قمة رُباعية بأربع عبارات بائسة

المقال المقروء:

– – – – –

لم يُظهر السوريون اهتماماً يُذكر بالقُمة الرُباعية التي عُقدت في مدينة اسطنبول أواخر تشرين الأول، بين زُعماء تُركيا وروسيا ألمانيا وفرنسا، بالرُغم من أنها كانت مُخصصة للشأن السوري.

عدم مبالاة السوريين أتت من إحساسهم العميق بعدم جدوى مثل هذه القِمم، التي عُقد الكثير منها من قبل، ولم تجترح تغييراً ولو بالحد الأدنى في سياق الحدث السوري، الذي يُظهر ديمومةً وصلابةً في مساره تتجاوز كُل المرامي والعبارات اللبقة التي جادت وتجود بها القمم واللقاءات التي عُقدت لأجلهم طوال السنوات الماضية.

قمة اسطنبول لم تخرج عن إطار الالتزام الأدبي من قِبل القوى الدولية والإقليمية بالمسألة السورية، وفي مُغالبتها لمصالحها القومية وحساسيتها الأمنية على أي التزام بمصالح وتطلعات السوريين ومسألتهم. ظهر ذلك في العبارات الرئيسية الأربعة التي خرجت بها القمة، والتي تتكرر في كامل القمم الخاصة بالسوريين ومسألتهم.

إذ أكد المُجتمعون على أن الحل في سوريا سياسي، وأنهم يجب أن يدفعوا السوريين للتفاوض والاتفاق وتحديد مُستقبل بِلادهم. هذه العبارة المُجردة والفوقية الباردة، التي يقولها حتى بشار الأسد نفسه، لو لزم الأمر.

إذ لم يُحدد المُجتمعون على ما قد يعنيه هذا الحل السياسي، ولا الآليات والأُطر التي ستجري فيها هذه العملية. لكن قبل ذلك، لم يسموا ويحددوا الطرف الذي يعيق ويمنع هذه العملية السياسية، أو الذي فعل بسوريا والسوريين كُل الذي جرى، فقط كي لا تجري ولا يندرج في عملية سياسية ما، أياً كانت شروطها المُجحفة.

كذلك ذهب المُجتمعون إلى أن مُحاربة الإرهاب أولوية مُطلقة في المسألة السورية. هذا المنطق الذي يوحي ويؤدي مباشرة إلى أن المسألة السورية هي مسألة أمنية وعسكرية أولاً، وبالتالي نسيان وتهميش السوريين وحقوقهم وتطلعاتهم المشروعة.

هذا المنطق الذي يؤدي إلى نفس النبع الذي تقوم عليه دعاية الرؤية الأمنية للنِظام السوري، التي تقول بأنه ثمة جهة ما مركزية تُحارب الإرهاب في هذا البلد، وأن القوى الإقليمية والدولية يجب أن تدعم هذه الجهة، التي هي النِظام السوري، وأن تغض النظر عن سلوكياته وإجرامه تجاه السوريين، الذين يغدون حسب هذا المنطق هُم الإرهاب الذي يجب أن يُحارب.

الأمر الثالث في القمة هو الدعوة إلى تهيئة الظروف لعودة اللاجئين السوريين إلى ديارهم. هؤلاء الذين يستشعر العالم بثقلهم أكثر من أي شيء آخر، يُريدون التخلص من أثرهم المالي والسياسي، حيث يُمكن لموجات منهم أن ترفع من أسهم التيارات اليمينية المُناهضة لهم، ويُمكن لصور البؤس المُنتشرة عنهم أن تُمزق إباء الكبرياء الإنساني الذي يدعونه.

تسعى هذه القمم إلى إعادة السوريين إلى مُعسكر الضبط الأسدي بالشروط القديمة التي كانت: شيء بسيط من الأمان العام، مع فُقدان تام للحقوق والحُريات والمساواة الاجتماعية مع الطبقات المُلتفة حول النِظام الأسدي. أي بنفس الشروط التي أدت لاندلاع الثورة السورية في وجه مثل هذه الظروف.

أخيراً، فأن القمة أصرت على أن السوريين هُم الطرف الوحيد المخول لتحديد مصيرهم. دون أن يتم تحديد الآليات والطرف الذي يعيق قُدرة السوريين على امتلاك الحد الأدنى من حُرية تحديد المصير. لكن قبل ذلك، فأن المُجتمعين في مثل هذه القمم هُم أول من يمنع السوريين ويعيق قُدرتهم على تحقيق ذلك.

فهذه الدول تعُطي الأولوية لمصالحها وأمنها القومي، الذي فيما لو كان مُتعارضاً مع حق السوريين في تحديد مصيرهم، فأنها تدوس ذلك المصير، ولا تختلف الدول الأوربية في ذلك عن تُركيا وحتى عن روسيا، فالأولوية على الدوام هي لحساسيات هذه الدول التي تقود مصير السوريين.

بنفس المستوى، فأن أجهزة استخبارات هذه الدول تتدخل على الدوام ودون هوادة في جميع تفاصيل وديناميكيات العمل السياسي والعام للسوريين. فكما يتحكم الطرف الروسي بمصير النِظام السوري، فأن تُركيا تستميت في سبيل التحكم بعمل المُعارضين السورين وتحتل جزء من الأرض السورية، كما تفعل الدول الأوربية أشياء قريبة من ذلك، خاصة في دور وأعمال مُنظمات المُجتمع المدني السوري.

ثمة دائرة من الأسباب المُعقدة التي أدت لأن يتشكل مثل هذا الظرف السوري، يأتي تمزق السوريين على طيف من القوى والخيارات والميول الأيدلوجية، لكن السوريين يدفعون أولاً ثمن انسحاب الولايات المُتحدة من مسألتهم وغرقها المُريعة في الشعبوية الساذجة.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...