زيارات محض أخوية

من حق السوريين الذين يعيشون في الداخل السوري، والذين حوصروا خلال ما يقارب سبعة أعوام، بكل أنواع الحصار، أن يفرحوا ويعلنوا تأييدهم لإعادة فتح الحدود مع أية دولة مجاورة لسوريا، إذ لا شيء يعادل إحساس الحصار والعزلة والانقطاع عن العالم، هو سجن من نوع آخر، وموت ربما، وأظن أن الكثير من السوريين الذين يعيشون في الدول العربية بدون إقامات تمكنهم من التنقل بحرية يعرفون طعم هذا الإحساس، فكيف الحال بمن يعيشون في سوريا، حيث الموت اليومي والخوف وانقطاع وسائل الحياة لأوقات طويلة، من الكهرباء إلى الماء إلى وسائل التدفئة إلى انقطاع الإنترنت المتواصل. من حق هؤلاء تجربة الشعور بطعم الحياة من جديد، من حقهم الإحساس بالبدء بكسر العزلة والجدران التي فرضت عليهم، لا أحد يمكنه لومهم على ترحيبهم بخطوة فتح الحدود مع الأردن، ولا أحد يملك الحق بتخوين المرحبين، خصوصًا ممن يعيش حياته في دول لا تضع عليه أي قيد أو شرط.

حي المنشية- درعا البلد، مؤسسة نبأ

كل ما سبق عن ترحيب سوريي الداخل بفتح الحدود مع الأردن، لا يمكنه أن يلغي المفردة التي يكرهها الجميع في إعلان التضامن: “ولكن”! إذ أنه في وضع سوريا والأردن الحالي، وما جرى باتفاقية فتح الحدود، ووجود اللاجئين في المخيمات الأردنية المذلة، ووضع مخيم الركبان المحاصر قرب المثلث الحدودي السوري الأردني العراقي، والذي تنتشر صور مجاعته، وصور أطفاله المحاصرين، كل ذلك يجعل من مفردة (ولكن) ضرورية هنا، فما معنى أن تتم إعادة فتح الحدود بين البلدين مادام السوري لا يستطيع دخول الأردن إلا بموافقة أمنية؟! ويعرف الجميع، سوريون وأردنيون، أن الحصول على موافقة كهذه يشبه طلب لبن العصفور، حيث تتطلب الموافقة دعوة رسمية من جهة أردنية تملك سلطة أو دالة على الجهات الأمنية،  وما معنى اتفاقية  كهذه إن لم تجعل السوريين يفكرون بنفس منطق الأردنيين المرحبين بالاتفاقية والمهللين لها؟!

 مثل السوريين، رحب الكثير من الأردنيين بإتفاقية إعادة فتح الحدود مع سوريا، غير أن معظم المرحبين الأردنيين هم من المؤيدين للنظام السوري الذين يطالبون منذ زمن ليس فقط بفتح الحدود، وإنما بتطبيع العلاقات مع النظام. قسم منهم، بدأ، بوقاحة منقطعة النظير، يعرض لوضع الأسعار بين سوريا والأردن، متناسيًا، بوقاحة منقطعة النظير أيضًا، فرق الدخل بين البلدين، ومتناسيًا وضع الليرة السورية وارتفاع الأسعار المريع قياسًا للدخل السوري، هؤلاء يعنيهم من فتح الحدود أمرين، الأول: فك الحصار عن النظام السوري لا عن الشعب، فالشعب السوري استفادته قليلة من هذه الاتفاقية، وتكاد تنحصر بشريحة التجار الذين سيجدون تصريفًا لسلعهم لدى الأردنيين الداخلين إلى سوريا، وليس مستغربًا ارتفاع الأسعار مجددًا نتيجة الطلب عليها، مما سيجر المزيد من الأزمات الاقتصادية على المواطن السوري العادي، الموظف أو الذي يعيش على مساعدات أقارب له في الخارج. أما الأمر الثاني فهو إمكانية هذه الشريحة من الأردنيين من دخول سوريا، إسبوعيًا، بسهولة ويسر والتمتع بمطاعمها الرخيصة، وشراء ما يلزمهم من مواد غذائية واستهلاكية ومحروقات وغيره، فهي، كما أسلفنا سابقًا، أرخص من نظيرتها الأردنية بكثير قياسًا إلى دخل الفرد الأردني، وهو بكل حال أمر سمعناه كثيرًا خلال السنوات الماضية من أردنيين ولبنايين وعرب، كانوا يقولون في وجهنا: أننا خربنا عليهم مشاويرهم السورية الممتعة ومنعناهم عن أسواقنا الزهيدة الأسعار!!

سيستفيد من هذه الاتفاقية الجميع عدا عامة السوريين: الحكومة الأردنية، التي لا يلومها أحد، بطبيعة الحال، فهي تعقد اتفاقات تهدف إلى مصلحة بلادها، والحكومات غير معنية بمصير الشعوب الأخرى للأسف، والحكومة اللبنانية التي ستكون سوريا لها معبرًا لتصريف منتجها الزراعي في الأردن، وإسرائيل التي ستضمن حماية حدودها، والنظام السوري، طبعًا، الذي عاد ليعقد اتفاقيات تثبت وجوده وما اعتبره انتصارًا على المؤامرة، والتجار السوريّون، ثم المهربون من البلدين، حيث ستنتشر تجارة تهريب كل شيء، بدءًا من البضائع، القانونية وغير القانونية، وانتهاء بالبشر، أما المواطنون السوريون، المحاصرون سابقًا، والفرحون لاعتقادهم ببدء فك الحصار عنهم، فإنهم سرعان ما سيكتشفون أن لا أحد معني بهم، ولا بآمالهم ولا بآلامهم، لا حكومات ولا شعوب جارة ولا أحد، وأن السوري مرفوض لمجرد أنه يحمل وثائق هذا البلد المنكوب.

أما الأشقاء الأردنيون، الذين بدؤوا بالدخول إلى سوريا والعودة إلى الأردن محملين بالبضائع “الرخيصة”، وينشرون صورهم على فيسبوك وهم مبتهجين، فننصحهم باستخدام كمامات أثناء وجودهم في سوريا، كي لا تفسد متعتهم رائحة الدم السوري الذي يطؤونه بأقدامهم، ورائحة الفقر التي تعربش على الجدارن والشوارع والأرصفة، ورائحة الألم التي تنتشر كما الغازات السامة، ورائحة الدمار إذا ما رفعوا نظرهم قليلا عن متعة التسوق والتسوح في سوريا، نتمنى عليهم أن يتذكروا وهم يدخلون الأرض السورية أن هناك على الأقل مليون سوري يحلم بصباح واحد في بلده ويمنع عليه حتى الحلم، وأن مليون سوري على الأقل لم يعد له لا بيت ولا أرض ولا حتى قبر في هذه السوريا الجميلة التي يتحدث عنها الأردنيون السعيدون بإعادة فتح الحدود بين البلدين.

نبذة عن الكاتب

رشا عمران

شاعرة وكاتبة سورية، أصدرت 5 مجموعات شعرية، كما أصدرت أنطولوجيا الشعر السوري من 1980 إلى عام 2008. وتكتب المقال في عدد من المواقع والصحف السورية والعربية.

Loading Facebook Comments ...