قائده باكستاني الجنسية، الفريق الأول راحيل شريف، إلى العواصم العربية، وكان آخرها زيارته للأردن الشهر الماضي، وقبلها زيارة للإمارات في أيلول- سبتمبر. 

وبالطبع فإن الانسحاب الماليزي لم يكن مؤثرًا على المستوى العملي، فمشاركة كوالا لمبور في “درع الخليج” لم تتجاوز الحضور الرمزي، وكذلك فإن جولات العسكري الباكستاني المتقاعد في العواصم العربية لا تلفت انتباه أحد، فالتحالف الإسلامي الذي يرأسه ولد ميتًا، ولم يتبق منه سوى موقع إلكتروني نشر بعض مقالات عن الإرهاب ومقر في الرياض كانت الجرائد السعودية قد أعلنت عن حاجته لشغر وظائف إدارية ومترجمين قبل عدة شهور.

أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية بدورها، قبل أيام، عن توقفها عن تزويد طائرات “درع الخليج”، المشاركة في الحرب في اليمن، بالوقود. وفيما يبدو فإن الانسحاب الأمريكي جاء بالاتفاق مع السعوديين، لرفع الحرج عن الإدارة الأمريكية، والنأي بنفسها عن التبعات الإنسانية الكارثية للعمليات العسكرية في اليمن. وجاءت تلك الأخبار في الوقت نفسه الذي سرب فيه مسؤولون أمريكيون أخبارًا عن تعثر الإعلان عن “الناتو العربي”، الذي ترعاه الولايات المتحدة وتشارك في جهود تأسيسه.

وبين التحالفات التي تم الإعلان عنها على عجل والمشاركات الرمزية والتحالفات المتعثرة في الأعوام القليلة الماضية، فإن العامل المشترك بينها جميعًا، هو المحاولات شبة اليائسة لملء الفراغ الذي خلّفه الانسحاب الأمريكي التدريجي من المنطقة. فسياسات الرئيس باراك أوباما التي قادت لانسحاب أمريكي من العراق، وتسليمها عمليًا للنفوذ الإيراني، وحد أدنى من التدخل في الصراعات التي فجرتها ثورات الربيع العربي، وتخاذل عن دعم الحلفاء التاريخيين، وعدم الالتزام حتى بالخطوط الحمراء التي وضعتها الإدارة الأمريكية نفسها- نقول إن كل هذه السياسات دفعت الدول الخليجية للبحث عن بدائل لغطائها الأمني. فالتحلل الأمريكي من “عبء” التدخل المباشر في المنطقة، جاء مقترنًا بسلسلة متوالية من الأخطار المصيرية التي هددت استقرار الترتيبات الإقليمية في المنطقة، بدءًا من الانتفاضات الشعبية والتي وصلت إلى البحرين واليمن، وصعود جماعة الإخوان في مصر وتونس، مرورًا بتعاظم النفوذ الإيراني، وتوسع الوجود العسكري الروسي، وبالطبع ليس انتهاءً باستيلاء تنظيم “الدولة الإسلامية”- داعش على مساحات شاسعة من الأراضي.

لكن، وإن كان سياسات أوباما بخصوص المنطقة يمكن وصفها بالانسحاب السلبي، فإن خليفته لم يحيد عن السياسة نفسها، متبعًا نفس المنهج بحماس أكبر. فالانسحاب الإيجابي من المنطقة، كان ترامب قد أعلنه قبل فوزه بمنصب الرئاسة، بل وحتى قبل بدء حملته الانتخابية. فغير الابتزاز العلني والمباشر لدول الخليج، فإن إدارة ترامب أصبحت أكثر وضوحًا بخصوص دورها في المنطقة، من دور الراعي لمصالحه الاستراتيجية إلى دور المورد لمن يدفع.

لم يتجاوز “التحالف الإسلامي” سوى الإعلان عنه، فتعويل السعوديين على قوات عسكرية باكستانية ومصرية تعمل تحت قيادتها انتهى إلى لا شيء، بعد معارضة كلا البلدين لتلك الطموحات. ولا يتوقع أن تصل فكرة “الناتو العربي” إلى أبعد من ذلك. لكن وفيما تتعثر تلك الجهود، فإن بدائل أخرى تبدو في طور التشكل. فبريطانيا قد أعلنت قبل أيام عن أنشاء قاعدة عسكرية في سلطنة عمان، وذلك بعد أن افتتحت في وقت سابق هذا العام قاعدة عسكرية دائمة في البحرين. ولا تبدو زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي العلنية لسلطنة عمان، وظهور مسؤولون إسرائيليين في عواصم خليجية في نفس الفترة بعيدة عن كل هذا. فالانسحاب الأمريكي ربما لا يعني سوى عودة للقوي الإمبريالية الأقدم إلي المنطقة، أو قيام إسرائيل بأدوار الولايات المتحدة الإمبراطورية  بالوكالة، وبشكل علني وبلا مواربة هذه المرة.

نبذة عن الكاتب

شادي لويس

كاتب وباحث مصري، حاصل على شهادة الماجستير في علم النفس من جامعة إيست لندن، يكتب المقال في عدد من المواقع والصحف العربية

Loading Facebook Comments ...