تساؤلات حول فيلم “عن الآباء والأبناء” لطلال ديركي

يبدأ فيلم “عن الآباء والأبناء” للمخرج طلال ديركي، والحائز على عدة جوائز أبرزها جائزة في مهرجان ساندانس السينمائي، بمشهد لأطفال يلعبون كرة القدم على أرض ترابيّة. نستطيع أن نشعر من خلال الصورة بالخراب الهائل في البيئة المحيطة بالمكان.

استطاع ديركي وبشجاعة يُحسد عليها الوصول إلى أماكن لم يصل إليها صحفيون أو مخرجون آخرون واستطاع كسب ثقة رجال منتمين لتنظيم “جبهة النصرة” بذكاء كبير، وتصوير الوثائقي على مدار سنتين ونصف وخلال ست زيارات إلى الداخل السوري، حسبما صرح ديركي في حديث لوكالة رويترز على هامش عرض الفيلم في مهرجان الجونة السينمائي.

أخرج طلال ديركي فيلمًا جيدَ الصنعة من الناحية البصريّة والسمعيّة. لكن السؤال الأول الذي يتبادر للذهن ليس سؤالًا عن الصنعة السينمائيّة إنّما سؤال عن الموضوع: لماذا نصنع فيلمًا عن الحياة الشخصيّة لأفراد منتمين إلى منظمة “إرهابيّة”؟

الجواب البديهي هو: المعرفة. أن نعرف عنهم أكثر، أن نعرف من هؤلاء ومن هم ومن أين أتوا وكيف يفكرون وكيف يتصرفون في حياتهم اليوميّة. لكن، ما هو الخيط الفاصل بين أن يروّج الفيلم لأفكار جبهة النصرة أو أن يكون تسجيليًا يصور الحقائق؟

الخيط الفاصل هو المشاهد. فلو كان مشاهد الفيلم ممن يرفضون أفكار المتطرفين وأقوالهم سوف يرى فيلمًا يصور غباء هذه المجموعات وأفكارها الهاربة من العصور الوسطى والتي لا يناقشها الإنسان العاقل كي لا يضيع وقت النقاش سدى، لكن لو كان مشاهد الفيلم من المتأثرين بأفكار ومعتقدات جبهة النصرة وتنظيم القاعدة وتنظيمات مماثلة فسيرى في الفيلم ما يشجعه على الانضمام إليهم؛ فأولئك قوم يعيشون ويتبادلون النكات ويضحكون ويفقدون أولادهم وحيواتهم في سبيل ما يؤمنون به، وفوق ذلك كلّه يستطيعون الزواج من أربع نساء دفعة واحدة، كما ظهر في حديث بين أبو أسامة (الشخصيّة الرئيسيّة في الفيلم مع أولاده) وأحد أصدقائه. أليس إظهار ما سبق كافٍ لدفع العديد من المتطرفين إلى الانضمام إلى مجموعات متطرفة تشبه جبهة النصرة؟

رغم ذلك يبقى الفيلم وثيقة هامة عن الجبهة وعن تفاصيل حياة يوميّة لإحدى عائلات هذا التنظيم المنبثق من رحم تنظيم القاعدة.

على الجانب الآخر ونقيضًا لهذه الأفكار، يُظهر الفيلم جبهة النصرة كطرفٍ في القتال السوري وفي الجانب الآخر هناك النظام السوري. لا جهات أخرى ولا أطراف أخرى ولا متقاتلين آخرين، وكأن الحرب السوريّة ليست أعقد من أن يتم اختزالها بطرفين فقط: طرف هو النظام السوري الذي يقاتل الطرف الآخر المتكون من متطرفين بلحى طويلة يريدون فرض شريعتهم على الناس.

أليس هذا ما يحاول النظام ترويجه منذ بداية الثورة؟ أليس ما يحاول أن يقوله لنا من خلال أفلامه السينمائيّة وقنواته الفضائيّة هو أنه يخوض حربًا ضد “الإرهاب” والمجموعات “الإرهابيّة”؟

كي لا يُفهم كلامي بشكل خاطئ، أنا لا أقول إنّ طلال ديركي يتبنى حديث نظام بشار الأسد.. ومعرفتي بآراء طلال (وحتى معرفتي الشخصيّة به) تسمح لي بالقول بأنّه على الطرف النقيض من نظام الأسد بمواقفه وآرائه، لكنّه في هذا الفيلم وقع في مطب تشابه روايته مع رواية النظام، ومن ليس لديه اطلاع كاف على الوضع السوري سيقع في هذا الفخ، وأولئك كثر، أقصد غير المطلعين على الوضع السوري، ومنهم فنانون كبار ومحكّمون في مهرجانات سينمائيّة دوليّة.

