“الماكينة” التي ابتلعت صانعها!

لطالما تباهى جمال خاشقجي بـ “الماكينة” الإعلامية السعودية، بل هو من أطلق عليها هذه التسمية. وكان واحدًا من أوائل وأبرز العاملين في تلك “الماكينة” وأحد ألمع واجهاتها عندما يتطلب الأمر عرضا عقلانيًا هادئًا ومقنعًا، إلى حد ما، لوجهة نظر النظام الحاكم في السعودية في أي شأن من الشؤون.

اليوم يمضي أكثر من شهر على جريمة قتل الإعلامي السعودي بعد اختفاءٍ في “غياهب” قنصلية بلاده، في استانبول، التي دخلها طالبًا لوثيقة شخصية ولم يخرج منها، حتى جثة، إلى الآن! وخلال هذه الفترة كلها لم تفعل “ماكينته” شيئا سوى الإمعان في تغييب الرجل وكأنّه كان نسيًا منسيا!

في بداية الأزمة، لم تكتف وسائل إعلامية سعودية أو ممولة سعوديًا، يفترض أنها كبرى وذات تأثير وحضور هائلين في المحيط العربي، لم تكتف بالتعامل مع الموضوع بالبرود والتجاهل على افتراض أن القضية لن تلبث أن تحل بإغلاق الملف بأكمله، كما كان التوقع في الأيام الأولى؛ بل إن الموضوع، ومع التفاعل الدولي الكبير جدًا مع ما حصل وتوسع دائرة الاهتمام والضغط اللذين باشرا بالتأثير على مراكز القرار التي يخشاها فعلًا الحكم السعودي، لم يلبث أن تحول إلى هجوم وتجريح شخصيين للرجل الذي كان قبل بضعة أشهر فقط زميلًا، بل ومديرًا وأيضًا أستاذًا، للكثيرين من العاملين في هذا الإعلام! هذا الجحود وضع الجميع، عاملين مع الإعلام السعودي أو الممول سعوديًا، أو متابعين له، أمام سؤال لا بد من الوقوف أمامه والإجابة عليه: هل وصل الانحطاط بالبعض، وكبشر قبل أي شيء آخر، ليفقدوا حتى أدنى إحساس بكرامتهم ويمضوا أمام ما شهدناه جميعًا، وما نزال نشهده حتى اللحظة، من جحود وإنكار تجاه ما ارتُكب من بشاعة في وضح النهار، وكأن شيئًا لم يحدث؟!

هذا السطور ليست معنية بتقديم دليل، بوليسي، على ما حدث في “غياهب” قنصلية السعودية في استانبول، إنها ببساطة تحاكم، ومن موقع المتابع والمتلقي بالدرجة الأولى، موقف الإعلام السعودي، والممول سعوديًا، والعربي بعمومه تجاه تلك الجريمة التي بات الالتفاف عليها شكلًا من أشكال الانحطاط بالإعلام من سلطة رابعة، كما كان يفترض أن تكون ولو نظريًا، إلى مستوى أدنى حتى من عنصر أمن رخيص مهمته إخماد أي شكل من أشكال الاحتجاج على سياسات وأفعال السيد المطاع.

الإعلاميون لا يستطيعون القيام بفعل الإسكات، لا يمتلكون هذه السلطة وليست لديهم الأدوات لهذا، هم وعند قيامهم بما يشبه عمل رجل الأمن أعلاه لا يستطيعون فعل إلا شيء واحد فقط: العواء للتشويش على أصوات الاحتجاج ضد سياسات وأفعال السيد المطاع. ما فعله الإعلام السعودي والممول سعوديًا تجاه الجريمة التي حصلت بحق الخاشقجي، وبعد مرحلة الإنكار الأولية، لم يكن إلا عواءً للتشويش على أصوات الاحتجاج وعلى سمعة الضحية في آن.

هذه السطور معنية بمساءلة الجميع، أفرادًا قبل أن يكونوا مؤسسات، عن أصواتهم التي غابت تجاه جريمة ارتكبت بحقهم جميعًا، وبحق كراماتهم كإعلاميين وبشر. باستثناء صوت واحد نبيل لم يكن سعوديًا حتى، لم تلبث أن لحقته بضعة أصوات فقط وعلى استحياء وبعد انكشاف الجريمة بالكامل، لم نسمع كلمة احتجاج أو مطالبة، مشروعة، بالكشف عن مصير الرجل، من قبل جميع العاملين مع تلك “الماكينة” التي يبدو أنها ابتلعتهم قبل أن تبتلع الخاشقجي الذي كان أحد أبرز صناعها!

