جمعة القبضاي والأجخن النذل

  في ثمانينات القرن الماضي وببداياتها على وجه التحديد، حال كل صيف، كنا نقضي العطلة الصيفية في القرية، حيث مسقط رأس والدي أطال الله عمره.

هناك في الريف الكسول صيفاً حيث تنشأ مع ناظم الغزالي وياس خضر وفؤاد سالم وسعدون جابر ومحمد عبده، أيام الكاسيت ومسجلات توشيبا الصلبة التي كانت مدرعة حقيقية يتفاخر مالكها بتفوقها على مثيلاتها من الماركات المحدودة الأخرى، والظل يكاد لا يغطي مساحة قط هارب من الحر، كان بيت عمي يفتح بوابته على جهة الغرب، تتسرب من البوابة الغربية الحديدية نسمات عليلة تزيد من زرقة اللون الأزرق على الجدران، حيث كانت الجدران تلك الأيام تنقسم لونيًا إلى نصفين وكل نصف بلون مختلف، أزرق وأبيض، أزرق سماوي وأزرق فيروزي، هو ديكور إلى حد ما أو حداثة استخدام الألوان بعد بزوغ عهد البلوك وبداية انقراض بيوت اللبن والطين وطقوس دهان الحوارة على الجدران الداخلية التي كانت تعطي البيوت رائحة الرطوبة المنعشة، في تلك العصرية التي تشبه غيرها من العصريات، قام عمي ووضع شريط كاسيت عتابات لناظم الغزالي وصوت الكمنجة كان يداعب صوت ناظم الآسر، جلس عمي على طراحة واتكأ على المسند، المسند عبارة عن أسطوانة دائرية أو مستطيلة الشكل إلى حد ما تؤمّن للمتكئ دعامة استناد تريحه في جلسته الطويلة، وبرّاد الشاي الستانلس الصغير الذي كان يعتبر أهم كل أدوات البيت.

يطل ضيف لا أذكر اسمه، كان قليل الحضور وطاعنًا في السن، وليس من رواد بيت الضيافة الدائمين، دوري الطبيعي هو صبّاب الشاي حسب تقاليد الريف، فقمت وأحضرت كأس شاي وصببت الشاي كما علمني عمي باهتمام وتقدير للمشروب الأغلى على قلوب الناس. تدور رحى الأحاديث بينه وبين عمي نحو استذكار حوادث قديمة مع الترحم على الأسماء التي ترد أو الدعاء لها بطول العمر، إلى أن جاء اسم جمعة، كان عمي يرفق اسم جمعة بوصفه بالقبضاي الله يرحمه، فبادرت بالسؤال بدافع الفضول: مين جمعة؟ قال لي: “ما بتعرفو عمي هادا انقتل من زمان، من شي تلاتين سنة يمكن”، فزادت كلمة “انقتل” من فضولي أكثر، طفل بعمر ثماني سنوات يسمع بجريمة قتل بزمن لا بلاي ستيشن فيه ولا أدوات الكترونية نلهو بها كان كافياً ليجعل الفضول والأدرينالين سيد الموقف، فقلت لعمي: مين قتله وليش؟ قال لي  بتنهيدة: “أوووف يا عم، هي قصة طويلة يا عمي، بلالك ياها، بس رح إحكيلك ياها لتعرف كيف النذل بيعيش وكيف بيموت القبضاي”.

“جمعة كان زلمة بألف زلمة، جمعة كان يسحب الضبع من وكره، مرة فات عالضيعة وهو جاي من البرية وحامل ضبع على كتافه، طويل هيك وجهم، أبيضاني وحليوة، صوته حلو رحمة الله عليه وروحه مرحة، بالعراس بتلاقيه متل الدينمو، من هون لهون ورقص ودبكة وغناء، كانوا الكل يحبوه، إذا فات على سهرة بيستلم الحديث وبيخلي الناس مالها قلب تقوم، شهم لأبعد الحدود، بيتدخل حتى لو ما بيعنيه الأمر أو الخلاف، مافي خلاف بيصير بالضيعة إلا وجمعة قادر يلاقي حل حتى لو استخدم إيدو، الله كان عاطيه القوة رحمة الله عليه، الأغاوات ما كانوا يحبوه لأنو نفسه جئمة وما بيطيع لحدا منهن”، حكاها عمي وعيونه تلمع إعجابًا لم أره من قبل على وجهه.

“جمعة كان يتحدى الآغا ذات نفسه، وصل لمستوى ما يرد عالآغا ولا عالدرك ولا على ابن إنسان، زلمة طول بعرض وعندو غنمه ومانو سألان عن حدا”، واستمر عمي أبو عجاج بسرد مواقف حصلت بين جمعة وبين آغا القرية تلك الأيام.

فباغته بالسؤال: وكيف انقتل؟ الآغا قتله؟

قال لي “يا ريت، كنا قلنا زلمة قتله، بس يا مرحوم البي قتله الأجخن”.

هنا للمرة الأولى يتدخل الضيف الهرم “لعنة الله عليه وعلى ذكره، تفيه حيشى السامعين”.

