عندما قرر جعفر أن يمارس الجنس في باص الرمل

لم يعد يستطيع التحمل، يريد أن يلبي نداء طبيعة أقسم ألا يتركه في حاله، “بدنا مرة يازلمة”، هذا ما أخبر به زميله شوفير باص خط الزراعة، خط “الأكابر” كما يحب أن يسميه، في الوقت الذي فرزه حظه العاثر ليكون سائقًا لباص خط الرمل الشمالي، باص المعترين كما يفضل مناداته.

لم ينسَ جعفر معروف ذلك الضابط في القصر، ابن قريته قرفيص، والذي لم يلتق به قط، مكالمة هاتفية من والده لمختار الضيعة كانت كفيلة لتحويله إلى موظف حكومة “محترم” بدلًا من كونه  شابًا غير متعلم عاطل عن العمل يمقت زراعة الأرض، والحجة موجودة دائمًا.. أخو “الشهيد”، “شهيدٌ” لا يتوانى ذووه عن ذكر اسمه في كل المحافل للحصول على كل شيء، بدءًا من كيس أرز إضافي توزعها الجمعيات الاهلية، وصولاً للحصول على وظيفة لوالدة هذا الشهيد الستينية إن اقتضى الأمر.

إلى شركة النقل الداخلي في اللاذقية كانت وجهة جعفر، كان ذكيًا كفاية ليتحكم بدركسيون باص النقل الداخلي بعد دورة سريعة لم تأخذ منه سوى بضعة أسابيع، باص كان بمثابة ثروة متنقلة بالنسبة له، يأخذ نقوداً من الركاب دون أن يقطع لهم البطاقات، يدعي أنه لا يملك “فراطة” لإعادتها لراكب أعطاه خمسين ليرة لرحلة لا تكلف سوى 35، لكن الأحلى من كل هذا، كمية النساء اللواتي يغرق في تأملهن بمرايا وزعها في كل زاوية، ” طبقلك شي وحدي يا زلمي”، هذه كانت نصيحة الزميل شوفير باص الزراعة الذي لا يتجرأ على هذه الخطوة بحق راكبات باصه، “بركي بتعرفلا شي حدا مدعوم بحضي بتروحنا”، لكن الأمر متاح بالنسبة له، على اعتبار أن شريحة الراكبين معه من الفقراء بشكل عام، “تخيف لكن لا تؤذي” بحسب تصنيفات ركاب خطوط اللاذقية التي لا تتعدى ستة خطوط.

حسناً ها هو يتخذ القرار، اليوم سيطبق من راكبات الباص، استيقظ صباحًا وأخذ حماما عالميًا فرك فيه كل قطعة من جسده بشغف، “اتجه إلى النساء النازحات”، هذا ما نصحه به شوفير خط الزراعة، “لأنن أطيب”، كيف ولماذا هن أطيب لا يهم، لكن الرجل خبير ولديه شهادة في معاشرة النساء انطلاقًا من عاهرات مطعم الدوار في منطقة الشاطئ الأزرق، وصولًا إلى نساء ضباط يدعي أنهن يطلبنه بالاسم ليزني بهن.

 لم يكن الأمر صعبًا، النازحات في كل مكان، يراهن يوميًا معه في الباص لكنه للأمانة لم يفكر بالتحرش بهن، كان يخشى طريقة حجابهن الغريبة عما اعتاده من  نساء اللاذقية، ذقن مغطاة ولون غامق معتمد للإيشارب، لكنه لاحظ اليوم بالذات أنه يضيف جمالًا أخاذًا لتلك المرأة المكتنزة، ركز عينيه عليها ورمى لها غمزة استجابت لها على الفور، بدأ الباص يفرغ رويدًا رويدًا، أشار لها بالجلوس في المقعد الأول وبالفعل لبت على الفور، بقيت جالسة وصامتة حتى وصل لنهاية الخط، استدار إليها وعاجلها بمراده منها وهنا فتح البازار، “قديه بدك”؟؟، جهز نفسه لمعركة استباقية لما سيحصل، لن يدعها تتغلب عليه في السعر،” 500 وزيادة عليها وإذا عصلجت 1000″، هذا ما خطط له في ذهنه، لكن الأمر كان مغايرًا لحسابات تلك النازحة،” أنا مابدي مصاري ولاشي، بدي بس تشتريلي أكل للولاد الله وكيلك من مبارح بلا أكل”.