هنا يتبادر إلى الذهن السؤال عن هدف السينما السوريّة والأفلام السوريّة المستقلة عن النظام السوري؟ ما الذي تحاول هذه الأفلام قوله وما الذي تحاول إيصاله إلى جمهورها، الجديد في معظمه؟ نحن نتحدث هنا عن الأفلام الوثائقيّة والتسجيليّة بشكل خاص.

يؤخذ على الفيلم أيضًا، مثل معظم الأفلام السوريّة، عدم احترام الأفراد ورغبتهم في الظهور على الكاميرا. في أحد مشاهد “عن الآباء والأبناء” تظهر مجموعة من الأسرى، والتي يفترض أنّهم من مقاتلي النظام، مربوطي الأيدي واقعين تحت تهديد سلاح مقاتلي جبهة النصرة. تركز الكاميرا في إحدى لقطات هذا المشهد على وجه أحد الأسرى الذي يبكي بخوف. لقطة مؤثرة جدًا وهذا المشهد هو إحدى ذروات الفيلم. مشهد ثقيل على المشاهد وعلى مشاعره. السؤال هنا متعلق بالأسير وليس بالفيلم أو بالمشاهد: هل من واجب الفيلم أن يظهر لنا هذا المشهد؟ هل هذه وظيفة الفيلم؟ هل حصل المخرج على موافقة هذا الأسير كي يُظهر صورته وهو يبكي مصيره المجهول؟ مشهد مؤثر جدًا لكن ماذا لو كان أخ هذا الأسير يجلس في إحدى الصالات ويشاهد الفيلم؟ هل هكذا تحترم السينما الوثائقيّة حقوق الأسرى؟

بشكل عام يبحث الفيلم في ثقافة العنف بين أفراد جبهة النصرة، وخاصة في العلاقات بين الآباء والأبناء، كما هو واضح في العنوان، لكن في الحقيقة كان الفيلم يبحث عن العنف ضمن دائرة عائلة أبو أسامة بشكل عام ولم يركز على العلاقة بين الأب وابنه، لم تظهر الحكاية بشكل واضح بل كانت مشتتة ضمن باقي الحكايات.

في أحد المشاهد يسأل طلال ديركي أبو أسامة عن ابنه وعن مشاعره عندما تم اعتقاله قبل الثورة بسنوات وعن تركه لابنه الصغير في قريتهم في ريف مدينة إدلب. يتحدث الأب برقة وبمشاعر جياشة عن ابنه وعن رائحة ابنه التي تخرج من القلب. وفي مشهد آخر عندما تُقطع رجل أبو أسامة من جراء انفجار لغم أرضي بها، يجهش ابنه أسامة بالبكاء محتضنًا والده. هذان المشهدان من أكثر المشاهد جماليّة وتأثيرًا في الفيلم. لماذا لم يركز الفيلم على هذه العلاقة وشتتنا بحكايات أخرى جانبيّة مثل حكايات الأولاد وحكايات جبهات القتال وحكايات الرجال؟

يبدأ الفيلم بمقطع صوتي للمخرج وهو يتحدث عن عودته إلى سوريا وينتهي الفيلم بمقطع صوتي آخر للمخرج وهو يتحدث عن أنّ هذه البلاد لم تعد بلاده وكيف تشوهّت هذه البلاد. هكذا يغلق المخرج الباب خلفه ويرحل. نعود هنا إلى نقطة إظهار البلاد منقسمة بين بشار الأسد وجيشه وشبيحته وبين جبهة النصرة ورجالها، وهذا حديث بعض المستشرقين الذين لا يرون فينا إلا لحى دينيّة أو دكتاتوريات عسكريّة.

نبذة عن الكاتب

دلير يوسف

‏ كاتب ومخرج من سورية، مقيم حالياً في العاصمة الألمانية برلين

Loading Facebook Comments ...