من عادة السوريين عند وصفهم لأوضاعهم المعيشية، في سوريا الأسد، أن يستخدموا عبارة شاعت على ألسنة الجميع: لقمة مغمسة بالدم. الحياة في تلك البلاد كانت مصيدة بمعنى الكلمة حولت أرواح البشر إلى رهائن وعبيد لأدنى متطلبات الحياة بحيث كاد شعب بأكمله أن يضيع هناك لولا ثورة سعى الجميع لإخمادها، ومن بينهم أولئك المتّهمون بتغييب جمال خاشقجي. المؤسف أن الحال في القطاع الإعلامي المدعوم خليجيًا، وغير المدعوم سعوديًا فحسب، لا يختلف كثيرًا عن حال السوريين في مصيدة آل الأسد. ولم تكن حادثة جمال خاشقجي هي الحادثة الوحيدة التي أشارت إلى أن امتهان كرامات الناس وليّ أذرعتهم، وتجيير أقلامهم وبطريقة في غاية البشاعة، هو الطريقة الرئيسية المتبعة مع جميع من يريدون العمل في هذا القطاع مقابل الأمان أو لقمة العيش. الآلية التي اتبعت في تثبيت أنس أزرق كمدير لتلفزيون “سوريا” كانت حرفيا كذلك، وتحديدًا فيما يتعلق بلقمة العيش. الفارق بين الطريقة القطرية والسعودية هو أن النظام السعودي بات يقتل المحتجين، النظام القطري يتركهم وحدهم يموتون من الجوع أو على قارعة الطريق وبدون عمل، إن لم يرضخوا لشروطه، في قطاع بات محتكرًا بشكل كامل تقريبًا لصالح مشيخات الخليج! وهذا حال فيه من الذل والضعة ما يجعل المتابع لهكذا إعلام يتوقف قليلا متسائلًا، ليس عن جدوى المتابعة فحسب، بل أيضًا فيما إذا كان فعل المتابعة لهكذا إعلام فيه امتهان لكرامته هو بالذات كمتابع.

جريمة قتل جمال خاشقجي، وبالطريقة البشعة والعلنية التي تمت بها، اختزلت، فيما اختزلته، معان كثيرة تشير إلى ما ذكر أعلاه. فالرجل ومن خلال رفضه العودة للعمل في ظل صاحب السيادة، وعثوره على منبر أرقى وذي مصداقية بما لا يقاس بكامل أنواع “الماكينات الإعلامية” العربية، كان قد اخترق دائرة الموت والذل هذه ناقلًا إلى جميع المعنيين رسالة واحدة: أرض الله واسعة، ويمكننا العمل فيما نحب دون أن نخسر أصواتنا. وكان على الرجل أن يموت بهذه الطريقة البشعة العلنية كرسالة إلى أولئك الذين قد يخطر في بالهم تجاوز نير الطاغية والحديث عنه وعن طغيانه في بلاد الله الواسعة ومنابرها الرحبة: إن نهاية الطريق واضحة ولا أحد سيرحمكم.

يمكن أن نضيف أيضًا أن بلاد الخليج العربي عمومًا بلاد خير، وأهلها أهل خير. كل من عاش هناك يعرف تمامًا عما تتحدث هذه السطور. ومن الطبيعي، نتيجة الثروة النفطية في تلك البلاد، أن تتواجد هناك النُخَبُ العربية الأفضل تأهيلًا وتدريبًا ومقدرات، سواء أكانت من مواطني تلك البلاد أم من الوافدين إليها طلبًا للرزق الحلال في تلك البلاد. جمال الخاشقجي كان واحدًا من رموز هذه النُخَب. النخب التي لا يعوزها التأهيل ولا التدريب ولا المقدرة ولا حتى الرغبة الصادقة في أن تكون بلادها في صفوة الأمم. ما كان ينقص الجميع، كما يعلم الجميع، هو تلك الحصة العادلة في القرار السياسي في تلك البلاد. حصة النخبة هذه كانت صفرًا في كل شيء، حتى في القرار الفني الذي يفترض أن يترك لتلك النخبة، التي صرفت عليها المليارات لتتعلم وتقرر أقله في شأن شبكات التصريف الصحي، مثلًا! فضائح طوفانات مدينة جدة المتكررة تشير بوضوح إلى أن القرار حتى على مستوى شبكة تصريف الصحي لا يمكن أن يخرج عن حدود الظلال الكئيبة لمحتكر القرار الذي لو أتيح له أن يبيع للناس الهواء الذي يتنفسوه لما تردد لحظة. وما على الجميع، وأولهم تلك النخبة بالذات، إلا الانصياع…. أو القتل بالمناشير. الخاشقجي نفسه وفي آخر مقالاته كان قد بدأ الحديث في موضوع الفساد المستشري ضمن العائلة المالكة في السعودية وآلياته والمراحل المرعبة التي وصل إليها. كان قد بدأ يرفع الصوت مطالبا بحصته العادلة في القرار في بلاده.

واشنطن بوست، الصحيفة التي عمل فيها الخاشقجي لبضعة أشهر فقط، أصدرت العدد الذي كان يجب أن يشارك فيه الخاشقجي ببياض في المساحة التي كان يفترض أن تظهر فيها مقالته، اكتفت بالإشارة إلى أن هناك “صوت مفقود” كان يجب أن يظهر هنا. الإعلاميون العاملون في الإعلام السعودي والخليجي عمومًا، سعوديون خليجيون وعرب، أما آن لهم أن يبدؤوا بالخروج من هذه المصيدة وترك بياض مكان مقالاتهم، أو مشاركاتهم أو أفلامهم وبرامجهم؟! هذا البياض سيكون سلاحًا أخيرًا يدفعون به عن أنفسهم تهمة لن تلبث أن توصلهم إلى المصير نفسه الذي أراده السيد المطاع للخاشقجي: أن يكون نسيًا منسيا. مصير سيعانونه مع من لا يمتلك سطوة السيد المطاع ولا كلاب حراسته، يمتلك فقط ضميره ليحكم عليهم من خلاله. وهو حكم سيكون أقسى على الأرواح من منشار عظم يُقال أنه استخدم على ضحية، ربما حتى وهي حية!…

نبذة عن الكاتب

شكري الريان

كاتب فلسطيني سوري مهتم بالشأن الإعلامي

Loading Facebook Comments ...