عن مملكة الشر التي أحب بعضها

في نهاية التسعينات، كان مجال الإنشاءات النشط في مصر قد وصل إلى قمة المنحنى البياني، واستهلك إمكانيته إلى أقصى حد، قبل أن يبدأ في التهاوي بمعدلات قياسية. وبحلول العام 2002، وكنت حينها مهندسًا مدنيًا حديث التخرج، انفجرت الفقاعة العقارية، وتأزمت الأمور إلى حد كبير، حتى أنه لم يكن أمامي سوى القبول بوظيفة بربع الراتب. وبنهاية العام، وبفضل صدفة تقاطعت مع الكثير من اليأس، كنت على متن أول رحلة جوية لي، وأول سفرة إلى الخارج، متجهًا إلى مطار الدمام.

ولم يكن عقد العمل المتواضع الذي حصلت عليه في السعودية، ليخطر على بالي كخيار قبلها بأسبوعين، وحصل الأمر كله بسرعة، فلم يتح لي وقت كاف لرسم توقعات عمّا يمكن أن ألاقيه هناك. فالمملكة التي لا ترتسم في ذهني حينها سوى بصور كاريكاتورية عن الوهابية والثراء الفاحش وقمع النساء وكباريهات شارع الهرم، كانت مكانًا غامضًا وصحراويًا لا يميزه سوى “البداوة” التي صدرتها لنا المملكة عنوة في السبعينيات (كما اعتاد مثقفونا العلمانيون أن يقولوا في ندوات معرض القاهرة للكتاب). كان كل ما يمكن أن أتصوره هو حياة روتينية وشاقة، وأيام عمل طويلة، وطقس سيء، وقليل من المدخرات بعد عامين.

لكن الأمور سرعان ما أخذت منحنىً أكثر إثارة بمجرد مروري من الجوازات، فبعد تفتيش حقائبي وجد الشرطي السعودي الكثير مما يدعو للتشكك، فغير نسخة الكتاب المقدس الإنجليزية التي وضعتها بنفسي في حقيبة السفر الضخمة، كانت الست الوالدة قد تطوعت بوضع نسخة عربية أيضًا، ودست أنجيل “الجيب”، صغير الحجم، في حقيبة اليد كنوع من البركة. وبعد أن وضع الضابط المتجهم الكتب الثلاثة أمامه على المكتب، وكأنها حرز من المخدرات، سألني بحدة إن كنت أعرف عقوبة تهريب الأناجيل إلى داخل المملكة، ودون أن يمنحني فرصة للإجابة كان الرجل قد أخبرني بكل هدوء أن آخر واقعة مماثلة انتهت بصاحبها إلى الإعدام.

كان الرجل في مزاج حسن بما يكفي، ليختلق تلك النكتة المخيفة، وبعد أن لاحظ علامات الرعب على وجهي انطلق في القهقهة بصوت عالي، واعتذر عن مزحته ثقيلة الدم، وصرفني متمنيًا لي إقامة سعيدة في المملكة، مع كتابين فقط، فهو كان قد طلب مني أن يحتفظ بإنجيل الجيب، ولم أمانع بالطبع.

وفي الصباح التالي، كان للمزحة التي اعتمد صاحبها على معرفته بتصورات الآخرين الغامضة والمقبضة عن بلاده أن تثبت حذقها. فمع أول يوم للعمل، اكتشفت أن “المبرز” و”الجفر” وغيرها من المواقع التي كان عليّ متابعة أعمال إنشائية بها، هي أسماء لقرى… قرىً حقيقة. ولم يكن يخطر لي قبلها، بأن في السعودية ريف، وريف مثل ذلك الذي أعرفه في مصر، يسير في طرقاته فلاحون من أهل البلد، حفاة أحيانًا، وساحبين مواشيهم خلفهم، ويفلحون الأرض بالفأس. وفي المساء، كنت وعيت لحقيقة أن غالبية سكان محافظة “الإحساء”، أو “الحسا” كما يطلقون هم عليها، من الشيعة.

وبنهاية الأسبوع الأول، كان اللطف الذي يتعامل به الأهالي مع الغرباء، أكثر من أن يحتمل، فركاب السيارات كانوا يتوقفون ويصرون على توصيلي أنا وغيري من المترجلين إلى وجهتنا. وفي المرات القليلة التي نجحت فيها في إقناع سيارة بعد أخرى، بأنني خارج للتمشي، لم أنجو من توقيفي كل بضع أمتار من المارة الراغبين في السلام باليد، وتبادل التحيات الطويلة. وهذه كانت عادة ريفية لطيفة بالطبع، لولا أنه أحيانًا ما صادف مروري أمام المدرسة الابتدائية، موعد انتهاء اليوم الدراسي، ووجدت نفسي أمام طابور طويل من الأطفال وأساتذتهم، المنتظرين دورهم لتحية الضيف الغريب، باليد وبكثير من ضحكات الخجل.

