المالكية.. الحي الذي بُني من أكياس الخيش

في المنام ذهبت إلى الحي، الحي الذي ولدت فيه، تنقلت بين شوارعه وأمام منزلنا، تفهمت رغبة من تبقى من الأهالي وطلبهم مني الخروج من الحي بأسرع وقت، خوفًا على أنفسهم من قوى الأمن، فقد ارتبط اسم عائلتنا بالحي بالخراب والقصف والضياع والتشريد.

أثناء العودة من المنام إلى منزلي الحالي في مدينة الباب بريف حلب الشرقي وعلى أوتوستراد مطار حلب الدولي وأثناء سيري على الطريق النظامي، أسمع صوت رصاص في منطقة استشهد فيها كثيرون برصاص القناص، ربما من مات هنا تآكلت جثته ولم يبق منها إلا الحلم والروح التي تطوف حول رماد الجثة، أعلم أن الرصاص من الذكريات (فقد سيطر النظام السوري على شرق حلب و”حررها”  من رجس الإرهاب ولم يبقى داع لنصب القناصة على مفارق بعض الطرق).

إن هؤلاء موتى يجب عليّ ألا أخشاهم، وتلزم العودة إلى مدينة الباب بأسرع وقت، أرى أمًّا وطفليها يركضون نحوي، يأشرون لي أن علي دفنهم وإكرام جثثهم، أقول لنفسي إنهم كانوا يقطعون الطريق إلى منزلهم في الأحياء الواقعة بالطرف الثاني من الطريق، اصطادهم القناص المتمركز بالمباني المحيطة بالمطار، ماتت الأم وطفلاها، أرى رجلًّا مسنًا آخر ينظر إليّ كمن يستجير بي لدفنه.

 يسقط بشار الأسد، أريد للشايب أن يعود للحكم:

خلافًا لما كان عليه الوضع في أحياء ومناطق أخرى، لم يغير ما كان يجري في سوريا شيئًا من حياة سكان الحي. كان عدد أجهزة التلفاز فيه محدودًا وفي بعض المنازل فقط، وهي بالأساس مخصصة لمشاهدة المسلسلات التركية المدبلجة إلى اللغة العربية، حتى أن الأخبار التي كانت تأتي من غزة والعراق مثلًا، لم تفلح في إثارة تعاطف أو اهتمام أهالي الحي بالقضايا الإقليمية أو العالمية، ربما لأن الدمار الذي شاهدوه على بعض المحطات التلفزيونية متجذرٌ في قلوبهم، ومتوزعٌ بين حنايا حياتهم. أما الفقر الذي تظهره بعض القنوات عن اللاجئين العراقيين، كمشهد أطفال يقفون أمام خيمة بلباس قديم، فهو قد يبدو ترفًا بالنسبة لبعض أبناء الحي. لم يصور التلفاز لهم القهر كما يعرفونه في أي وقت من الأوقات.

يعود سكان الحيّ في جذورهم إلى قرى ريف حلب الشرقي، وبالذات قرى مدينة السفيرة وبلدات الذهبية وتل علم، وما دفعهم للهجرة من قراهم إلى المدينة هو الهروب من الفقر، علّه لا يلحق بهم إلى حيث سيذهبون، بالإضافة إلى معلومات كانت قد وصلتهم عن أن ثمة علاجات لبعض الأمراض، خلافاً للفكرة التي كانوا يتقبلونها، وهي أن معظم الأمراض لا علاج لها، وما على الوالدين سوى مراقبة طفلهما دون عناية حتى يموت.

كان الطريق من مركز مدينة حلب إلى قراهم يُقدّر بنحو 90 كيلومترًا، وقد ملّ سائقو الحافلات من تحمل عبء عائلة تحمل رجلاً مسنًّا من المستشفى إلى منزل لا يصل إليه طريق معبّد، وقد يبعد عن الطريق العام بين القرى بقدر المسافة التي تفصل الطريق العام عن الكراج. لا ذنب للسائق بتحمل عبء الطريق وتصليح سيارته في كل مرة، ولا ذنب للعائلة التي لا قدرة لها على تعبيد الطريق إلى قراهم المهجورة إلا منهم.

هكذا قرروا ترك منازلهم وأراضيهم ورسم هياكل منازل في أرض مشاع قرب حلب. تندّر أبو فادي قائلًا إن لا تجمعات سكنية ستبنى في هذه الأرض ولن يطردنا منها أحد، وهو كان قد استقى معلومته هذه من نظرية تعلّمها في أثناء خدمته بالجيش، تقول إنه لا أبنية حول القواعد العسكرية، ونظراً لقرب مركز اللواء 80 من هذه الأرض، قرروا ترسيم الأرض بحيث تأخذ كل عائلة حصتها بعدد أفرادها. قاموا ببناء “بيوتهم” بداية من أكياس الخيش، مرورًا بأخذ بعض أكياس الاسمنت والحجارة من المشاريع السكنية التي عملوا كعمال بناء فيها. وهكذا تشكل الحي الذي أطلقوا عليه اسم المالكية دون أي أساس أو قصة لتسمية مجموعة المنازل التي لم تُخدّم بالكهرباء بشكل طبيعي في أي وقت، وكلّما مدّ أحدهم (كابل) كهرباء طويل من الأحياء الأخرى، سرق منه الجيران وتعرض للضغط وانفجر وقتل بعض أهالي الحي الذين ممدود أكبال الكهرباء بأجسادهم أثناء إصابتهم بموجات التوتر العالي، أما الماء، فالصهاريج كانت تفي بالغرض، والمجاري الصحية تصبّ في جور فنية حفرها ورسمها الأهالي.

