أغلى من الدهب، 1 – حكاية وانحكت 7

بتتذكروا بالتمانينات وقت كان الحصول على موزة هو حلم لكتير من الناس بسوريا؟

بتتذكروا آواخر التسعينات وقت صار قشر الموز بكل زاوية مرمي؟

بالتعاون مع موقع حكاية ما انحكت وهي الحكاية من تأليف أليس الشامي.

حكاية وانحكت الإثنين ضمن فترة الحكايا ابتداء من الـ 08:30 مساءً بتوقيت سوريا.

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

عمار ابن مدينة الشام، ولد فيها بسنة 1983، بيتذكر كتير منيح اليوم يلي اجت فيه أمه ع البيت وجايبة معها كيلو موز!!!!!

كان هاد الحدث تاريخي بأواخر التسعينات، وما ممكن ينساه، خاصة وقت بيتذكر شكل الهونداية يلي مارقة بالطريق ومحملة بالموز، والشوفير عم يصيح ويقول “تشرشحت يا غالي، والله وانذليت يا موز، أرخص من الفجل المووووز”

هاد المنظر ما كان حدا يشوفه طوال السنوات الماضية، سنوات التمانينات والحصار الاقتصادي الخانق، يلي حرم السوريين من كتير شغلات، منها الموز.

بيتذكر عمار وقت كان عمره أربع وخمس سنين، وقت كان يوقف هو وأمه وأبوه لساعات طويلة قدام الجمعيات الاستهلاكية، حتى يحصلواعلبة سمنة أو علبة محارم، أو شوية طحين أو سكر.. بيتذكر كيف كان ينحشر بالزحمة ويحس انه رح يختنق من روايح العرق والأنفاس الكريهة… بيتذكر نظرة الانتصار يلي بتنرسم ع وجه أهله المرهقين وقت يحققوا الهدف ويحصلوا ع الشي يلي جايين مشانه، احتياجات حياتية بسيطة، تحولت لهدف بيسعى إله الشعب كله.

أغلب البيوت السورية كانت بتتشابه بهالتفاصيل وغيرها من تفاصيل الحياة والفرش، الحرامات والكاسات والفناجين، ملاعق الأكل والصحون، علب الكبريت، علب المحارم، وغيرهم وغيراتهم. كلياتهم كان مصدرهم واحد، المؤسسة الاستهلاكية العامة المدعومة من الحكومة، ويلي ع بوابها تعلم الشعب معنى الصبر.

أما بالنسبة للأمور المفقودة، أو يلي بتروح على المؤسسة الاستهلاكية وبتوقف بالدور الطويل وبعدين ما بتحصل عليها، فكمان كانت بتتشابه. البندورة بكتير من الأوقات، رغم انها زراعة محلية وليست مستوردة!، الليمون معظم الوقت، الموز … الموز! لأ الموز هاد ما كان مفقود، هاد كان حلم، حلم لمعظم السوريين من الطبقة الوسطى والفقيرة، وجزء من الطبقة الغنية.

المحظوظين هنن يلي كانوا بيقدروا ياكلوا موز مرتين بالسنة، أو حتى مرة.

الموز ما كان متوفر بالمؤسسة الاستهلاكية أبداً، الطريق الوحيد للحصول عليه هو من الديلر الخاص بالموز، المهرب يلي يجيبه من لبنان ويخبيه مع أكياس المحارم جوا بيته ويطالع منهم حسب الطلب.. وطبعاً السعر كان خرافي. يعني مثلا رواتب الموظفين بهديك الأيام كانت حوالي الألفين أو تلات تالف ليرة ليعيش هو وعيلته فيها كل الشهر، وكيلو الموز بأرخص حالاته وصل للمية وخمسين ليرة، يعني مصروف يومين أو تلاتة للعيلة، حق كيلو ممكن ما يكفي كل أفراد العيلة!

ورغم كل الصعوبات المادية واللوجستية، إلا أنه ابوه لعمار كان ما يوفر فرصة يقدر فيها يحصل على كيلو موز يجيبه لعيلته. مشان أولاده عمار وهانية وحسن يبقوا عم يتذكروا طعمته وشكله للموز.

عمار بكتير من الأحيان كان يتبرع بحصته لأخواته، لأنه ما كان كتير يحب الموز، وما كان بيقدر يفهم أبداً ليش هالصعوبة الهائلة بتحصيله، وليش كل هالاهتمام فيه! من شو بتشكي البطاطا؟ طيبة مقلية ومسلوقة ومطبوخة ومشوية! فيك تعمل بالبطاطا شغلات أكتر وأطيب من الموز، الموز يلي كانت العيلة وقت تحصل عليه لازم تاكله بالسر وما تحكي قدام حدا، ولا حدا يشوفها.. متل ما صار لما وقف حسن ع البلكون وقشر موزة وأكلها، قامت شافته جارتهم أم صبحي، وفوراً لبست تيابها وجابت ولادها الأربعة واجت تشرب فنجان قهوة عند أم عمار، وتركوا الولاد يلعبوا، بس فجأة اختفوا الأولاد الأربعة وما عاد حدا سمع لهم حس… ليكتشفوهم بالمطبخ قاضيين على الموز الموجود كله.

يومها كانت أول مرة عمار بشوف أبوه مكتئب ومهموم بهالشكل، والدمعة جامدة بعينه متل كأنه خسر جبل من الدهب، يمكن من هاد اليوم بلشت علاقة عمار بالموز تنتزع، ليش ليكون في كل هالهم والغم المرتبط فيه، وبصعوبة الحصول عليه! شو يلي بميزه عن الفواكه التانية!

ليش ليصير اسمه فاكهة الجنة! هيك مرة سمع أمه والجارات عم يحكوا، أنه الموز من فواكه الجنة يلي موعودين فيها المؤمنين، ووقتها احتدم النقاش بين الجارات انه هالحكي صح أو لأ؟ وشو الدليل المسند من القرآن او السنة يلي بيذكر وجود الموز بالجنة، فكان رد الأم انه أكيد الجنة بدون موز رح تكون ناقصة!

مرت الأيام وكبروا الأولاد، وطلع ابوه لعمار عالتقاعد، وتغيرت الظروف الاقتصادية للبلاد، وصار الموز متاح للجميع، وعم ينباع عالبسطات، وصرت تشتري كيلو الموز بتلاتين أوحتى بخمسة وعشرين ليرة، وصرت تلاقي قشر الموز معبي الطرقات، ومنظره بكياس الزبالة صار طبيعي.

بس مع هيك بقي عمار ما يقدر يستسيغوا إلا مع الكوكتيلات يلي كان يشربها قبل مايروح على نادي الحديد، وبقي الموز بالنسبة إله جزء من ذاكرة الحرمان يلي عاشها هو وعيلته لفترة طويلة من الزمن.

نبذة عن الكاتب

معد ومقدم برامج ، ومشرف قسم الدراما براديو سوريالي ممثل ومخرج مسرحي ، وحكواتي ، مقيم حالياً ببرلين_المانيا "بحب الطبخ ، وابتكار طبخات جديدة بخلطات مختلفة ، ويلي بيحب يجرب مية أهلا وسهلا ايمتى ماكان"

Loading Facebook Comments ...