غزل/ غواية/ تحرش

ما الذي جعل حملة (Me Too) التي بدأت في أميركا قبل عام تتحول إلى هاشتاغ عالمي ينتشر مثل النار في الهشيم، ويخشى الكثيرون من الاعتراض عليها، وتتراجع نساء مشهورات عن انتقادهن لها بعد تعرضهن لحملة أخرى تتهمهن بمحاباة المتحرشين، كما حدث مع بيان أصدرته مجموعة من الفرنسيات، بينهن الممثلة الشهيرة كاترين دونوف؟!

يبدو الأمر وكأن  وعيًا نسويًا عالميًا جديدًا، يجعل النساء يتحدثن عما كان مسكوتًا عنه تاريخيًا، بجرأة جديدة، تضع جانبًا كل الاعتبارات المجتمعية والاقتصادية، التي كانت تمنع النساء من الحديث عما يلحق بهن من تعسف جنسي، سواء كان تحرشًا أو اغتصابًا أو اعتداءًا جسديًا، هذا الوعي المحمي بقوانين تكفل محاكمة المعتدي وعقابه في حال ثبوت التهمة، ولا يستثنى من ذلك الشخصيات العامة المعروفة والنخب السياسية والفنية والإعلامية والاقتصادية، الجميع في العالم الأول يخضع لقانون المحاسبة نفسه، وجميع النساء محميات بقوانين تكفل حقوقهن.

 أما في بلادنا طبعًا فالقوانين تحمي حتى المتحرش والمغتصب الشوارعي، وتقصي أي حق للمرأة الضحية، في بلادنا القوانين تحمي الأقوياء، والذكر سلطة وقوة اجتماعية مفروضة من قبل الجميع. في بلادنا أيضًا، يتم  فضح المتحرش والضحية أو التكتم على  الجريمة تبعًا  لقرب الاثنين  من النظام الحاكم أو معارضتهما له، التحرش في بلاد العالم المتقدم خلفيته اجتماعية ذكورية محملة على تاريخ طويل من النشاط الذكوري الذي اشتغل على نفي عصر الأنثى/ الأمومة لصالح الرجل، بينما التحرش في بلادنا محمل على أبعاد سياسية أولًا ثم اقتصادية واجتماعية- دينية.

 تهمة التحرش في بلادنا ورقة سياسية تستخدم حين تقرر الأنظمة تشويه خصومها، بيد أن لو لم يكن هناك متحرشون فعلًا لما استطاعت الأنظمة استخدام هذه الورقة، ففي هذا الموضوع بالتحديد، لا تختلف النخب الذكورية المؤيدة للأنظمة عن المعارضة لها، ثمة إحساس بالتفوق والسلطة الذكورية لدى الجميع، إحساس يبيح للذكر استباحة أية أنثى مهما كانت، والأسوأ على الإطلاق هو استخدام النفوذ، السياسي أو الوظيفي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، للاعتداء الجنسي على الأنثى، ثمة ثقة عالية لدى هؤلاء أن (برستيجهم) يحميهم من الفضح، ثمة قناعة أيضًا أن النساء والبنات في بلادنا ضعيفات إلى حد عدم قدرتهن على الحديث عن تعرضهن لمثل هذه الاعتداءات، بيد أن ما فات هؤلاء أن وسائل التواصل أتاحت للكثيرات ما كان ممنوعًا عليهن، هناك شيء يشبه الحماية الاجتماعية تقدمها وسائل التواصل للأنثى الضحية، حين تسرد ما تعرضت له، سوف تجد مكذبين ومشككين حتمًا، لكنها أيضا ستجد متفهمين ومتعاطفين ومهتمين ومختصين ومساندين، وهذا ما  ليس متاحًا في الوسط الاجتماعي الضيق للضحية في بلادنا، حيث ستحمل هي مسؤولية ما حدث لها لسبب من الأسباب.