لذلك لم يغيّر ما كان يجري في سوريا على الحي شيئًا، وكأن أهله يعيشون خارج الزمن، ذلك حتى نهاية عام 2012، عندما انقطع أوتوستراد مطار حلب الدولي، وفّرق بينهم وبين الأحياء على الطرف الثاني للأوتوستراد.

عند بدء ظهور بوادر انقطاع الطريق، قرّر الأهالي أن يأخذوا بيوتهم ويسكنوا في الجهة الثانية من الطريق، فيما قرّر آخرون العودة إلى قلب الفقر الشديد الذي هربوا منه، فعادوا لقراهم التي هجروها منذ 50 عامًا.

 إذا ما انقطع الطريق، فإنه لا سوق ولا محلات ولا طعام ولا طريق للعمل.

بإرادتهم، وتخطيط أبو فادي- الرجل الذي تجاوز السبعين من عمره، حمل أفراد العائلات أمتعتهم وقطعوا الطريق ليستقروا في منازل سكنية حجرية تسمى السكن الشبابي. انتشروا بين الأبنية، وكانت لهم رفاهية اختيار الطابق والشقة: “ليها ناس بس عم نشوف الناس عم تهج ما نعرف ليش وبالأساس هي ما خلصت عمار لسعتها ع العظم والجلاب ما تسكن بيها… اسكنم من قلب ميت ووين ما بدكم نامم”. يقول أبو فادي لجمع الناس الذين نصبّوه، بسبب كثرة كلامه وتندره على الأحداث، مُيسرًا لشؤونهم.

بالنسبة للسكان، فإن الشقق التي سكنوا فيها ضربٌ من الرفاهية، وإن كان الكلب لا يرضى بالعيش فيها حسب كلام أبو فادي. وسواء رضي الكلب بالعيش فيها أم لم يرضَ، فهذا شأنه، أما هم فليسوا كلابًا بكل تأكيد لكن أبعد مكان سافروا إليه هو قراهم وورشات الشقق السكنية التي عملوا فيها كعمال بناء، وأجمل مكان شاهده معظم سكان الحي هو بهو مطار حلب الدولي وقاعة الانتظار، عندما يحين موعد استقبال الحجاج، إذ يتم فتح البوابة الرئيسية للمطار ولا يتم التدقيق كما في الإيام العادية للخارجين والداخلين إلى قاعة المطار. أما اختلاطهم مع باقي العالم، فكان مع تلك العوائل التي لا تنظف وراءها ولا تقدر النعمة، فيرمي أفرادها بقايا طعام يقدر سعره بعمل أسبوع لعامل من أبناء الحي، وهي العوائل التي كانت تأتي بالصيف للجلوس والسهر على طريق المطار حتى صباح اليوم التالي، فالسهر صفة قليل التربية بالنسبة لأبناء الحي، والإسراف يعني الكفر بنعمة الله، لذلك لم يبني سكان الحيّ أي علاقة متينة مع سكان هذا العالم، غير أن كل من يملك سيارة سوداء حديثة هو شخص سيء الخلق، كما أصحاب تلك المشاريع السكنية التي يعملون فيها من ساعات الصباح حتى مغيب الشمس، مع التعب والتوبيخ من قبل صاحب الورشة، الذي يصفهم بأنهم بقر وحيوانات عند الاستراحة لشرب الشاي، ولكن الصبر هو قرين لكسب لقمة العيش، واحتمال التوبيخ يعني إطعام أطفالهم.

تعايشوا مع الحياة الجديدة، وأخذ بعضهم يحسدون أنفسهم ولا يريدون للطريق أن يفتح كي لا يعودوا إلى البيوت التي كانوا يسكنون فيها. تركوا منازلهم بإرادتهم، ولا حنين للبيت السابق، فهم الآن يسكنون في بيوت طابقية، الطابق الثالث أو الرابع مثلًا، مع ابتسامة تشعرهم بالسعادة عندما يجلسون على الشرفات ويشربون الشاي والقهوة كما في المسلسلات.

بعد تبادل للمنازل وتغيير عشوائي لمنزل كل عائلة، استقرّ كلٌّ منهم في منزل، وذلك بعد إلحاح أبو فادي عليهم بالاستقرار وعدم تغيير المنزل لكي يعرف منزل فلان من فلان، إذ على الحوامل السكن بمنازل الطابق الأول. كانوا يذهبون لشراء حاجيتهم من “آخر الخط”، بداية طريق المطار من جهة حي طريق الباب، حيث يوجد سوق صغير.

