الثلاثة الذين قتلوا تارة فارس

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

 

قُتلت عارضة الأزياء والموديلز وشخصية التواصل الاجتماعي العراقية تارة عباس قبل أيامٍ قليلة وسط العاصمة بغداد، حيث أقدم شخصان يستقلان دراجة نارية على إطلاق رصاصات مباشرة على رأس وصدر فارس، ثُم لاذا بالفرار، كما أظهرت لقطات صورتها كاميرات المراقبة في منطقة الكمب. كانت فارس وصيفة لملكة جمال العراق، وقد اشتهرت بظهورها الجريء على مواقع التواصل الاجتماعي، وعرضها للأزياء الحديثة عبر هذه الوسائل.

تقول المرويات العراقية بأن فارس كانت تنحدر من عائلة مسيحية بغدادية، وأنها كانت تخفي ذلك، وتُظهر وشاماً على جسدها لشخصيات دينية شيعية، كتقية ومُرآة للجماعات المُسلحة المُنتشرة في العاصمة بغداد. وأن فارس كانت قد زُوجت مُبكراً وهي في سن السادسة عشرة، وأنجبت أبنها الوحيد، قبل أن تنفصل عن زوجها فيما بعد.

قبل مقتل فارس بيومين فقط، قُتلت الناشطة العراقية سعاد العلي بإطلاق نار في مدينة البصرة التي شهدت مؤخراً احتجاجات واسعة معارضة للحكومة، وكانت العلي مشهورة بظهورها الجريء في ساحات الاعتصام للتنديد بالحكومة والميليشيات المُسلحة الطائفية التي تُهيمن على كُل شيء في مُدن جنوب العراق. وقبلهُما كانت خبيرة التجميل العراقية رفيف الياسري قد قُتلت في ظروف غامضة، وكذلك الخبيرة الأخرى رشا الحسن.

بغض النظر عن الفاعلين المُباشرين، الذين تُصرح وزارة الداخلية وأجهزة المخابرات العراقية بإلقاء القبض عليهم بين فترة وأخرى، فأن تواتر هذه الجرائم وتنوع مناطق حدوثها، وكذلك لطبيعية وأداور وهوية الشخصيات التي تتعرض لعمليات الاغتيال هذه، فأنه ثمة دلالة على وجود بُنية عميقة ومُتكاملة في الحياة العامة العراقية، تُنتج وتشرعن وتُسهل ارتكاب مثل هذه الأفعال بحق الناشطين و”المتمردين” الاجتماعيين والثقافيين العراقيين.

فالقتلة المُباشرين الذين تُلقي وزارة الداخلية وأجهزة الأمن العراقية، ليسوا إلا نتيجة لتراكب ثلاثة أحوال عراقية عامة واضحة المعالم، هي التي تُنتج العوالم الموضوعية لحدوث مثل هذه الجرائم بكُل سلاسة في المُجتمع العراقي.

فالعراق أولاً، وخصوصاً العاصمة بغداد والمناطق الجنوبية منه، التي تُشكل مركز الثقل السياسي والمُجتمعي في هذه الدولة، هذا العراق غارق في بِحار من الهيمنة الرمزية والمادية والسياسية والخطابية للأحزاب الدينية الطائفية الراديكالية.

فهذه الأحزاب حينما تنشر وتثبت الخطابات الراديكالية الدينية والاجتماعية، أنما تخلق فضاء عاماً لارتكاب مثل هذه الجرائم. فشيطنة النساء ومحاربة المبادرات الاجتماعية الحديثة، خصوصاً تلك التي تتمركز حول شخصيات أو قضايا نسائية، والتهافت على خلق ونشر شكل من الوعي القروسطي الذكوري، الذي يتمركز حول البطولة والعائلة والجماعات المُمتدة والذكورة والعُنف والثأرية، أنما تخلق عالماً اجتماعياً ورمزياً مناسباً لأن تنبت به مثل تلك الأفعال، ضد الشخصيات التي تُحطم بمبادراتها وطروحاتها وسلوكياتها تلك الفضاءات العمومية التي تخلقها هذه الأحزاب والتيارات الدينية.

على جنبات هذه الأحزاب الدينية ثمة آلاف الجماعات المُسلحة، التي يُشرعنها القانون العام، ولا تستطيع أية سُلطة عامة أن تقف بوجهها. تمتد هذه الجماعات من الجيش وأجهزة الأمن، حيث يتعدى عددها ونسبتها إلى مجموع السُكان في العراق أية نسبة اخرى في الدول والمُجتمعات الأخرى، حتى أنها تظهر وكأنها شكل من اشكال البطالة المُقننة، وتصل إلى مئات الفصائل من تنظيمات الحشد الشعبي شديدة الراديكالية، ومعها العشائر والقبائل المُسلحة، التي تشتعل بين فترة وأخرى أشباه حروبٍ فيما بينها، وبين ذلك ثمة الشركات الأمنية الخاصة والأفراد المُسلحون وقوى التمرد على سُلطة الدولة.

غابة السلاح العراقي هذه ليس فاعلاً سلبياً، بل هي من أهم المعالم التي تشكل الشخصية العامة العراقية، التي تميل لاستسهال فكرة القِتال والعُنف والثأر، وتزدري ما تعتبره قيّماً وأفعالاً ومبادرات نسوية، تمس شخصية ورمزية هذه الجماعات المُسلحة وأدوارها وسُلطتها المُجتمعية.

ليس من مُعين لتلك التيارات الدينية وهذه الفصائل المُسلحة مثل شكل وبُنيان الاقتصاد العراقي، القائم على ريعية مُريعة للدولة تجاه أمة المواطنين العراقيين.

إذ تقريباً ليس في العراق من اقتصاد، إنما مُجرد عملية مالية مُبتسرة، تبيع الدولة عبرها النفط، ثم توزع جزء من عوائده بشكل غير عادل على هؤلاء المواطنين. أن ذلك النمط الاقتصادي بالغ التأثير على الشخصية والفعل العام في البِلاد، إذ يُحطم روح المبادرة وقيمة ودور العمل في هذا المُجتمع، ويدفع بإلحاح نحو العطالة العامة المُجتمعية والفردية، وتدفع طبقات واسعة من اليافعين والصبية العراقية لأن يُأخذوا بالخطابات والجماعات والسلوكيات الراديكالية والعنيفة.

التيارات الدينية الراديكالية وغابة السلاح ونمط الاقتصاد العراقي هي التي قتلت تارة فارس وغيرها من النساء العراقيات، أما القاتل المباشر فهو مُجرد قاتل ساذج وتافه، آمن للحظة ما بأن جريمته أنما شيء ذو معنى وقيمة.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...