لكن، ومع  كامل الاعتراض والإدانة لحالات التحرش، والاغتصاب والاعتداء بطبيعة الحال، إلا أنه أيضًا، يتم الخلط حاليًا بين التحرش الفعلي الذي يفرض نفسه على الأنثى بالقوة ويستبيحها ويستبيح خصوصيتها، وخصوصًا في حالات الرفض الصريح من الأنثى، وبين الغزل والمعاكسة العادية التي يقوم بها الذكور في حضور أنثى ما، إذ، لنكن  صريحين قليلًا، الحياة بدون الغزل المتبادل بين الذكر والانثى تبدو جافة وبلا أي روح، النساء عمومًا يحببن أن يتغزل بهن الرجال، لا يمكن لأية امرأة أن تنكر هذا، ولنتفق أيضًا، أن الرجل، إن لم يكن مريض تحرش، لا يبدأ بمغازلة أنثى موجودة معه إن لم يتلق منها إشارات ما، وضع كل تصرف أو مبادرة ذكورية نحو الأنثى في إطار التحرش سوف يمنع الذكور من مغازلة أية أنثى، وهو أمر سوف تعاني منه النساء لاحقًا، وقد يحولهن إلى متحرشات في المستقبل، وقد يقدم المستقبل دعاوى قضائية مرفوعة من قبل رجال ضد نساء متحرشات، وفي أحسن الأحوال سوف يزيد هذا الأمر، إن لم يتم وضع معايير محددة لتوصيف التحرش وإثباته، من تنافر الجنسين والاحتماء بالمثلية الجنسية، التي تزداد أصلًا يومًا بعد يوم وتتم قوننتها وشرعنتها في المجتمعات الغربية، ولا أحد يعلم  إلى أين ستمتد هذه الشرعنة.

مسألة أخرى أيضًا، وربما تكون في غاية الحساسية، نحن النساء لا نجد حرجًا في طلب المساعدة من الذكور، وغالبًا ما نستخدم أنوثتنا للوصول إلى غاية ما، مستغلين الضعف الذكوري حيال غواية الأنوثة، في حالة تواطؤ خفية بين ذكاء الأنوثة وغرور الذكورة، هل يحق للأنثى المغوية أن تتهم الذكر الغاوي بالتحرش بها؟! ألا يندرج ما تفعله الأنثى، في هذه الحالة، ضمن إطار الاستغلال والانتهازية، إن لم نقل الرخص، أيضًا! وطبعا مع التفريق بين حالة الثقة الكاملة في رجل ما وطلب المساعدة منه، وبين حالة الإغواء، ألا يمكن لأية أمرأة حاليًا أن تتهم أي رجل كان، لأي سبب من الأسباب، بالتحرش، وتسيء إلى سمعته في وسائل التواصل دون أي دليل غير كلامها، أيضا، أليس هناك نساء ارتيابيات يفسرن أي تصرف من الذكر من منطق ارتيابهن، وبالتالي يتهمنه بالتحرش؟!

 رغم انحيازي شبه المطلق للأنثى في بلادنا على وجه الخصوص، إلا أن كل ما سبق وارد الحدوث، موجود ويحدث يوميًا، وإنكاره لا يفيد أحدًا. المطلوب في بلادنا، وضع قوانين  توصف التحرش وتحدده، وتحمي النساء من الاعتداءات الذكورية المتنوعة، وتحمي الذكور من محاولات الانتقام النسائية تحت دعوى التحرش، المطلوب في بلادنا أشياء كثيرة بما يخص تنظيم علاقة الذكر بالأنثى، بحيث لا تتعامل الأنثى مع الذكر بوصفه ذئبًا سينقض عليها بأية لحظة، ولا يتعامل الذكر مع الأنثى بوصفها طريدة جنسية يجب أن يحصل عليها، لكن قبل كل ذلك، المطلوب أن نكون مجتمعات صحية بالكامل، ودول حقيقية، لا أشباه دول بمجتمعات معاقة ومريضة تجعل من الجميع ضحايا، رجالا ونساء.

نبذة عن الكاتب

رشا عمران

شاعرة وكاتبة سورية، أصدرت 5 مجموعات شعرية، كما أصدرت أنطولوجيا الشعر السوري من 1980 إلى عام 2008. وتكتب المقال في عدد من المواقع والصحف السورية والعربية.

Loading Facebook Comments ...