ظلّ الأهالي في حياتهم ذات الطابع الروتيني، وراحوا يكتشفون باقي الشقق السكنية الفارغة، وبعد عطالة عن العمل لمدة زمنية، قرّر بعض رجال الحي استئناف بناء وطرش المنازل الفارغة. كانوا يقولون إنه إذا رفض أصحابها عندما يأتون دفع الأجر كاملًا لهم، فإنهم سيستملكون المنازل ولن يخرجوا منها. بدأ بعضهم بتنفيذ ذلك، والموضوع يفسره أبو فادي بأنهم “يريدون التسلية وتقطيع الوقت، وهم أطيب من ألا يخرجون من المنازل إذا عاد أصحابها”.

أثناء هذه الأحداث كانت تمرّ سيارات لرجال يحملون السلاح ويركبون سيارات غير عسكرية، وأشكالهم تبدو سوريّة، فهم ليسوا صهاينة ولا أجانب، وهذا ما حيّرَ أبو فادي الذي تخبّط في كيفية التعامل معهم. كانوا يسيرون بسيارتهم في الطريق الترابية الموازية لطريق المطار خلال ساعات محددة من اليوم، وأثناء عودة السيارات من جهة المطار، كانوا يضعون كراتين من الطعام الزائد في الزاوية التي اعتاد أبو فادي الجلوس فيها، ويطلبون منه أن يوزع الطعام على السكان.

يالله… سوريين؟!!! منو هذول؟؟!!

حتى الشهر الثاني من عام ٢٠١٣ يظنون أن ما يحدث بالمدينة شيئًا داخليًا لا يخصهم، فترة وتزول، تشبه تلك الفترات التي تنشغل فيها “الدولة” بالقضاء على بعض المجرمين، أما أصوات صدى الاشتباكات التي كانت تصل إلى أبنيتهم من محيط المطار، ما هي إلا ملاحقة الدولة لبعض تجار المخدرات واللصوص، كما يظنون.

لم يتغير الكثير عليهم، أخذت معالم القهر تسير ببطء إليهم وبدأوا العيش بالحالة التي لم يصورها لهم الإعلام حول ما كان يحدث في كل من العراق وغزة، فلم يعد لخراطيم المياه أي جدوى ، تم استبدالها بأوعية بلاستيكية وتم تحويل خرطوم الماء لحبل غسيل وأخذت الوجوه تميل للسواد وما يحدث بسوريا، وإن كانوا بعيدين عنه، ولكن رياحه المحملة بالبؤس والموت ألقت ببعضها عليهم.

لم تتطور علاقتهم مع ضيوفهم الجدد- “الجيش الحر” فلم يقتنع أبو فادي بهم، فكيف لرجال أن يركبوا سيارة من نوع “فان” سوداء أكل الرصاص منها ما أكل، تشبه مسنًا يبحث عن عمل تحت جسر المطار _ مطار النيرب_.  كيف لهم بناء دولة وأي دولة سينشؤون، إذ لا يرتدون اللباس العسكري ولا ينظفون أنفسهم ولا يوجد رتب على أكتافهم ويسكنون في مساكن المدنيين.

“قاعدين ببيوت الناس وتقولون عن حالكم جيش؟؟؟ روحم خذم اللواء 80 وحلقم دقونكم بعدها يمكن اقتنع بيكم … بصراحة هداك ما عمرلي قصر ولا أنتم رح تجيبون الكهربا”.  يقول أبو فادي بكلمات لا يفكر بها، أثناء التحدث مع سائق سيارة الفان التي مهمتها إطعام المقاتلين المرابطين ضد قوات النظام والمليشيات العراقية واللبنانية، بمعامل الحديد وصالات الأفراح على طرفي طريق المطار.

وبما أن أبو فادي لم يقتنع بفكرة الجيش الحر ولا بفكرة قتال الدولة، فلم يتقبل أهالي الحي أي أحد من الجيش الحر، وارتضوا أخذ الطعام منهم فقط.

مع ازدياد نسبة الفقر بالحي، بدأ سلوك أهله بالتغير، أخذوا يفكرون بطرق بديلة وإن كانت غير شرعية لكسب لقمة العيش، فلم يكن بقاموسهم السابق إلا العمل والرضا ولو بالحد الأدنى من المعيشة، وباتت شائعة الخواطر وصور الطرق البديلة لجني المال كبيع أسلاك الكهرباء وأسلاك شبكة الاتصالات الممتدة تحت الأرض أو في البيوت الفارغة وتلك التي هجرها سكانها.

مرض أبو فادي من كثرة التفكير وعدم إيجاد أجوبة للكثير من الأسئلة التي تدور في ذهنه عن قطع الطريق وتباعد الناس وتغيرها.

الفقر ليس حجة كافية لتغير السلوك والحاجة المادية ليست مبررًا كافيًا للسرقة، ما يحدث الآن في البلد شيء لا يشبه أي حدث سابق، يرد أبو فادي بالكلمات السابقة، على من يريد من رجال الحي التخفيف عنه والإجابة على بعض الأسئلة التي تراوده، والحجج التي تساق عن سبب التغير الذي حلّ ببعض سكان الحي ونسبته للفقر غير المعقول.

