كُرسي دميرتاش الخالي

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

 

حكمت محكمة تُركية على رئيس حزب الشعوب الديمقراطية المؤيد للأكراد في تُركيا صلاح الدين دميرتاش بالسجن لأربعة سنوات وثمانية أشهر، بعدما أدانته بتهمة الدعاية للإرهاب. بعد أسابيع قليلة من حصول دميرتاش على قُرابة ستة ملايين صوت، في الانتخابات الرئاسية التُركية الأخيرة، التي أحرز فيها ديمرتاش المركز الثالث على مستوى البِلاد، حيث قاد معركته الانتخابية من مُعتقله، حيث لم يفعل في حملته الانتخابية غير الكتابة على موقع التويتر.

قبل هذه الأحداث بثلاثة سنوات فحسب، كانت الانتخابات البرلمانية التُركية قد أدت لخسارة حزب العدالة والتنمية للأغلبية البرلمانية، ووقعت البِلاد في أزمة سياسية، إذ لم يملك العدالة والتنمية تلك الاغلبية، وكذلك لم يستطع أن يختلق توافقاً مع الكيانات السياسية الأخرى. هذا الأمر دفع برئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان لأن يستدعي رؤساء الكُتل البرلمانية لاجتماع وطني، لتدارس أوضاع البلاد. لكنه لم يدعو صلاح الدين دميرتاش الذي كان رئيس ثالث كُتلة برلمانية. مُشيراً إلى أن أسرار البِلاد لا يُمكن نقاشها بحضور غير المؤتمنين، وبقي كُرسيه شاغراً، في الاجتماع الشهير الذي ضم رئيس الجمهورية إلى جانب زعيمي الحزبين المُعارضين الآخرين.

ثمة الكثير من التفاصيل التي تشبه تلك. ففي صيف ذلك العام مثلاً، كانت السُلطة التُركية مُجبرة على تشكيل حكومة توافق وطني، مُشكلة من كُل الكُتل البرلمانية، طالما أن أي منها لم تتمكن من خلق الكُتلة الأكبر. وقتها صرحت نُخب الحُكم التركية بأن الوزارات المُهمة لا يُمكن أن تُسلم لحزب الشعوب الديمقراطية المؤيد للحقوق الكُردية، وتم تعيين عضوين من هذا الحزب كوزراء للغابات والعلاقة مع الاتحاد الأوربي، الوزرتان الأكثر هامشية والأقل سُلطة.

مجموع هذه العلاقات تقول شيئاً واحداً: ثمة جماعة وطنية كُبرى ضمن الدولة التُركية لا يعتبرها النِظام السياسي في البِلاد مساوية لباقي الجماعات والكُتل التأسيسية للدولة التُركية. ثمة شكٌ وخشية دائمة بهذه الجماعة، وبذا تحور كُل سلوكياتهم وخِطاباتهم لتظهر وكأنها تستبطن شراً وتآمراً على البلاد.

ما حُكم دميرتاش على أساسه، وما أُعتبر دعاية للإرهاب، كانت مُجرد أحاديثه وخطاباته الدورية المُطالبة بأن يتساوى الكُرد مع الاتراك في الدولة، في المؤسسات وموازين القوة والعالم الرمزي للدولة. ولغير صُدفة، فأن هذه البداهات التي كان دميرتاش يُطالب بها، أنما كانت مُطابقة لمجموع مُطالبات الحركة القومية الكُردية، مُنذ قرنٍ وحتى الآن، بما في ذلك حزب العُمال الكُردستاني، الذي يخوض صراعاً مُسلحاً ضد السُلطة التُركية.

وعوضاً من أن تُعيد الدولة التُركية حساباته وتستوعب مُطالبات حزب العُمال الكُردستاني، طالما أنها تقع في إطار المطالب المعقولة للعيش المُشترك بين مُختلف المكونات للدولة والمُجتمع التُركي، فأنها اعتبرت بداهات دميرتاش، بالرُغم من سلميتها التامة، اعتبرتها تطابقاً مع تطلعات وسلوكيات العُمال الكُردستاني، وحاكمته على ذلك الأمر.

كذلك، عوضاً من أن تحتفي الدولة التُركية بالاندماج الكُردي في الحياة السياسية التُركية، وأن تعتبره تحولاً جوهرياً في بُنية علاقة الكُرد مع الدولة التُركية، فأنها أتهمت وعزلت الكُردي الذي حصل على المرتبة الثالثة في الانتخابات الرئاسية على مستوى البِلاد، واستحوذ على ثُلثي أصوات الكُتلة الكُردية. في دلالة رمزية على استبعاد كامل الكُتلة الكُردية والشك الجماعي بها.

في السجون التُركية اليوم رمزان سياسيان كُرديان، أوجلان الذي صار رمزاً للكفاح المُسلح الدامي الذي طال لأكثر من أربعة عقود، دون أن يكون له أي طائل، ودميرتاش الذي مثل ذروة الاندماج السياسي السلمي الكُردي في مؤسسات ولعبة الحياة العامة، وأيضاً دون أن يصل لأية نتيجة.

بين الشخصين، ثمة إرث رهيب من المُعتقلين والمنفيين والمعزولين والمخفيين الكُرد من هذا المتن العام، تُجار وطُلاب ورجال دين وأدباء وزعماء عشائر ومُدرسون وصحفيون، من مُختلف المناطق والحساسيات والتيارات والخيارات السياسية الكُردية. أما الكُرد الذين حافظوا على حضورهم في هذا المتن العام، فأن الشرط الأساسي لذلك كان تخليهم عن هويتهم القومية والرمزية، وتبني واختلاق هوية بديلة تماماً، مُضادة، وحتى مُحاربة، لهويتهم التي أُجبروا على التخلي عنها.

في فهم ووعي المسألة الكُردية في تُركيا الكثير من الفائدة لوعي المسألة الكُردية في مُختلف دول المنطقة، وبالذات في سوريا، التي تملك كُل قضاياها تداخلاً رهيباً مع نظيراتها التي في تُركيا.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...