ناديا مُراد و”هزيمة القوة”

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

تكاد الناشطة اليزيدية ناديا مُراد أن تجمع كامل مكامن التهميش والاستبعاد و”الضعف” حسب معايير القوة وتراتبية السلم الاجتماعي في منطقتنا. فناديا مُراد أولاً يزيدية، لا تنتمي للجماعة الدينية المركزية في بلاد غارقة في سيمياء وهيمنة الدين على الحياة العامة، فمُراد ليست ولن تكون يوماً رمزاً لواحدة من الجماعتين الطائفيتين الرئيسيتين العراق، الشيعية والسُنية على حد سواء.

كذلك فأن مُراد لا تنتمي إلى الجُغرافية المركزية في العراق، فهي ليست من العاصمة بغداد أو أحدى المُدن الرئيسية، كالموصل أو أربيل والبصرة، بل مُجرد ريفية من السهوب البرية القصية غرب البِلاد. فوق ذلك فأن مُراد في رؤية الغالبية الغالبة من العراقيين أنما كُردية، كونها لا تعرف التحدث إلا بالكُردية. كذلك فأن ناديا أنثى في مُجتمع بالغ الذكورة، وتنتمي لعائلة فقيرة في دولة نفطية رعوية، مُستسلمة للنهبٍ عام مثل العراق، كذلك فأنها لم تستحصل على تحصيلٍ تعليمي مناسب ولا تستحوذ على مهارات مهنية ذات مضمون وقابلية للاستثمار.

لكن قبل كُل ذلك، فأن مُراد صارت في وقت ما من حياتها ضحية لأفظع جريمة يُمكن أن تطال فرداً أو جماعة ما، بالذات جماعة تقليدية كيزيدي العراق، الذين يُعتبرون الاعتداد الذكوري وحماية النساء من الاعتداء الجسدي واحداً من المكونات الرئيسية لمنظومة القيم والأخلاق في حياتهم.

لكن ذلك كُله لم يكن عائقاً أمام مُراد لأن تحصل على أرفع وسام استحقاق عالمي، يعترف بجدارتها وحيويتها ودورها في الفاعلية العامة للحِراك العالمي. فمُراد ليست مُجرد ضحية سلبية ساكنة ومُستسلمة، كضحية لما يُعتقد أنه ضعفها وهوانها، ولم تقع في براثن اليأس والسلبية والصمت.

بهذا المعنى، وضمن هذه الفاعلية اليومية، فأن جدارة مُراد تظهر أولاً في قُدرتها الباهرة للخروج من دائرة ديناميكيات الضُعف التي حيكت حولها من كُل حدب، وصارت تُشيدُ وتنسج عمارة الفاعلية والإنتاج، بعيداً عن سماجة البُكائيات المُريعة التي يفعلها الضحايا عادة.

انتصرت مُراد في ذلك بناء على أربعة آليات عمل واستراتيجيات خلقتها كإطار عمومي لنشاطها و”نضالها” الإنساني في سبيل قضيتها.

فقد اعتبرت أن البقاء في ظلال دوائر القوة التقليدية أنما يعني هزيمة موضوعية لها ولقضيتها. فمُراد لم تركن إلى العمل كيزيدية أو كُردية أو ريفية، ولا كضحية تعرضت لجريمة اغتصاب فظيعة، بل ركزت نشاطها وخطابها كإنسانة تعرضت لمأساة مُريعة على يد بشر آخرين، وأن هذا الاعتداء له أبعاد وأُسس موضوعية، حيث لا يُمكن تجاوز الجريمة وإمكانية تكرارها قبل تجاوز الأبعاد الموضوعية التي خلقتها.

كذلك فأن مُراد اعتبرت بأن الجريمة التي طالتها، والتي كانت نتيجة ومُحصلة لعلاقات العُنف والعسكرة التي تجتاح المُجتمع أنما لا يُمكن الرد عليها بعُنفٍ وعسكرة مُضادة، لأن شيئاً من ذلك قد يُعيد إنتاج نفس الفظاعة التي طالت مُراد، وإن بحق بشرٍ آخرين، حتى لو كانوا من “جماعة” وبيئة المُعتدين، لكنهم في موقفهم وموقعهم المُجتمعي أنما يُطابقون ما كانت تحتله مُراد في مُجتمعها، الضُعفاء المهمشون.

المستوى الأعلى من استراتيجية مُراد كان في رفض نشر خطاب الكراهية الذي يُنتج تلك السلوكيات والأفعال من العُنف والعسكرة. فالكراهية المتأتية من جبال الأوهام والخطابات التي تراكمت حول الجماعة اليزيدية في المنطقة، هي التي أنتجت في المُحصلة هذا الفظاعة، وهي بهذا المعنى، أي الأوهام والكراهية، لا يُمكن لها أن تكون حلاً ناجزاً لما تعرضت له مُراد.

أخيراً فأن مُراد وأمثالها من الناشطات قد خرجن من دائرة الثُنائيات، فهي لم تعتبر قضيتها قضية الجماعة اليزيدية الموجهة ضد الجماعة المُسلمة، أو قضية الكُرد ضد نِظرائهم العرب… وهكذا. بل فقط مسألة مستويين من التشكيل الاجتماعي، المُجتمعات المُستكينة والغارقة في نضالها اليومي والرتيب في سُبل الحياة العادية، وبين التشكيلات الوحشية التي تشكل حصلية لعبة الاستخبارات والأنظمة والأجهزة والطبقات والنُخب الحاكمة والمُهيمنة، كتنظيم داعش.

هزمت مُراد في أعدائها كُل ما يعتقدون بأنه مكامن قوتهم المتوهمة، رجولتهم الذكورية وعنفهم الأرعن وأوهام الجماعات التي يُراكمونها في أروحهم وعقولهم، وأولاً خطابات الكراهية والثُنائيات القاتلة.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...