جُذام كُردي اسمه مليكة مزان

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

 

قبل أيام قليلة سأل صحفي كُردي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن رأيه بالشعب الكُردي، فرد الأخير بدبلوماسية وإطراء تقليدي، تفعله كافة الشخصيات العامة عادة حينما تُسأل عن جماعة أهلية ما، قائلاً بأن الشعب الكُردي شعبٌ شُجاع، وأنهم قاتلوا إلى جانب القوات الأمريكية في معارك محاربة تنظيم داعش الإرهابي، وأن الولايات المُتحدة أنما سوف تواظب على دعمها لتطلعات هذه الشعب في منطقة الشرق الأوسط.

أثار ذلك التعليق من الرئيس الأمريكي موجة ترحيب وبهجة مُنقطعة النظير من قِبل فئات واسعة من الناشطين والفاعلين الكُرد على شبكات التواصل الاجتماعي.

كان ثمة إحساس واسع بأن كلمات الإطراء العادية والمُبتسرة التي أطلقها الرئيس الأمريكي أنما فعل استثنائي بحق الجماعة الكُردية، فهي اعتبرت بمثابة اعتراف عالمي بتمايز الشعب الكُردي بالشجاعة، دون غيره من الشعوب، بالذات شعوب المنطقة، وأن الكُرد نالوا عبر كلمات الرئيس الأمريكي ما كانوا يصبون إليه من اعتراف بالفضل والشراكة من قِبل رئيس أقوى دولة في العالم.

لهذا الهيجان الكُردي تجاه أي اعتراف بوجودهم ودورهم تُراث عميق في تاريخ هذه الجماعة، فما أن تذكر أو تعترف شخصية عامة أو مؤسسة إقليمية أو عالمية بدور أو أثر للكُرد أو لشخصية كُردية بفعل عامٍ ما، أياً كان مستوى ومصداقية وسياق ذلك التصريح، حتى تسترخي أسارير الغالبية العُظمى من هؤلاء الكُرد، إذ يستشعرون بمزيج من الامتنان والبهجة بهذه الشخصية أو المؤسسة، مع كثير من الرضى والانتشاء تجاه الذات.

تُشكل العلاقة النفسية والرمزي للكُرد مع من تعتبر نفسها، ويعتبرها الكُرد، “شاعرة أمازيغية”، هي مليكة مزان، تُشكل نموذجاً لتلك العلاقة القلقة التي يعيشها الكُرد، التي أشبه ما تكون مرضاً عاماً.

فمزان لا تتعدى كونها شخصية يوتيوبية مُضطربة، تنشر مقاطع متواترة ومُتطابقة، تُعبر في كُل منها عن حُبها للكُرد ودفاعها عن حقهم المشروع في بناء دولتهم وسُلطتهم المُستقلة، مثلهم مثل أبناء الجماعة الأمازيغية في مناطق شمال افريقيا، مع شيء كثير من خطاب الكراهية تجاه العرب، الذين تعتبرهم مزان قوة احتلال للمناطق الأمازيغية والكُردية.

لا ينقص منشورات مزان كُل أشكال الفاشية الاجتماعية والسياسية، فوق ذلك فأنها تكتز قدراً كبيراً من سوء المعرفة بالأحوال والمسارات الثقافية والسياسية المُحيطة بالمسألة الكُردية في المنطقة، كذلك فأنها لا تُضيف أية قيمة معرفية أو أخلاقية للمسألة الكُردية، فما تقوله أشبه ما يكون بشعارات اطلاقية بحق الكُرد، وشتائم جوفاء تجاه من تعتبرهم جماعة مُعادية بكاملها للأمازيغ والكُرد بشكل مُشترك، أي العرب، مع الكثير من ظواهر سوء الاستقرار النفسي والاستعراض الجنسي أثناء نشرها لتلك الفيديوهات.

يُصاب الأكراد بشبه جُذام أذا صدر شيء ما يعتبرونه إيجابياً بحقهم، سواء كان كلاماً منمقاً وإطراء تقليدياً من قِبل رئيس دولة مثل دونالد ترامب، أو فيديوهات ساذجة صادرة من مُختلة مثل مليكة مزان، وما قد يكون بينهُما من شخصيات ومؤسسات. إذ لا فرق ولا حساسية في الوجدان العام الكُردي تجاه طبيعة هذه الخطابات وقيمتها الفعلية ودورها ومدى منفعتها على الحالة الكُردية، كما لا يُهم مستوى ومدى مصداقية الشخصية أو المؤسسة التي تقوم بهذا الفعل.

ثمة تراث هائل من النُكران السياسي وعدم الاعتراف الاجتماعي والثقافي بالكُرد، مارسته الأنظمة والحكومات والإيديولوجيات السياسية والثقافية التي هيمنت على الدول الأربعة التي عاش بها الكُرد طوال القرن العشرين، دفعهم لأن يُصابوا بمثل هذا الجزام. فأي شيء من الاعتراف أو التعبير عن التضامن مع الكُرد وقضيتهم، يُترجم في الذات الجمعية الكُردية على أنه سياق مُضاد ومُناهض لحالة النُكران وعدم الاعتراف التي تطالهم مُنذ أكثر من قرن وحتى الآن.

تُظهر هذه البهجة والاحتفالية الكُردية في حقيقتها العميقة ضُعفاً وهواناً واهتراء لهذه الجماعة، ناتجاً عن آلام وآثار النكران التي طالتهم لعشرات العقود.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...