أخذ القصف وصوت الرصاص يتصاعد، ولم يعد كما كانوا يظنون أنه مجرد أصوات اشتباكات متقطعة أثناء مداهمة الدولة لمجرمين وتجار مخدرات، “عجب جم الإسرائيلية”!؟

قرر أبو فادي، أن يسأل سيارات عناصر الجيش الحر عمّا يحدث وسبب ازدياد عدد سياراتهم وسرعتها من وإلى المطار، ومن وإلى محيط اللواء ،80 مازحه أحد العناصر قائلًا: سمعنا أنك لا تحبنا إلا إذا سيطرنا على اللواء 80 وها نحن نعمل على ذلك.

أخبروه أن الأمور ليست على ما يرام وأن الأسد لا يريد التنازل عن السلطة، وأنهم يقاتلون لأجل تحرير المناطق، وأخذوا يسردون الكثير من الأحداث التي توقعها ولكنه كان يستبعدها من مخيلته.

دخل أبو فادي بحالة اكتئاب ولم يعد الأهالي يفسرون تصرفاته غير المنتظمة، فقد يدخل إلى منزل أحدهم باليوم أكثر من مرة ،وأسئلته باتت متكررة وأصبح ملولًا ونزقًا ويزعجه صوت الأطفال إذا ما لعبوا في الساحة، وفي الليل يطلب ويعيد الطلب من الأهالي أن يأخذوا حذرهم.

أبو فادي رجل لا يخلع معطفه الجلدي بني اللون، لا ينفض الغبار العالق في كمه المثني عدة ثنيات لطوله. عدسات نظاراته كبرت وعيناه صغرت وبيده مصباح يحمله بالنهار والليل، لا يأكل كثيرًا، ولا أحد يستطيع أن يحسم إذا ما أبو فادي نائم الأن أو مستيقظ، عيونه الصغيرة ونظاراته التي لا ينزعها لا تكشف إن كان نائمًا أو لا.

بعد إلحاح الكثير من الأهالي عليه ألا يفكر كثيراً وأن ينام وأن يستحم وألّا يخرج من المنزل وأن يرتاح ولو لعدة أيام قليلة، وافق على عرضهم، استحم ونفض الغبار العالق في كم المعطف، وبدّل قميصه الداخلي الذي كان بعضه قد التصق بجلده، ونام بعد أن وضع النظارات والمصباح بالقرب منه.

استيقظ بعد نوم طويل قد يقدر بساعة فقط، ولم يجد حوله، لا النظارات ولا حتى المصباح، بدأ بالصراخ وشتم كل رجال الحي ومع ازدياد وتيرة السب والصراخ، وجدوا نظاراته مرمية عند مدخل أحد الأبنية أمّا المصباح فلم يجدوه على الإطلاق. أخذ يشتم كل من يجده أمامه، أقر أنه في هذه الأيام التي يمرون بها لا يوجد أمان ولم تعد الناس تحب بعضها البعض ومن يسرق نظارة رجل مسن ليس من الصعب عليه قتل رجل بعمره.

أصبح أبو فادي يخرج من بيته في ساعات الصباح ينظر حول الأبنية وباتجاه الطريق ومن ثم يعود إلى منزله، مستقلياً على فراشه.

قرر بعد عدة أيام الذهاب إلى منزله الأصلي، لجلب المصباح الفضي اللون القديم، والذي كان قد اشتراه في شبابه، عاقدًا العزم في حال وجده، أن يربطه بعنقه لكيلا يُسرق منه، أصرّ على الذهاب وكان قد شاهده مقاتلو الجيش الحر أثناء محاولته السير لقطع الطريق نحو منزله القديم، أخبروه أن الطريق لم يعد آمنًا كما قبل وأن ثمة العديد من زملائهم ممن قضوا برصاص قناص المطار.

لم يعجب كلام المقاتلين أبو فادي، شكرهم وأكمل طريقه، حذروه من القناص، أخبرهم أن القناص قتل أصدقاءكم، أي أعداء الدولة والخارجين عليها، وأما أنا فلا حاجة له عندي، يظنّ أن القناص يقرأ ما يدور برأس الضحية وما يحمله من أفكار، حذروه مرة أخرى، لينفجر عليهم بكلام متخبط كمن يتحدث بالسياسة لأول مرة، قال لهم بحرقة، كلامًا لا يرضي معارضي بشار الأسد ولا مؤيديه، أخبرهم أن هذا الرئيس الولد لا يستطيع الحكم ولو كان حافظ الأسد في الحكم لما حدث ما حدث ولما طال أمد المشاكل التي يمر بها البلد!

مضى نحو الجهة الثانية من الطريق، ليجد العشب على جنبيه قد طال، فيما الشارع خال من أصحاب البذخ والسيارات السوداء، أثناء خطواته الأولى على الطريق أكلت رصاصة القناص رأسه، وارتمى على الأرض، هرع إليه بعض رجال الحي ومقاتلي الجيش الحر، حاولوا سحب جثته لكن دون جدوى، ولا حتى محاولتهم بمد سيخ حديدي طويل، فالقناص وجد شيء يتسلى به بعد طول انتظار، ولربما قد قتل أبو فادي، لأنه لا يريد بشار الأسد بالحكم وإنما يريد لحافظ الأسد أن يعود لاستلام زمام الأمور.

