توقُ السوريين للبراءة من “جُرم” مُتخيل

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

 

مُنذ سنوات وتنتشر قصص وفيديوهات مُختلفة عن السوريين في دول اللجوء، تميل كُلها لإثبات جدارة السوري وطهارته ونبالة روحه. قصص تتراوح بين حادثة أعاد فيها سوري ما محفظة مليئة بالمال إلى أصحابها الأصليين، وتمر بحكاية سوري آخر أنقذ أحد السُكان الأصليين من هذه البُلدان من الغرق، ولا تنتهي بأثارة أخبار تفوق بعض الطلبة السوريين في مدارس وجامعات البُلدان التي فروا إليها، ومثلها الكثير من التفاصيل والمُجريات التي تصر كُل منها على التعبير بأن السوريين هُم بشرٌ عاديون، يجمعون بين البراءة والجدارة والندية “الحضارية” مع باقي المُجتمعات، بالذات من سُكان هذه الدول التي لجئوا إليها.

هذه الحكايات العادية بتفاصيلها نمطية للغاية، تجري بشكل سلس ودائم في كُل المُجتمعات، إذ دائماً ثمة أناسٌ طيبون يُعيدون الأمانات لأصحابها، ومثلهم ثمة الذين يتمتعون بالإيثار والأكيد ثمة الذين يتمتعون بالذكاء والتفوق على نظرائهم، كان المُجتمع السوري نفسه على الدوام مثل باقي المُجتمعات العالمية في هذا السياق. لكن الاحتفالية المُبالغة من قِبل مئات الآلاف من السوريين على وسائل التواصل الاجتماعي بمثل هذه الأفعال العادية التي يسلكها السوريون، أنما يدل على استبطان القواعد الاجتماعية الأوسع من السوريين لجُملة من المشاعر والميول الساعية لدفع تُهمة ما عبر هذا المستوى من الانفعالية الاحتفالية.

ثمة ثلاثة مستويات من المشاعر والأفكار التي تقبلها السوريون مما نُشر حولهم، كأفراد ومُجتمع ونظام سياسي، إذ صار كُل سوري يشعر بأنه يتحمل جزء من تلك الأحكام والصور النمطية المُنتشرة حول السوريين، وأنه يجب أن يسعى لردها.

يسعى السوريون أولاً لأن يقولوا بأنهم مُختلفون وليسوا فقط مُجرد لاجئين، بل يستحوذون على قيمة ونزعة “حضارية وتقدمية”، هي جزء من تاريخهم الاجتماعي وتراثهم الجمعي. فالسوريون ميالون حتى الآن للقول بأننا مُختلفون عن باقي لاجئي العالم، الذين عادة ما تكون صورتهم جامعة بين الفُقر والأمية وسوء القُدرة على اكتناز القيم الإنسانية العالمية العُليا. يُريد السوريون رد الصورة النمطية للاجئ التقليدي عن أنفسهم، والقول بأنهم يتطابقون من حيث السوية والجدارة مع أبناء هذه المُجتمعات، أكثر مما يشبهون اللاجئين لهذه الدول.

كذلك فأن هؤلاء السوريون يستميتون في سبيل رفع “صورة بشار الأسد” عن أنفسهم. يشعر السوريون بأنه ثمة غمامة من المشاعر والأفكار المُختلطة في ذهن ومخيلة العالم حول معنى ودلالة الشخص السوري، يُشكل بشار الأسد نمطها وصورتها الأكثر شهرة، فالسوري في الذاكرة الجمعية لأبناء هذه المُجتمعات التي تم اللجوء إليها، هو ذلك المزيج من الدموية والعُنف وسوء القُدرة على التفاهم والوصول إلى حلولٍ سياسية واشكالٍ للتعايش فيما بينهم.

هذه الصورة التي يُشكل بشار الأسد رمزاً وتعبيراً شهيراً عنها، يبدو أن السوريين صاروا يشعرون بأنها صارت صورتهم وهويتهم في الذاكرة الإنسانية، وأنه بات من واجبهم دفعها عن ذواتهم وشخوصهم الجمعية، وأثبات أن السوري الفرد والمواطن مُختلف ومُناقض لهذه الصورة الأسدية له.

المستوى الأخير للرد يتعلق باستبطان السوريين للـ”الغلاظة” التقليدية التي تتمتع بها مُجتمعات الاستضافة. تلك التي تركن قطاعات واسعة منها إلى تبني قيم وخطابات التفوق على اللاجئين وازدراء قيمهم وسوء التفهم لثقافاتهم وخياراتهم الإنسانية. يسعى السوريون للرد المُسبق حول ما يُمكن أن يواجهوه من مثل تلك “الغلاظة”، كسور أولي لحماية الذات منها.

كانت العديد من الجماعات قد واجهت مثل هذه الحالات في أوقات من حياتها. كان الفلسطينيون والأكراد أمثلة واضحة على مثل تلك الميول في منطقتنا.

فخلال تجربة التهجير التي واجهها الفلسطينيون مع بداية النصف الثاني من القرن الماضي صاروا مُصابين بمثل ذلك، فقد كانوا ميالين على الدوام لإثبات جدارة و”حضرية” المُجتمع الفلسطيني الذي قدموا منه إلى هذه المُجتمعات الجديدة. من طرف آخر كانوا يستميتون في سبيل المُشاركة في كافة النزعات السياسية والثقافية والاجتماعية في أماكن لجؤهم، كتوقٍ للاندماج والمساواة ودفع الازدراء عنهم.   

تجربة الأنكار التي واجهها الأكراد في القرن العشرين أيضاً حملتهم أشياء كثيرة من مثل ذلك، نبش في التاريخ لاجتراح الاعتراف والجدارة، وتوق دائم للمشاركة في التنظيمات والنزعات المُختلفة المُنتشرة في المُجتمعات المُحيطة بهم.

يجمع السوريون اليوم بين التراجيديتين، تهجير الفلسطينيين وإنكار الأكراد، مع الكثير جداً من غلاظة العالم المُعاصر، المطمور بشعبوية لا توصف

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...