  • الأجخن هو الشخص الذي يخن في حديثه فيبدو كأنه يتحدث من أنفه –

تابع عمي كلامه “ندل كلب حيشا السامعين، واحد حقو فرنك، غدر جمعة وقتله بالبرية، بيقولو بعتو الآغا يقتله، بيقوله لحاله، بس الأكيد إنو قتله غدر”.

  • كيف غدر فيه؟

يغير العم جلسته قليلًا ويقول: “طلب الأجخن من جمعة يصير يطلع معو عالبرية يتسلى مع جمعة بالرعي، جمعة قلك بلاقي حدا اتسلى معو، ومرة من المرات بالعصريات جمعة قلو بدي نام عينك عالغنم من الديب لا يجي. ووقت غفي جمعة نط هداك عليه بالسكين وضربو ببطنو، وبلش الدم يفر من بطن جمعة، بس جمعة ما مات وقام وراه يركض وهو عم ينزف، لوصلو الأجخن وجمعة لمشارف القرية وجمعة ماسك جرحه والدم عم يغرقه، وحملوه أهل الضيعة عالمستوصف بس كان فات الأوان ومات جمعة موتة رخيصة، قتله واحد نذل وقتله غدر. مات جمعة وهو مقهور ويقلن قتلني غدر الجبان، غدرني ابن الحرام”.

قلت له: وين هو الأجخن؟

قال لي: “بتعرفه يمكن إذا شفته، مربوع ونحيف بتلاقيه قاعد على مصطبة بيت النعسان، بيلف السلك على وجهه أغلب الوقت، بيخاف يتطلعوا الناس بوجهه كتر مانوا خسيس”.

قلت له:  “وما سجنوه الدولة؟”.

يتابع العم أبو عجاج “مسكوه الدرك وحطوه بالحبس وقعد كم شهر وطالعه الآغا وما عاد حدا استرجى يحكي بالقصة، ومات جمعة، وعاش الأجخن، بس ما خلصنا من شره لابن الحرام، دبح أخته بعد فترة، شحطها من راسها لعند القناية عند بيت عامد وهي تترجاه وتبوس إيدو وتقله مظلومة، قبل ما الناس تلتم حواليه سحب الموس ودبحها من الإدن للإدن، قال حكو على عرضها وقتها، جابو الداية وقت غسلوها وفحصتها وقالتلن: البنت طاهرة والبنت لساتها بنت، والله لا يسامح أخوها لا دنيا ولا آخرة”.

  • طيب وشو عملت العالم؟

 يهز العم أبو عجاج رأسه ويعلو صوته “ما حدا عمل شي، الكل سكت، قتل جمعة وقتل أخته ولهلأ عايش النذل”.

مج عمي من سيجارة التتن وهو يهم بالحديث، فالتفت إلى ضيفه، الضيف الغريب كان  يبكي بكاء مكتومًا “شوف لقلك، طول عمرو القبضاي بيموت والنذل بيعيش، بس جمعة قتله النذل، يعني النذل قتل القبضاي، وليكو لساته عايش والناس نسيت والتهت بحالها، وراح الآغا وإجت حكومة وراحت حكومة وانقلابات ووحدة وانفصال ودنيا، ولساتو النذل عايش”.

أذكر بعدها بثلاثة عقود من الزمن، في نيسان 2011، حيث زمن الثورة الجميل، يمسك بي صديقي من لبنان ويخاطبني بمحبة قل نظيرها “ليك لقلك شغلة، بكرة بتمر الأيام وبتشوف كيف هالشباب يلي عم تموت رح تنساها الناس، بكرة بتشتي الدني على صورهن وبتنساهن البلد والناس، ما بدي شوف صورتك على حيط ولا بدي افرح فيك شهيد، خسرنا رفقات كتير وقوصنالن وهتفنالن، بس ليكني عشت وهنن ماتوا، ما عم قلك وقف مع النظام، بتمنى تربحوا من قلبي وشوف هالبلد متل ما لازم تكون، بس دير بالك على حالك بس هيك”.

لا يكاد يوم يمر علي دون أن أرى الأجخن مرتدياً طقما رسمياً يهرطق باسم الثورة عن الذكاء السياسي والواقعية السياسية، وأرى جمعة في صور الشهداء تحت التعذيب وفيديوهات الشهداء المضرجة بدمائها في المظاهرات، قتلهم الأجخن وقتلنا جميعًا، وعاش الأجخن يحكي باسم الشهداء ويتنعم بالمال والامتيازات والممولين ومشاريع العدالة اللا-انتقامية وعاشت الواقعية السياسية وعاشت عبارة فيصل ابن الشريف حسين، شعار الأنذال  والقاموس السياسي للسياسيين العرب “ليس بالأمكان أفضل مما كان”، كان جمعة يخشى الذئب وغدره، لم يحسب جمعة أن الذيب له شكل ابن جلدته.

نبذة عن الكاتب

وائل عبد الله

وائل عبد الله، خريج كلية الإعلام، قسم التعليم المفتوح. حاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يعمل حالياً كاستشاري في قطاع إدارة المخاطر.

Loading Facebook Comments ...