لكل منهم مصلحته الخاصة، لكن يجمعهم الـmap الخاص بحلب

مع اتساع المدة الزمنية، التي تفصلني عن آخر مرة كنت فيها بأحياء حلب الشرقية، وآخر مرة كنت فيها بحي الجزماتي الذي ولدت فيه، يدفعني الشوق والحنين إلى تقليب الصور المخزنة بأرشيفي لشرق حلب،  ولأماكن بعينها في المدينة، كشارع القوتلي وحي المنشية وساحة باب الفرج، وصولاً لجسر الصاخور، وبعض أحياء حلب الأخرى. يدفعني الشوق مع البحث بأرشيفي المصوّر، إلى تصفّح مواقع التواصل الاجتماعي، باحثًا عن الأماكن، لأحاول الاحتفاظ بها في مخيلتي، علّها لا تتلاشى من ذاكرتي.

في حال عدت يومًا ما، سأعلم أن تلك الأرض تسمى حي الشعار، وأن المنازل العشوائية هناك تُسمى حي كرم الدعدع، عسى أن لا أضيع في حال عدت إلى الجامعة، جامعة حلب، وعدت إلى كليتي وقاعات الدراسة وبعض الحدائق وزوايا الشوارع.

 لأجل حفظ الأماكن في مخيلتي، ومع تصفح أرشيفي المصوّر، بدأت أتلصص، من حسابي الشخصي، على الصفحات الشخصية لبعض “المؤيدين” ومراسلي وسائل إعلام النظام، وأشاهد التقارير الخدمية للتلفزيون السوري _ تصوّر! _ وما تبثه قناتا الميادين والكوثر، تولدت لدي عادة بأخذ صورة للشاشة عن شارع ما، أخذت كاميرا مراسل التلفزيون السوري لقطة عامة له، ألتقط الصورة بشغف بخلاف درجة حماس المصور الذي أخذ لقطة عامة، ليحشو تقريره بمشاهد متنوعة.

وعادةً ما أتابع الحسابات الشخصية لهؤلاء المراسلين على مواقع التواصل الاجتماعي، وأتابع الحسابات الشخصية لأولئك كثيري التنقل في حلب.

أتابع أشخاصًا في مختلف المناطق، منهم من يقيم في مناطق خاضعة لسيطرة النظام السوري، ومن يتنقلون بمناطق تخضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية- قسد بجانب من ريف حلب الشرقي، وآخرين في مناطق تنتشر بها عناصر هيئة تحرير الشام، كل هذه المناطق التي أخشى الذهاب إليها.

أحاول جمع صورة كاملة عن حلب، مدينة وريف، وخاصة تلك المناطق التي أشتاقها، ولا أستطيع الوصول إليها لأسباب عدة، خوفاً من الاعتقال والاستهداف.

 ينتابني شعور رائع عندما أشاهد مكانًا ما، كنت قد زرته في السابق ولم يتغير بعد، كأنني وجدت ضالتي!

أتصفح وأبحث بين صفحات المراسلين وكثيري التنقل على موقع انستغرام وتويتر وفيسبوك. وعلى الـMap الخاص بحلب.

 مع تباعد الأيام تغيرت معالم الـ Map الخاص بحلب على مواقع التواصل الاجتماعي، بدأت تأخذ معالم أخرى، فعلى موقع انستغرام على سبيل المثال، أجد صورًا لمقاتلين وموظفين أتراك بريف حلب الشمالي والشرقي. وأجد صورًا لمقاتلين وصحفيين وموظفين أمريكان بمدينتي منبج وكوباني.

وأجد صوراً لمقاتلين وصحفيين ومقاتلين إيرانيين بريف حلب الجنوبي. وفود سياحية أيضاً، وصور لمقاتلين روس بمدينة حلب.

وصور لافتتاح حوزات شيعية بمدينة دير حافر بريف حلب الشرقي، وافتتاح ميتم على اسم الرئيس التركي ببلدة مريمين بريف حلب الشمالي، وسواح عراقيون بحي المشهد بحلب، ومشاهير ولاعبي رياضة روس  بمدينة حلب كذلك. ولافتات للطرق مكتوبة باللغة الكردية وأخرى باللغة التركية وثالثة باللغة الروسية وغيرها بالفارسية وبطبيعة الحال، اللغة الإنجليزية.

لا يجمع ما سبق من تعدد للغات والعسكر والصحفيين إلا الـMap الخاص بحلب على موقع إنستغرام.

أحتفظ بصور خريطة حلب ومعالمها كي أحفظ شوارعها، لئلا أنسى زواياها، لئلا أتوه في دروبها إذا ما عدت إليها يوماً ما.

 حلب الآن، ليست كما حلب التي في ذاكرتنا ولا التي ولدنا بأحياءها، ولا تلك التي تركناها مدمرة، باتت تأخذ معالم أخرى وترفع أعلامًا متعددة، وشعارات جدرانها بلغات عدة، لتتوزع أربع دول على محافظة واحدة ولكل منها أسبابها وأهدافها.

أمازح نفسي ببيت شعر لمحمود درويش: إن سمحوا لك بالتنقل بين أحياء ومدن المحافظة، فمن يعيد لك الرفاق والجدران!

نبذة عن الكاتب

خليفة الخضر

مواطن صحفي مقيم في الشمال السوري

Loading Facebook Comments ...