                             ———————-

إن كذبت، سأعيش.

يعتبر البعض أنه من المعيب أن تتجاوز مدة الخطوبة بين شاب وفتاة أكثر من شهر، فقد يُنقص ذلك من قيمة الفتاة في المجتمع، فإذا ما لم ينجح الزواج تصبح “فاسدة وغير مرغوب بها” بين النساء اللواتي يبحثن عن زوجات لأولادهن.

حتى ما يتحدث به الشرع الإسلامي، حول الرؤية الشرعية بين الشاب والفتاة، قد لا يتم تطبيقه، منهم من لا يرى زوجته إلا أثناء السير أمامه وهي ذاهبة إلى منزل عمتها أو ما شابه، يحدث ذلك حيث تسير  الفتاة بالقرب من إحدى النساء. وحتى في اليوم الأول من الزواج، لا نعدم ظل وهمس جمع من أهالي العريس والعروس، خارج منزل الزوجية الجديد، ينتظرون شهادة الشرف الممهورة بدم غشاء بكارة الأنثى، لكي تعلقها أم العروس على باب دارهم أو تحاول إظهارها كي تثبت أن “تربيتها ليست كأي تربية” وهذا ما يزيد رصيد بناتها الأخريات.

 لكن دائما ما يسأل البعض، كيف لمن يزوج بنته  بسن 13 عامًا ألا يضمن هذه الشهادة ويفتخر بها تحت قاعدة: خلي يكبروا مع بعض أو يكَبروا بعض.

يتم إتمام الزيجات وتتغرب الفتاة وزوجها اليافع، الذي قد لا يتجاوز سنّه ١٦ عامأ، عن طفولتهما، وفي بعض الحالات، قد تتم الزيجات بهدف تسديد دين مالي على والد الفتاة.

ومع إتمام الزيجة في القرية، ينتقل الزوجان الشابان إلى مدينة، كي يباشروا حياتهم العملية،  الزوج في مجال البناء على الأغلب والزوجة في مجال حصاد الأراضي.

كانت إسراء في بداية عملها مع قسم من نساء الحي، تبدي عملًا رائعًا وبجهد أقل، أفضل بكثير من نظيراتها، فهن ينحنين لزرع أو حصاد الموسم وكل عدة دقائق يقفن ويضعن أيديهن على ظهورهن لجمع قواهن ومن ثم العودة إلى العمل ومع كل استقامة، كان الدم كأنه لأول مرة يسري بالجسد، أما إسراء فكانت لا تقف وتبقى منحنية، وكل عدة دقائق تجلس تاركة ظهرها على انحنائه، ومن ثم تستأنف عملها وإذا ما انتهت من الخط المخصص لها والذي يبلغ طوله كيلومترًا واحدًا، كانت تستغل بعد المسافة التي تفصلها عن الأخريات، لتستقلي على الأرض وتمد قدميها بالجهة المعاكسة لسير النساء الأخريات كي لا يتهمنها بقلة الحياء والمروءة.

كانت تٌنهي خطها يومياً قبل بقية النسوة وتساعد بعضهن، وقبيل الغروب يركبن سيارة نقل كبيرة ويتلاصقن بعضهن ببعض لكي تتمكن مسنة معهن من الجلوس على أرض السيارة، ومن ثم يعدن للمنزل لتحضير الغداء لأزواجهن القادمين من العمل من بناء المنازل والوحدات السكنية في ضواحي حلب.

تبلغ ساعات العمل في مثل هذه الأنواع من الأشغال اثنتي عشرة ساعة تقريبًا، عدا ساعات الطريق من وإلى المنزل، ويوم الجمعة يعمل البعض كدوام إضافي لكي يتسنى له توفير سعر غسالة أو تلفاز ، لذلك تجد أعمار أهالي الحي لا تتناسب مع مظاهرهم، وقد يظهر أحدهم كأربعيني بينما هو بالكاد أنهى عشرينياته، وبشرة يده لا تختلف كثيرًا عن عامود الكهرباء الخشبي.

لا يوجد أي شيء مميز في حياة كل من إسراء وعبد الله، لا يختلفون في مظهرهم عن بقية سكان الحي، وكما ينشغل الأهالي بتحصيل لقمة عيشهم، تكرس إسراء و زوجها جل وقتهم لهذه الغاية، وبعد إنجابها للمولود الأول لم تبتعد عن العمل كثيراً، واقتصرت إجازة الأمومة على عشرة أيام، أولها هو يوم الولادة الذي تسعف فيه الأم الحامل إلى المستشفى إذ لا تقدم النساء الأخريات المساعدة لها، لأن ذلك يشغلهن عن أعمالهن ويقلل بالتالي من أجورهن، وتنتهي الإجازة بعد عشرة أيام كحد أقصى، أما المولود فيتم تركه عند مسنة عاجزة أنجبت من الذكور والإناث ما يكفي لمعيشتها دون عمل.

