“عصر حروب الطوائف”

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

 

يميلُ الكثير من المؤرخين والمحللين السياسيين والباحثين الاجتماعيين إلى تفسير أحوال بلادنا ومنطقتنا من منظور القراءة التاريخية الموسعة، التي تعتبر بأنه ثمة مسيرة وسياق تاريخي تقليدي وعادي ورتيب تمر به كافة المُجتمعات عادة. فالمُجتمعات حسب هذه القراءة التقليدية أنما تتطابق في بُنيتها الداخلية وديناميكيات تحولها التي تشبه مراحل التطور الجسدي والعقلي والروحي التي يمر بها الأفراد على مُختلف منابتهم، من الطفولة واليفاعة والصبا والمراهقة، إلى الرجاحة والشيخوخة والموت.

يرى هؤلاء أن مُجتمعات منطقتنا تمر بعصر صراع الأديان والطوائف، التي تُعتبر مرحلة إجبارية لتحول المُجتمعات من مرحلة العقل الجمعي الأسطوري نحو الدولة العقلانية التعاقدية المدنية. يستند المؤرخون في هذا الإطار على سيرة المُجتمعات الأوربية وتحولاتها، وبالذات على وعي مرحلة صراع الأديان والطوائف في حرب الثلاثين عاماً (1618-1648) المُريعة فيما بين جميع الكيانات والمُجتمعات الأوربية.

بناء على ذلك، يعتقدون بأن الحروب المفتوحة في منطقتنا مُنذ اندلاع الانقلاب الإسلامي الشيعي في إيران عام 1979 وحتى الآن أنما هي تعبير عن تلك المرحلة، حيث أن الحروب المُختلفة، أياً كانت صيغتها وعناوينها المُعلنة، فأنها في العُمق تُعبر عن صراع جماعتين طائفيتين رئيسيتين، لكُل واحدة منهُما مشروع سياسي وثقافي وإيديولوجي مُتباين مع الآخر، وأن أحوال منطقتنا ستترتب بناء على انتصار أحد المشروعين المُعسكرين المُتصارعين، المُعسكر الشيعي ونظيره السُني، مثلما كانت أحوال أوربا بُعيد الحروب الكاثوليكية البروتستانتية الطويلة.

لكن كُل ذلك يبدو في تفاصيله ومُحصلته مُجرد وهمٍ فصيح، يلجئ إليه المؤرخون والمحللون لتجنب الوقوع براثن الفعل المعرفي التحليلي المُعمق في أحوال منطقتنا، على مُختلف المستويات، الاقتصادية والثقافية والسياسية والاجتماعية.

أذ لو آمنا بتلك الرؤية، فلنا أن نسأل عن أي فرق ذو مضمونٍ ومعنى بين هاتين الكُتلتين السياسيتين المركزيتين!، ليس من حيث رؤيتها الإيديولوجية للعالم الرمزي وشبكة العلاقات الإقليمية والدولية. بل أولاً السؤال عن أي فرق بينُهما في عقلية ومنطق ورؤية إدارة الدولة والموقف من مؤسساتها وسُلطاتها والعلاقة المفصومة الواجبة فيما بينها، ومن حيث الالتزام بمواثيق الدولة التأسيسية، الدستور والقانون العام والأعراف والتوافقات التي تم التوصل إليها بين مُختلف القوى السياسية.

ثم أي فرق فيما بينها من حيث فهمها لأداور مؤسسات الدولة في المتن العام، التشريعية والقضائية والتنفيذية منها، هل نستطيع أيجاد فرق واضح بين سلوك وتعامل السُلطة الفعلية في هاتين الكُتلتين بمؤسساتها وأحزابها وتنظيماتها، أو حتى فصائلها المُسلحة، فرق واضحٍ في تعاملها ووعيها الموضوعي للدولة، التي تُشكل جوهر الصراع في مسار الحداثة المُتأمَلة.

يُطرح هذه السؤال في ظلال مُعايشة جميع مُجتمعات المنطقة لمختلف أشكال الحُكم التابعة والمُرتبطة بواحدة من هاتين الكُتلتين الرئيسيتين، دون أن يُلاحظ أي فرق واضح المعالم فيما بينهُما.

ثُم، هل ثمة أي أملٍ لأن تلتزم أي من هاتين الكُتلتين المُتصارعين بما تتعهد به، فيما لو انتصرت وأنتهى الصراع الطائفي!. سواء بما تُطلقه من وعودٍ رنانة لمُجتمعاتها الداخلية، أو بما تتوافق عليه مع القوى السياسية الدولية، من شراكة وتوافقية واحترام للحد الأدنى من الحُريات العامة ومنظومة حقوق الإنسان.

أوليس حرياً بأي من هاتين القوتين أن تُطبق وتمارس شيئاً من ذلك على وفي عالمها الداخلي، قبل أن تُبشر بتطبيقه في المُحيط والمنطقة فيما لو انتصرت في هذه الحرب المُريعة. أوليس في الممارسات القروسطية التي تفعلها كُل كُتلة في عالمها الداخلي دلالة واضحة على خلو معاركها من أية قيمة مُضافة، وأنها، أي هذه الحروب، أنما ديناميكية انعكاسية لرغبة هذه الكيانات لتصدير أزماتها وسوء أحوال سُطوتها الداخلية.

أخيراً، فأن ما يتم غض النظر عنه في صراع الطوائف هذا هو حجم التدهور الذي يُصيب الكُتل التاريخية التي تعتبر نفسها، وهي كذلك تماماً بشكل موضوعي، خارج هذا الانقسام المُتخيل والمتوهم بين مُعسكري وكُتل الطوائف، بين دولها وأنظمتها وجيوشها وعُصبها المُسلحة.

فالعقلانيون وأبناء الطبقة الوسطى وسُكان المُدن والبيروقراطيون يشاهدون مصائرهم وهي تتحطم بين أقدام هذه الفيلة الكبيرة، حيث مع هذه الديناميكية أنما يتحطم أي سياق تاريخي تصاعدي، وتغدو حركة التاريخ بهذا المعنى نكوصية وتحطيمية لبُنى التنمية الاجتماعية والاقتصادية والطبقية في منطقتنا.

في صراع الطوائف هذا، لن ينتصر إلا الطائفيون، ولن يتحطم إلا العقلانيون وسُكان المُدن وأبناء الطبقة الوسطى.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...