تجولت في ريف “الحسا” بضعة شهور بحكم متطلبات العمل، وكان هناك وجوه كثيرة للسعودية التي لم أرَ منها سوى القليل، ففقر مدقع غير متوقع كان مرئيًا وبوضوح، جنبًا إلى جنب مع الثراء الفاحش، وتبرم واسع ونقد علني للحكومة والأسرة الحاكمة كان يوميًا ومعتادًا، وخاصة من سائق الشركة السعودي الذي لا يزيد راتبه كثيرًا عن السائق الهندي.

 وإلى جانب صداقتي بعبد الله، مدرس الإنجليزية، الذي درس في الولايات المتحدة وكان لديه طموحات لإصلاحات ديمقراطية وليبرالية في بلده، كنت قد صادقت أيضًا والده أبو الحسن، الذي كان فخورًا بانتمائه في الماضي إلى “منظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية”، ومعرفته الشخصية بمؤسسها حسن الصفّار، وكذا بدخوله السجن إثر مشاركته في تظاهرات القطيف الضخمة بين عامي 1979 و1980. أما الوالدة، فكانت هي زبونتنا، وطريقة تعرفي بهما، ولطالما أصرت على مراجعة اللوحات الإنشائية بنفسها مع مكتبنا الهندسي، وكانت لها الكلمة الأخيرة في الاتفاقات المالية مع الشركة.

ولم تكن الأمور دائمًا بهذا اللطف، فبعيدًا عن ريف الحسا وسلاحفه التي تقفز من المجاري المائية، وتجري بعرض الطريق بسرعة مذهلة، كانت الدمام، ومدن المنطقة الشرقية الأخرى الغنية بالنفط، أكثر قسوة على الوافدين، ووجدت الصورة هناك أحيانًا أقرب إلى التصورات المسبقة التي كانت لدي عن البلد.

ومرت عشرة سنوات كاملة، قبل أن أعود لاحقًا إلى ذكريات الحسا. ففي خضم الثورات العربية، زاملت بعضًا من الطلبة السعوديين في الدراسة في بريطانيا، وكان أكبرهم، والذي كان لديه مشروع طموح لإصلاح القطاع الذي يعمل به في بلده، متحمسًا جدًا للثورة المصرية. أما الطالبات الأصغر سنًا، واللاتي كن يتحدثن الإنجليزية بلكنة أمريكية صافية، فلم يبدين اهتمامًا كبيرًا بالسياسة، باستثناء مسألة حقوق المرأة. وخلال العام الذي قضيته معهم، كان لي أن أرى وجوهًا أخرى لبلدهم، لم أتمكن من رؤيتها حين كنت هناك، وسمعت منهم عن الكثير من التغيرات التي حدثت منذ أن غادرتها.

ليست السعودية لغزًا بالتأكيد، ولا مكانًا مغلقًا، فملايين من الوافدين من البلاد العربية وغيرها عاشوا عقودًا هناك، وما زالوا يعيشون، ويعرفون عنها مثل أهلها وأكثر. لكن ما خطر لي هذه الأيام، فيما ينشغل العالم بواحدة من الجرائم الدموية للأسرة الحاكمة السعودية، هو بعض من تلك الذكريات التي ما زلت أحملها بود للشهور القليلة التي قضيتها هناك، وصورة أكثر تعقيدًا وتنوعًا وحيوية ودفئًا لمجتمع ليس بالضرورة مقموعًا بالكامل ولا متماهيًا تمامًا، وليس بالضرورة ثائرًا أو خيّرًا أيضًا. وربما يبدو هذا كله هامشيًا، وبالأخص هذه الأيام تحديدًا. إلا أن النظر للسياسات السعودية سواء الداخلية أو الخارجية، وتحليلها بوجه عام، يظل محصورًا في الأسرة الحاكمة، وفي بعض الأحيان مثلًا لا يتجاوز الأمر سوى صبغ هذا الاختزال بذكريات خبرات سيئة مع الكفيل، ليتم تعميم وصف الشر المطلق على كل المجتمع هناك أيضًا. يظل السعوديون أنفسهم بعيدين عن أي تحليل، أو محاولة للفهم، أو حتى التعاطف حين يكونون ضحايا.

 في النهاية، غالبًا ستمر أزمة خاشقجي، بأقل الخسائر الممكنة لحكام السعودية، لكن ما سيبقى هو حاجة المهتمين بالشأن العام في بلدان منطقتنا لمحاولة الفهم والتواصل ومد الجسور مع السعوديين أنفسهم، لا حكامهم، بوصفهم طرفًا لا غنى عنه وأساسي في السعي لإنقاذ هذه المنطقة مما وصلت إليه، وللعيش فيها جنبًا إلى جنب على أسس أكثر عدالة وإنصافًا، في يوم من الأيام في المستقبل… البعيد بالتأكيد.

نبذة عن الكاتب

شادي لويس

كاتب وباحث مصري، حاصل على شهادة الماجستير في علم النفس من جامعة إيست لندن، يكتب المقال في عدد من المواقع والصحف العربية

Loading Facebook Comments ...