عندما انقطع الطريق، كانت إسراء وزوجها مع جمع الناس الذين ساروا خلف أبو فادي إلى الجهة المقابلة، وأخذوا منزلًا كباقي الأهالي، كانت إسراء تشعر بضيق النفس بهذه الأبنية التي تٌشبهها بالصندوق السحري (لعبة بلاستيكية قديمة متوفرة في سوريا تشبه تابوت الأموات).

كانت تشعر بالغثيان وتخشى السقوط من الطابق الرابع، مما دفعها لتغيير السكن من الطابق الرابع إلى الأول من البناء نفسه مما سبب لها ولزوجها توبيخًا من أبو فادي.

مع التغير الذي طرأ على الحي وسلوكيات الأهالي والفقر الذي بدأ يجتاح البلاد، وكان للأهالي منه نصيب بالطبع، تخبّطت قرارات عبد الله زوج إسراء، تارةً يريد الالتحاق بفصائل الجيش الحر كمصدر عيش، وتارةً يريد السفر إلى تركيا لاستئناف مهنته كعامل بناء.

أقلقت فكرة السفر إلى تركيا إسراء، ومع تغير سلوك الناس وعاداتهم، خشيت أن يلحقها الضرر من الرجال في حال بقيت وحيدة.

نعم، كانت إسراء تخاف على نفسها من أعين الرجال، أولئك الذين قتلت البطالة شهامتهم وطيبة قلبهم، وقضى فراغ الوقت على كل ما هو جميل بإنسانيتهم، وولّد الفراغ فيهم نظرات الريبة وامتهان الكذب وخفة اليد وأعينّا محدقة تلتهم أجساد النساء العابرات أمامهم، فيما كانت نسوة القرية في زمن مضى يتبادلن التحايا مع رجالها وبتن اليوم يسرعن ويخطفن أرجلهن إذا ما أردنا الانتقال من نقطة إلى أخرى أو القيام بزيارة قريبة.

تَذكرت إسراء قصة الشابة ذات الأعوام التسعة عشر، التي ذيع عنها أنها “خُطفت بأخر الليل” أثناء عملها في أحد معامل البلاستيك بأطراف مدينة حلب، حيث وجدت بعض نساء الحي المعامل أفضل من حصاد الأراضي الزراعية، وعندما استأذنت الشابة لمقابلة مدير المعمل بهدف طلب استلاف مبلغ هو ثروة بالنسبة لها وتافه بالنسبة لصاحب المعمل، مبدية استعدادها لفعل أي شيء مقابل سداد السلفة التي تريدها لمساعدة زوجها من أجل ترميم منزلهم. مدير المعمل فهم من عبارة “فعل أي شيء” استعدادها لممارسة الجنس معه بدلًا من المعنى الحقيقي لعبارة الزوجة الشابة وهو الوثوق بها للإيفاء بدينها وعدم التهرب من التزامها. وهكذا حاول المدير استمالة العاملة، التي لم يخطر لها أبدًا أن رجلًا متزوجًا ورب أسرة ثري يملك معملًا و”ابن نعمة” قد يضمر لها كل هذا الشر. سمعت منه كلمات متقطعة حول إعجابه بها أثناء مشاهدتها وغيرها من العاملات من خلال كاميرا تم وضعها في غرفة تبديل الملابس.

وبما أن ما حدث معها مناف لفطرتها ومبادئها لم تستطع تقبله، أخذت تتحدث بانزعاج حول ما حصل لزميلاتها في المعمل، لم تكن تعلم أن الجوع قد يهرس كرامة الإنسان، وعلى الرغم من علامات أسلاك الكاميرا بالقرب من سلك إنارة غرفة تبديل الملابس وآثارها الواضحة على الحائط، إلا أن العاملات كذّبن عيونهن وصدّقن رواية صاحب المعمل، وخسرت العاملة عملها وفيما بعد زوجها، إذ لا يخفى شيء على أهالي الحي، فلا هي تستطيع العودة إلى أهلها الذين رفضوا “العار” ولا زوجها وافق على مواصلة العيش معها بالرغم أنها كانت ضحية محاولتها مساعدته. غادرت الحي وقطعت الطريق ولا أحد يعلم حتى اللحظة أين هي!

 اكتفت نسوة المعمل بالحديث عن الحقيقة سرًا فيما بينهن خشية تعرضهن للطرد، وبتن يرتدين لباس العمل قبل خروجهن من المنزل ولا يبدلنه حتى العودة، وهنّ يعرفن أنه لن يكون من السهل عليهن إيجاد عمل بديل يوفر لهن نحو أربع دولارت أسبوعية مقابل العمل لستة أيام في الأسبوع ولاثنتي عشرة ساعة.

ظلت صور هذه المرأة تراود وذهن إسراء طوال الليل قبيل سفر زوجها فلا درب يقودها إلى أهلها حتى وإن طردوها، ولا طريق تقطعه خوفًا من العار إذا ما لحقها من خلال عيون أهالي الحي، فالطريق بات مرصودًا برصاص القناص، ولا زالت عيون جثة أبو فادي تحدق بأهالي الحي من بعيد.

