لكنه إرهابي أبيض!!

المقال المقروء:

– – – –

مع عمليات القتل العام العشوائي الأخيرة في الولايات المُتحدة، في عدد من الملاهي والمدارس، وحتى في كنيس اليهودي، ارتفع العديد من الأصوات التي تُركز على هويات هؤلاء المُجرمين الذين يُقدمون على ارتكاب مثل هذه الأفعال الشنيعة، تُركز بالذات على دياناتهم، التي لم تكن إسلامية، وعلى لون بشرتهم البيضاء، وطبعاً على جنسياتهم وخلفياتهم الثقافية والاجتماعية والمناطقية، باعتبارهم ينتمون إلى الثقافة والمُجتمعات الغربية، وذوو تحصيل علمي ومعرفي معقول، وكونهم جزء مما يُمكن تسميته بـ”العالم الحديث”.

كانت هذه الأصوات تُريد أن تقول وتوضح شيئيين رئيسيين، تستشعرهُما مُستقرين في باطن الوعي الثقافي والسياسي للمُجتمعات الغربية، تجاه سُكان وثقافة وخيارات منطقتنا.

تذهب المقولة الأولى للقول بأن العُنف والإرهاب ليس له هوية مُحددة، وأن الإرهابيين يُمكن أن ينحدروا وينتموا إلى جميع الثقافات والجُغرافيات والخيارات السياسية. بمعنى أوضح، يسعون للقول بأن نزعة لصق الإرهاب بُسكان وهوية منطقتنا من قِبل الحيز الأوسع من الثقافة والنُخب السياسية الغربية أنما ليست شيئاً موضوعياً، ورُبما ليست بريئة، بل أقرب من تكون بمثابة أتهام دون دلالة مُطلقة، يُقصد منها الإساءة والحط من المكانة. حيث أن نفس المستوى من الاستدلال لا يطال المُجرمين والإرهابيين الذين ينتمون وينفرزون عن جُغرافيات وثقافات الغرب نفسها.

المقولة الثانية تخص مستوى وشكل تعامل وسائل الإعلام وقادة الرأي والفعل العام في الدول والمؤسسات الغربية في تميزها الدائم بين مستوى التعامل مع الأحداث المُتشابهة، فيما لو كان الفاعلون لا ينتمون لنفس الأرومة. فإذا كان الفاعل مُسلماً أو أسوداً أو مُنحدراً من منطقتنا، فأن مجموع هؤلاء الفاعلين في المتن العام الغربي أنما يُصعدون من مستوى الحساسية والتحذير تجاهها، والعكس تماماً يحدث فيما لو كان الفاعل من نفس الأرومة الغربية، بحيث يجري شبه تكتم حولها، وتُقدم كافة المُبررات والأعذار لهضمها وعدم تضخيمها خارج فضائها الجنائي.

ضمن هذا السياق، فأن هذه النزعة تميل للدفاع عن ركيزتين في ثقافتنا السياسية والتأريخية. تقوم الأولى على اعتبارنا أمة وجماعة مُستهدفة من قِبل الجماعة والأمة الغربية المركزية، التي تستميت في سبيل تشويه سُمعتنا وخلق الأعذار لهضمنها والهيمنة علينا. فالغربيون لا يفعلون ما يفعلونه خارج “مؤامرة” ما يحيكونها ضد صورة وهوية مُجتمعاتنا، ولا يتصرفون ببراءة في آليات تناولهم لهذه القضايا الحساسة.

الركيزة الثانية تسعى للقول بأن الإرهابيين والأشرار ليسوا جزء من مُجتمعاتنا وثقافتها وتاريخها، وأنهم بمعنى ما أولاً شواذ عن القاعدة العامة والموضوعية لثقافة منطقتنا. كذلك فأنهم ليسوا خاصتنا وهويتنا، بل هُم أناس ذو خصائص موضوعية ذاتية مُحددة، يُمكن أن يتوفروا وينبتوا في كُل المُجتمعات والجُغرافيات.

لكن جميع تلك الحُجج الموضوعية، التي تُقدمها هذه النزعة، لا يُمكن لها أن تخرجها عن إطار العدمية الثقافية والسياسية التي تُحيط بها، العدمية التي تقول بأن الأفعال والأشياء والظروف غير المُتطابقة أنما هي واحدة ومتناسخة عن بعضها، فقط لأنه ثمة شيء ما مُشترك فيما بينها.

فمثلاً لأن هذه الأفعال أنما كُلها أفعال عنيفة وإجرامية، فأن هذه النزعة تعتبرها أفعالاً إرهابية، متناسية، بقصد، الفرق الواضح بين العُنف الجنائي الذي يُمكن أن يُقدم عليه شاب مخمور أو يافعٌ متهور في مدرسة ما أو شخص مُصابٌ بمسٍ نفسي، وبين إرهابي يعرف تماماً ما يسعى إليه، ويملك ترسانة ضخمة من الإيديولوجيات السياسية والثقافية التي تُحرضه على ممارسة هذه العُنف، الذي يطلب من ورائها الكثير من المطالب والمساعي السياسية.

كذلك فأن هذه النزعة لا تسعى لأن تفهم الفرق بين أن يكون فعل العُنف مُنظماً بين كُتلة من البشر وتنظيماتهم، وبين أن يكون فردانياً وخاصاً، حيث أن الفرق بين الأمرين يدفع مباشرة للتفكير في الفضاء العام السياسي والحياتي الذي يميز الثقافة العميقة لكلا الحالتين. إذ لا يُمكن لأي عاقل أن يدعي بأن عالم المُسلمين، وبالذات الذين يعيشون في ظلال أنظمة قمعية وظروف حياتية بالغة المرارة، أنما مُحملة بكمٍ هائل من الدوافع والمشاعر المريرة التي لا تحمل الود للثقافة والمُجتمعات الغربية، التي تراها عدوة ومُتسببة بما يعيشه الناس في مُجتمعاتنا من بؤس.

أخيراً، فأن هذه النزعة تنسى عن قصد الفرق الهائل بين أن يستهدف شخص ما مُجتمعاً في لحظة جنون ورُبما مرض أو عبث مُطلق تجاه فكرة الحياة نفسها، وبين إرهابي يستهدف مجموعة من الناس يراهم أعداء يلوثون الإرادة المُقدسة العُليا. ففي الحالة الأولى ثمة إجرام واضح المعالم، أما في الثانية فأن ثمة الكثير من الجدية والرؤية غير العبثية، بالنسبة للإرهابي طبعاً.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...