إسكانو وهيلالة

كان إسكانو يمشي برفقة حبيبته هيلالة في واحدة من شوارع مدينة تروبوتونيا حين أحسّ بشيء غريب يمشي على ساعده العاري. سحب يده اليسرى من يد حبيبته نصف الخائفة ومررها على ساعده الأيمن صعودًا ونزولًا دوم أن يلمس شيئًا سوى الشعر الكثيف. سألته هيلالة: “ما الأمر يا حبيبي؟” أجابها بأنّه منذ الأمس، أي منذ وصلوا إلى تروبوتونيا عاصمة مملكة الشماحينا، يحسّ بأشياء غير مرئية تمشي على جسده.

كان كلّ مشاة الشارع يحدجونهم بنظرات غريبة فهذه هي المرة الأولى التي يرون فيها آخرين يشبهونهم لكنهم في الوقت نفسه يبدون مختلفين بثيابهم الغريبة. كان إسكانو يرتدي قميصًا أخضرًا مرسومًا عليه ورود حمراء وبنطالًا قصيرًا أسود اللون ويمشي حافي القدمين مثل هيلالة التي كانت ترتدي بنطالًا أخضرًا فضفاضًا  وقميصًا أسودًا مرسوم عليه ورود بيضاء، أما سكان تروبوتونيا فيرتدي الذكور منهم أثوابًا بيضاء طويلة تغطي كامل الجسد وترتدي النساء أثوابًا حمراء طويلة تغطي كامل الجسد. كلّ سكان تروبوتونيا، ذكورًا وإناثًا، يغطون رؤوسهم بقماش أصفر يميزهم عن باقي سكان مملكة الشماحينا الذين يغطون رؤوسهم بقماش أزرق. كان إسكانو وهيلالة يمشيان محسوري الرأس مثل عادة سكان مملكة الشابو التي هربا منها.

تعارفا مذ كانوا صغارًا يتعلمان أصول رعي حيوانات الشابو في مركز تعليم أصول الرعي. تحابا وقررا الزواج حين يكبران. لكن الأمور لم تسر مثلما خططا فقد وقعت أم هيلالة في حب إسكانو وهامت به، فأرادته لنفسها. من أجل ذلك قامت بقتل زوجها الثالث بسكين صَدِئ وعرضت على إسكانو نصف أملاكها، وهي ابنة أمير إقليم شاريباتو ثاني أكبر أقاليم مملكة الشابو، وهددته في حال رفضه بقتل هيلانة.

قرر العاشقان الهرب خارج المملكة التي لم يغادرها أي شخص على الإطلاق باستثناء الملك والوزير الأكبر وسيد الجند. هؤلاء قالوا إنّ العالم يتكون من أربعة عشرة مملكة وإنّ مملكة الشابو، أي مملكتهم، هي الوحيدة التي تعمّ بالسلام والرخاء والجمال وإنّ باقي الممالك أعداءُ هذه المملكة العظيمة. هكذا كان يردد الملك شاميس ورجاله منذ خلقت ممالك وشعوب أرض الحاليماسا.

الناس ممنوعون من السفر خارج حدود المملكة. هذا كان قرار الملك مثلما قرر أسلافه من قبله ومثلما قرر باقي ملوك الممالك الأخرى وأسلافهم. كان هذا اتفاقًا عُقد منذ فجر التاريخ. لم يعرف سكان هذه الممالك السفر قط. لم يعرفوا حيوانات وصخور الممالك الأخرى ولم يعرفوا طعامهم وعاداتهم ولباسهم.

كان الخوف يسكن قلبيّ هيلالة وإسكانو خلال الأيام التي سبقت يوم الرحيل. حين عرضت أم هيلالة عرضها على إسكانو طلب منها مهلة ثمانية أيام ليحضّر نفسه ثم أبلغ خليلته بنيته الهرب خارج حدود المملكة. أصرّت على الذهاب معه وقالت له إنّ لا حياة لها دونه وإنّها لا تحتمل البقاء قرب أمها اللعينة.

في ليلة الرحيل، قبل يوم واحد من انتهاء المهلة المحددة، غادرا المملكة فجرًا. تجاوزا حرّاس الحدود المسترخين، فهؤلاء لم يعملوا أبدًا ولم يرموا حجارتهم على أيّ متسلل خارج الحدود فهذا واحد من المستحيلات الستة عشرة في قوانين المملكة. كانت مهمة العاشقين سهلة؛ اجتياز البوابة الكبرى حين يكون بعض الحرّاس نائمون والباقون يلعبون لعبة السالاكي الشعبيّة.

كان تفكيرهم وخطتهم متعلقة بالهرب أما ما سيأتي لاحقًا فلم يفكروا به. حتى أسماء الممالك ومواقعها لم تكن معروفة لهما. قررا المشي في اتجاه واحد حتى يصلا إلى مكان ما. عبرا الصحراء المحيطة بمملكة الشابو في ثلاثة أيام استهلكوا خلالها كلّ مؤنتهم من طعام وشراب. وصلوا إلى مملكة الشماحينا ينهكهما التعب. ناموا أمام البوابة الكبرى للمملكة في خفاء.

بعد نوم يومين متواصلين دخلا المملكة وسط استغراب الحراس. مشيا حتى وصلا مساءً إلى تروبوتونيا عاصمة المملكة. شربا وأكلا في واحدة من المطاعم الكثيرة المنتشرة في شارع المطاعم وهو واحد من ثلاثة شوارع متوازيّة تقسم المدينة إلى أربعة أجزاء. لم يقبل صاحب المطعم نقودهم التي لم يرَ مثلها في حياته وأخذ حذاءهما بدلًا عن الطعام والشراب الذي تناولاه. ناما في تلك الليلة في ساحة المدينة الوحيدة.

 في اليوم التالي في وسط شارع الخياطين قالت هيلالة لإسكانو حين مسّ ساعده العاري: “ربما الهواء في هذه البلاد ثقيل لذلك تحسّ بأشياء تمشي على جسدك”. قال لها إسكانو: “لا يا حبيبتي، الهواء هنا مثل الهواء في بلادنا والشمس هي الشمس لكن الفرق الوحيد هو الخوف. يا هيلانة أظنّ أنّ العالم أكبر من الممالك الأربعة عشر التي قالوا لنا عنها. ونحنا وممالكنا نعيش في أحد أطرافه البعيدة”.

قبل أن ينهي إسكانو جملته أحاط بهم الحرّاس من كلّ جانب واقتادوهم إلى قصر الملك قابانوس المعظم الذي أراد التعرف على الغرباء قبل أن يعيدهم إلى بلادهم كي يعدمهم ملكهم شنقًا في الساحة العامة لأنّهما خرقا الاتفاق المقدس بين الممالك الأربعة عشر.

نبذة عن الكاتب

دلير يوسف

‏ كاتب ومخرج من سورية، مقيم حالياً في العاصمة الألمانية برلين

Loading Facebook Comments ...