طعم الإسمنت لزياد كلثوم: شعرية البنائين السوريين

ضمن إطار مهرجان السينما الألمانية في بيروت 2018، عُرض فيلم “طعم الإسمنت” للمخرج السوري زياد كلثوم، الفيلم من إنتاج مؤسسة بدايات للإنتاج السمعي البصري وBasis للفيلم الألماني، وبدعم من آفاق-الصندوق العربي للثقافة والفنون. هذا التعاون على مستوى الإنتاج أثمر طعم الإسمنت الذي فاز بـ22 جائزة في مهرجانات سينمائية حول العالم.

منذ اللقطات الافتتاحية الأولى على تضاريس صخرية، وبحركة كاميرا بإيقاع بطيء، يعلن المخرج كثلوم بأننا أمام فيلم يحمل الكثير على مستوى التشكيل البصري للصورة. كأن اللقطات الأولى تعلن عن نوع سينمائي ينتمي إلى المتعة البصرية التشكيلية؛ لقطات حيث الإسمنت ينتشر كمياه نهر ليغطي كامل الكاميرا، تشابك أسلاك الحديد التأسيسية في البناء والعمارة، انعكاسات الظل والنور على وجوه الشخصيات الأساسية في الفيلم، والإضاءة والعتم في المساحات التي تصورها الكاميرا كمكان إقامة الشخصيات الرئيسية. إذاً، إنها الجمالية الشعرية تلك التي يقترحها المخرج من مشهدية اللقطات الأولى، لكنها لا تعتمد على الصورة فحسب، فجهود ممتازة قدمت أيضًا لأجل الشريط السمعي للفيلم، تجعل من الأسلوبية السمعية مجالًا هامًا أيضًا للحديث عن جماليات الفيلم، سنتطرق إليها لاحقًا.

مع الشريط البصري للفيلم، غير المبني على تتالية سردية بالضرورة، يرافقنا صوت لراوٍ وحيد يروي ذكرياته عن والده الذي كان عامل بناء في بيروت، بينما يعيل أسرته التي يعود إليها بين الفترة والأخرى في سوريا. اللقاءات العابرة مع الأب العائد من السفر هي ذكريات الراوي، والتي ترافقها في الذاكرة رائحة وآثار الإسمنت على الأصابع واليدين. يرافقنا صوت السرد طيلة دقائق الفيلم الـ85، هو يقدم تنويعات على طعم ورائحة الإسمنت، على الربط بين الذكرى والحاضر، على معنى رائحة الإسمنت في العمران والبناء وعلى أثره في التدمير والحروب والخراب.

 الشخصيات التي نتابع حياتها اليومية، أي الأبطال الصامتون دومًا للفيلم، هم العمال البناؤون السوريون العاملون في قطاع البناء في لبنان، والذي تقدر إحصائيات أعدادهم بأكثر من 340 ألف عامل، ما يجعلهم يشكلون النسبة الأكبر من العمال الأجانب في لبنان.

كأي فيلم وثائقي من تيار الالتزام الفني، يضيء طعم الإسمنت على الشروط الإنسانية لهذه المهنة، مثلًا على التمييز الممارس على هؤلاء العمال في الأحياء المجاورة لأماكن عملهم، حيث توضع التحذيرات الرسمية التي تحظر على العامل السوري التجول بعد الساعة السابعة مساءً، لافتات تحذيرية تلتقطها عدسة كاميرا الفيلم معلقة قرب أماكن عملهم.

رمز الفيلم لحياة هؤلاء العمال اليومية بلقطة تبينهم يخرجون صباحًا إلى عملهم من حفرة تحت الأرض حيث ينامون، ومن ثم لقطة ثانية تبين عودتهم للدخول تحت هذه الحفرة عند نهاية النهار. تجاور لقطات يرمز إلى رتابة حياتهم واقتصارها على العمل، أما الليل فهو لمتابعة أخبار وفيديوهات الخراب الذي يحل بمنازلهم في سوريا، هذه المفارقة التي يلعب الفيلم عليها بذكاء طويلًا: العمال السوريون يتفرجون على دمار منازلهم في سوريا، بينما يبنون أبراجًا ليست لهم في لبنان.

تتشابه القضايا الإنسانية في شروط عمّال البناء في الكثير من دول العالم، حيث شروط العمل غير الإنسانية، والاستغلال، وغياب أي حق في الحصول على الأوراق الرسمية الضامنة لحقوقهم. لكن الموضوعة التي ركز عليها الفيلم والتي تميز تجربة العامل السوري في لبنان، هي تجربة مشاهدة التدمير التي يعيشها كل السوريين ومن بينهم عمال البناء. فالعامل السوري شهد كيف دمرت مدن وبلدات وأحياء كاملة في بلاده، بناءً بناءً، فكيف كان تأثير ذلك عليه؟ كيف يفكر البنّاء السوري في مهنته بعد أن عرف ماذا يعني أن تدمر قوة عسكرية منطقة كاملة من الأبنية والعمارات؟ كيف أصبح يرى مهنته بعد هذه التجربة؟ هذا السؤال الذي يتمنى المتلقي في الفيلم لو أن بإمكانه الدخول إلى ذهن الشخصيات للحصول على إجابته. لكن الكاميرا تجيبنا أكثر من مرة، بأن تصور مشاهد وفيديوهات الدمار معكوسة في داخل حدقة العين المشاهدة، تصور الكاميرا الكثير من بورتريهات العمّال عبر اللقطات القريبة (الكلوز-أب)، ليستشف المتلقي من التعابير، وإضاءة الظل والنور، وتضاريس الوجوه، ما يتمنى الحصول عليه فضولًا من أجوبة. وهنا يكون الفيلم قد بلغ أعلى درجات السرد المعتمد على العنصر البصري وحده.