في اليوم التالي استيقظ متعكر المزاج، ماهذه الدراما التي تحصل معه هو بالذات دون غيره، كان سهلاً أن يشتري لها بعض الطعام ويأخذ ما يريده منها لكنه لم يستطع، صحيح أنها ستفعل ذلك مع غيره بجميع الأحوال لأنها وعدت الصغار أنها ستطعمهم اليوم كما أخبرته، لم يعطها نقودا لأنها أخبرته ان زوجها استشهد في حلب دون تفاصيل إضافية، يقاتل مع “العرصات”، هذا ما استنتجه من ارتباكها حين سألها عنه، لكن مع ذلك لم يستطع الاقتراب منها رغم أنه انتقام سيحرق قلب زوجها في قبره وسيفرح قلب شقيقه في قبر آخر، لكنه لم يستطع،  كانت حزينة ومكسورة كفاية لتجعله يمتنع عن هذه الخطوة التي سيكررها اليوم مع نازحة غيرها.

ليست حزينه هذه المرأة ولا تفيض الكآبة من عينيها، لن يقع بهذا الخطأ مجددًا، اختارت وحدها ان تجلس في المقعد المخصص “للتطبيق” وبصحبتها فتاة يبدو أنها في بدايات النضوج، وحدها ودون أي تعليمات بقيت حتى نهاية الخط، وبدأ البازار، “مابدي مصاري بدي بس تخليني نام عندك أنا وبنتي لتاني يوم… لأنو ما عنا بيت”.

لماذا هذه اللعنة يا إلهي؟؟؟ يسأل جعفر الرب عن سبب عرقلة مراده في تلبية نداء الطبيعة هذا، فهو كغيره من السوريين يقحم الله في كل شيء حتى في تسهيل عمليات ممارسة الجنس، لم تتم الصفقة، أين سيذهب بها وبابنتها، المقعد الخلفي للباص سيكون مكان عقد الصفقة فعن أي مبيت تتحدث هذه المرأة وهو الذي يعود إلى قرفيص يوميًا للمبيت مع أشقائه في غرفة واحدة، يبدو أنه يئس، لم يعد يريد تجريب النازحات “الأطيب”، يريد العودة “لجيجاتنا”، على الأقل لن يسمع منهن أسطوانات مشروخة على غرار أطعم الصغار وأمن لي مبيت.

هاهي تقف في نهاية الباص، يعرفها جيدًا وأقسم بداخله أن لها صلة بقريته قرفيص، تشبه عاهراتها اللواتي كن يعملن خفية في ملاهي اللاذقية لإعالة أسرهن بعد مقتل غالبية المعيلين في هذه الحرب، لم يتطلب الأمر غمزة أصلًا، وحدها أتت من آخر الباص، بشعرها الطويل اللامع ومكياجها الرخيص ومشيتها الأنثوية المبالغ بها، “كم أنت كريم يا رب تعرف نيتي ومسعاي وستمنحتني الرضا بعد كل هذا الصبر”، رائحة عطرها الرخيص المقرف لم ينفره، اشتياقه لأي أنثى جعله يحب كل تفصيل في هذه المرأة ، وبخبرة العارفات بقيت واقفة قرب مقعده حتى نهاية الخط، “مافي حق أكل ولا نومة عندي ها…. كلو هون بالباص وأكتر من 500 أبدفع”، بصوت أجش قليلًا لكثرة التدخين كما اعتقد أجابت بالموافقة، لكنها نقلت المفاوضات لمرحلة أخرى عندما سألته عن الوضعيات التي يفضلها، “شوحالك متل هالخلق وهنتي وكرمك يعني”، وجاءت كرمك مع غمزة ونفشة ريش سرعان ما انطفأت بعد ان قالت له: بالله بدك تعزرني أفي عندي غير وضعية وحدي” ، “ليش…خير انشالله”، ” كل خير كل خير… بس نسيت خبرك شغلي مهمي… والله يا غالي ما يغرك هالشكل…بالحقيقة أنا شب بس بالله أبتخيرني عن أكدع مرة هااا”.

نبذة عن الكاتب

بتول العلي

صحافية سورية

Loading Facebook Comments ...