طلبت من زوجها السفر قبيل شروق الشمس، على ألّا يخبر أحدًا عن وجهته، ومشترطة كذلك أن يزورهم وألّا ينساهم كما حدث مع غيرها من نساء الحي، ليرد عليها في حال لم “تَلقط” شبكة الاتصالات معكم ستة شهور، سأعود بكل الأحوال، بينما أخذت تشيع بين نساء وأهالي الحي أن زوجها انتسب إلى “جبهة النصرة” وبات يعمل معهم قرب مطار كويرس وسلموه سلاحًا أطول من “زلمة”.

تَتَقصد رفع صوتها أثناء مخاطبتها أحد أطفالها أمام بعض رجال الحي من أصحاب الصيت السيء: “بس تكبر تصير متل أبوك جبهة نصرة يا سبعي”، تتناقل نسوة الحي أحاديث عن هؤلاء الرجال الذين ما إن تدخل منزلهم امرأة لا يغادرونه ولا يتركون الجلسة حتى وإن كانت تشتمل على أحاديث “نسائية”، هذا عدا عن تحديقهم الدائم في النساء ونظراتهم الوقحة إلى أثدائهن وأجسامهن، فيما توقفت بعض نساء الحي عن زيارة بعضهن البعض نتيجة نظرات الأزواج الوقحة إلى الزائرات.

كان الجوع والفقر قبل قطع الطريق منتظمًا وذا إيقاع مألوف، ودائمًا كان ثمة ما يسد الرمق ويكفي حاجة أي عائلة، أما اليوم ومع استمرار أصوات القصف ومشهد القنابل المضيئة التي ترميها الدولة في السماء لتضيء محيط المطار ويراقبها الأطفال بابتهاج لرؤية شيء جميل يشبه سلسلة الإنارة التي كانت ممتدة على طول الطريق قبل انقطاعه، فإن الفقر بدأ يأخذ طابعًا آخر. ومع تبدل سلوك مجتمع القرية الصغير، أخذ الفقر طابع القهر وغاب التكاتف المعتاد بين أفراد هذا المجتمع، مما دفع بهم إلى الطلب من سيارات الجيش الحر زيادة كمية الطعام أو إيجاد حل آخر فلا طاقة لهم على هذا الفقر المدقع، وبعد أيام أتى عاملون في جمعيات إغاثية مع سيارات الجيش الحر، ليجلبوا لهم لاحقًا  حصصًا إغاثية وأغطية وسلّات مساعدات يوجد عليها أعلام عدة دول بغياب كامل لعلم “الدولة” مما سرب شعورًا بين الأهالي أن ما يحدث في هذه الدنيا ليس أمرًا طبيعيًا، فأين نحن؟

بدأ سكان القرية الصغيرة باستخدام الأغطية لحجب النوافذ وإخفاء ما يحدث داخل المنازل بعد اقتصار إغلاق النوافذ سابقًا على فصل الشتاء فقط، والآن بات كل رب عائلة يسدّ نوافذ منزله خوفًا من هواجس يتخيلها ويشاركها مع رجال الحي الآخرين!

حاول بعض أهالي الحي التقارب مجددًا متذكرين زمن علاقاتهم الحسنة الغابر ووصايا أبو فادي:

“عينك تشوفنا يا أبو فادي بعد ما متت طِعناك وسمعنا كلمتك”.

ليرد آخر: “هو شايفنا بس ما يقدر يجي الله يهدي الي سرقله النظارات والبيل أحسن شي … الله يرحمك”.

الأبنية الإسمنتية وإن كانت مدعومة البناء ولا تؤثر بها الرياح كما الخيم، إلا أنه لا أمان هنا، مما دفع إسراء، للعيش مع عائلة أخرى ذهب معيلها إلى تركيا كذلك. لكي تدافع عن كذبتها أشاعت أن زوجها كلّمها، وأنه تأخر قليلًا بسبب المعارك إلا أنه سيعود بعد أيام، وما انتقالها للعيش مع هذه العائلة إلا بهدف قضاء الوقت.

تحاول صباح كل يوم الاتصال بزوجها وهي لا تعرف رقمه! تصعد على أسطح الأبنية الإسمنتية راجية أن تكون إشارة التغطية أقوى على أمل استقبال مكالمة من رقم مجهول يعود لزوجها. لكن لا فائدة.

خطرت على بالها فكرة الاقتراب من برج للتغطية على أمل الحصول على إشارة أقوى لشبكة الاتصالات ومن ثم الأتصال بأيّ من أشقائها، فالاطمئنان على الأهل قد يخفف الجوع، وقد تطلب من أخيها أن يعثر على طريقة ليتحدث مع زوجها ويطلب منه العودة، فالجوع مع الزوج بالنسبة لها أفضل من الشبع لوحدها وكلا الأمرين لم يتحقق.