 **

المتعة البصرية التي يقدمها الفيلم (كاميرا طلال خوري) تتجلى في تلك الزوايا التي توضع فيها الكاميرا عند أعلى نقطة في رافعات البناء، ومن ثم الحركة صعودًا ونزولًا مع سقالات الأبراج المطلة على كامل مدينة بيروت. يحضر البحر كذلك في الحكاية وفي متعة الصورة، لأن النص المروي مع الفيلم يخبر حكايةً عن البحر، بالنسبة لطفل سوري لا يعرف البحر إلا من صورة يعلقها أبوه في مطبخ البيت جالبًا إياها كهدية من بيروت.

المؤلف الصوتي للفيلم سباستيان تيش يقدم عملًا استثنائي الجودة في تخصيص مساحة واسعة للتجربة السمعية في الفيلم، بدءًا من تمرير الوقت لأذن المستمع مع أصوات الآلات المعدنية، المناشير الكهربائية، أصوات عواميد رافعات البناء، وأصوات المصاعد المعدنية الصاعدة والمتحركة. أما على مستوى الموسيقى، فموسيقى إلكترونية مينمالية، تبدأ من أدنى العلامات الموسيقية، لترافق مجموعة اللقطات البصرية المصممة لمرافقتها، وصولًا إلى الأعلى والأكثر حدة من العلامات الموسيقية. هذا الأسلوب في العمل الموسيقي والصوتي بالترافق مع الإيقاع البصري، ينتمي إلى تيار فني يجعل من الفيلم السينمائي تجربة وجدانية – سمعية – بصرية يعيشها المتلقي.

تجربة شاقة للمتلقي أيضًا تلك الجرعات العالية من القسوة التي يتجرأ المخرج على الذهاب إلى أقصاها. تتجلى جرعات العنف في موضعين: الأول حيث تتجاور لقطات من جدلية التهديم والتعمير، لقطات لأعمال البناء بالمطارق والمعاول، لقطات للعمال يرصفون الحجر فوق الآخر، تليها لقطات توضع فيها الكاميرا على فوهة دبابة، تطلق النار من الفوهة، وكأن القذيفة تسقط على ما بني للتو في اللقطات السابقة. هذا التجاور بين العمران والهدم يقدم بتقنيات سمعية بصرية تجبر المتلقي على التفكير الذهني بما تحاول الصورة والصوت بمجاورته من مفاهيم.

أما الموضع الثاني حيث يقسو الفيلم على المتلقي، في تلك اللقطات التي اختارها المخرج من عمليات إنقاذ العالقين تحت ركام الأبنية في الأحياء والمدن المدمرة في سوريا، صرخات الأطفال من تحت الأنقاض، صراخ عمال الإنقاذ للتواصل معهم، عويل، بكاء مفجوع، مع كاميرا تجول في عتمة ما تحت الركام والأنقاض حيث محاولات إنقاذ المنكوبين.

لعبة الزمن بين الشريط الصوتي والشريط البصري، تتالي اللقطات المختارة بعناية مع تصاعد موسيقي تراكمي، تسيير إيقاع الفيلم على إيقاع الكاميرا في المصاعد والرافعات، هي التقنيات التي يعمل عليها المخرج لخلق التجربة المشاعراتية والذهنية التي يريد المخرج إيصالها عبر فعل مشاهدة الفيلم.

 الشعرية قادت المخرج أحيانًا إلى تطويل إيقاع بعض المشاهد، التكرار، وإلى تصوير لقطات تحت سطح البحر لدبابة عسكرية غارقة قرب بيروت، يتابعها المتلقي عبر الشاشة وقد انتشر المرجان على سطحها المعدني، ليتهشم حديدها من تفاعلها تحت مياه البحر، هذه المجموعة من اللقطات بدت خارج سياق السرد، ولا ترتبط بأي من تأويلات الفيلم في سياق تتالي مشاهده السردي، إلا إذا كان المخرج يريد القول منها بأنه حتى آلة التدمير المعدنية الدبابة، تأتيها عوامل الزمن فتتحلل تحت مياه البحر حيث دفنت قرب شواطئ بيروت.

طعم الإسمنت، هو التجربة الثالثة لمخرجه زياد كلثوم الذي حقق سابقًا فيلم آي دل (أيها القلب) وتناول موضوعة الموسيقى الكردية في سوريا، ولم يتم السماح بعرض الفيلم في حينها، وفيلمه الثاني الرقيب الخالد (2014) الذي اعتبر تجربة مميزة سرديًا، حين تابع فيه المخرج وثائقيًا موقع تصوير فيلم آخر يعمل فيه كلثوم كمساعد مخرج، إننا نتابع أسلوب الفيلم داخل الفيلم، كما هو معروف عن المسرح داخل المسرح، ولكن من خلال تصوير موقع تصوير فيلم آخر، حاول زياد كلثوم أن يعكس التضاد والتعارض للآراء السياسية في المجتمع السوري، من خلال لقاءات وأسئلة مع العاملين في موقع التصوير يدمجها مع سرد لحكاية أخرى عن مجند في الجيش يعيش ألمًا حادًا من تجارب العنف، ويحاول الفرار من الخدمة العسكرية ليحمل الكاميرا بدلًا من السلاح، ولتصبح مقولة الفيلم أن السينما هي ذلك الرقيب الخالد.

تريلر الفيلم :

https://www.youtube.com/watch?v=fc3C2cQ7mGE

نبذة عن الكاتب

علاء رشيدي

قاص، صحفي ثقافي، ومدرب إعلامي. صدرت له مجموعتان قصصيتان عن دار أطلس للنشر.

Loading Facebook Comments ...