تأكدت من نوم أطفالها ومشت حتى وصلت البرج، إلا أن رحلتها هذه ذهبت سدىً. ما بقي أنقاض سور البرج والعلامة التجارية الحمراء، أما البرج نفسه فاختفى حيث تعرض للسرقة والتفكيك. أشاعت لدى عودتها أن “جبهة النصرة” تقتحم مطار كويرس كما أخبرها زوجها وأنه حال السيطرة على المطار سيعود لعائلته بينما سيرسل لهم بعض المال في أقرب وقت.

 لم تكن السلل الإغاثية التي تصل إلى هذا التجمع السكاني الصغير كافية لأفراده، هذا عدا عن غياب التكافئ بالحصص، فالسمن على سبيل المثال لا يكفي لطبخ الرز في الحصة نفسها، عدا عن قلة المعلبات وانعدام الغاز أساسًا لطبخ الرز أو غيره.

تجتمع عدة عائلات على طبخة رز واحدة عبر إشعال نار مشتركة، وقودها أشجار الزيتون “بكرم مستت” الذي يرصد القناص قسمًا منه ولا يرصد القسم الآخر المسَور على طرف الطريق.

قررت إسراء وهي ترتجف “سرقة” المنازل التي هجرها سكانها في الأبنية التي تم تجهيزها قبل انقطاع الطريق وسكنها أهلها دون أن يفرحوا بها. عزمت الأم الشابة البحث عن جرة غاز للطبخ في هذه المنازل المهجورة، دون أن تعثر على شيء باستثناء لوح صابون غار وعلبة بيبسي يوجد فيها قليل من المازوت. حمّمت إسراء أطفالها وأطفال العائلة التي تعيش معها، وغسلت ثيابهم بالماء الساخن، قالت لنفسها إنه دين برقبتها وعندما يعود زوجها ستعيد ما استعارته من المنزل إذ حفظت مكانه ولن تنسى مكانه أبدًا.

لم تملك إسراء أي خيار، كان الجوع يدفعها إلى الاستسلام، ولا قدرة لها بالمقابل على الذهاب الى إحياء الحلوانية وطريق الباب للبحث عن عمل، ولا هي تملك المال لبلوغ هذه الأحياء، وفوق ذلك كان الخروج من الحي يعني أن المرأة عابت وحادت عن شرفها، تعيد التفكير بالذهاب للبحث في المنازل المهجورة عن أي شيء وتتذكر أنها تنقيبها في تلك البيوت لم ينتج سوى عن لوح صابون وقليل من المازوت.

لا تعرف ماذا تفعل بالزيت النباتي المتبقي من السلل الإغاثية، فلا أحد بقي لديه رز أو معلبات للمقايضة، وطوال مدة انقطاع الطريق وحتى اللحظة لم تأت الدولة لتسقي وتنظف الطريق أو تقلم الأشجار، فبات طول نبته “الشفلح” يماثل قامة صبي بالتاسعة من عمره، مسحت وجه طفليها بكمها وخوفًا من مصير أبو فادي أخذت معها طفليها علّ القناص يرأف بحالها إذا ما شاهدها تقطف حاجتها من نبتة “الشفلح”  وتعود إلى المنزل لغلي القليل منه مع الزيت النباتي. سارت مع فجر اليوم التالي نحو الطريق ومعها طفليها لإطعامهم وقطف “الشفلح”، ومع تخطيها السور كانت رصاصة القناص أسرع إليها وإلى أولادها.

الأهالي الذين راكموا خبرة التفريق بين مختلف أصوات الأسلحة أدركوا أن القناص استهدف أحدهم، فهرعوا إلى الطريق ليشاهدوا إسراء وأولادها على الرصيف بالقرب من معطف وبقايا أبو فادي..

***

بعض سكان الحي الذين التقيت بهم بريف حلب وآخرين تواصلت معهم عن طريق الانترنت، أكدّوا لي أن بعض الأهالي ادعوا أنهم سيحاولون قطع الطريق ولكن نيتهم الأساسية كانت الانتحار بسبب الفقر، إذ لا يحمل أي من أبناء الحي أي توجه سياسي أو ميول لجهة من الجهات التي كانت تخوض المعارك فيما بينها، وما انضمام البعض لفصائل الجيش الحر أو جبهة النصرة أو اللجان الشعبية التابعة للنظام فيما بعد إلا بدافع الفقر.

 قامت قوات النظام السوري بتأهيل الشارع العام بعد سيطرتها على أحياء شرق حلب أواخر عام 2016، وتم تعبيد الطريق فوق ما تبقى من جثث الضحايا وحرق نباتات “الشفلح” وتزيين الطريق بالأشجار وإنارته من قبل منظمة مدعومة من الأمم المتحدة، وافتتحه في الشهر الرابع من العام الماضي محافظ حلب أمام وفود أجنبية أتت لمباركة “دحر الإرهاب من حلب”، ليبقى رماد جثث الضحايا يحوم على الطريق، عله يجد من يواريه أو ينتقم من قتلتهم، وقد تزور هذه الأرواح أحلام بعضنا كي لا ننساها.

نبذة عن الكاتب

خليفة الخضر

مواطن صحفي مقيم في الشمال السوري

Loading Facebook Comments ...