يوميات مرشح مستبعد: “لا أسعى لمنصب .. بس بفرجيكن”

 طرطوس

———

“الله يديمك صوت للحق أستاذنا”، يصحو الصحفي والمحلل الدقيق وينام على وقع هذه الجملة، يسكر بها فيستمد القوة ليكون رأس حربة للمعارضة “الوطن وطنية”، تمييزًا لها عن المعارضة الوطنية العادية، التي تضم شخصيات ارتبط اسمها بمعارضة الخارج قبل أن تغازل حضن الوطن مؤخرًا.

أما المعارضة الوطن وطنية، فهي لم تترك سوريا يومًا، بالأحرى لم تترك سوريا المفيدة يومًا، ولم تزر سوريا الضارة سابقًا إلا في إطار رحلات الحزب واتحاد الطلبة.

يطرب الصحفي والمحلل الدقيق للمديح الصادر من أهل محافظته طرطوس لانتقاداته اللاذعة للحكومة، والمحافظين، والبلديات، ودفاعه الشرس عن حقوق المواطنين، ومنهم مقاتلو الدفاع الوطني، حيث يحمل لواء التذكير بضرورة مساواة قتلاهم مع قتلى الجيش، ورواتب الأحياء منهم مع رواتب الجيش، ويطلق عبر “فيسبوك” تساؤلًا موجهاً للحكومة على لسان هؤلاء: “هل تريدون منا أن نكون لصوصًا”؟” ، متجاهلًا تعليقًا رد عليه خارج السرب: “أليسوا لصوصًا منذ البداية؟”، قبل أن يصحح آخرٌ النشاز بجملة “الله يديمك صوت للحق”.

إلا أن عبارة أهم من هذه بكثير أطربت الصحفي الدقيق أواخر آب الماضي، عندما ألح عليه ممثلو حزب البعث في منطقته أن يترشح لانتخابات الادارة المحلية، فهو العضو العامل في الحزب منذ منتصف التسعينيات، وصوت الحق، والشهير بدقة تحليلاته عبر التلفزيون السوري وتوائمه، إذ يعرف عدد التنهدات التي أطلقها نتنياهو في تمام الساعة الرابعة وخمس دقائق عصرًا بتوقيت القدس المحتلة، لدى سماعه نبأ استعادة الجيش السوري لبلدة مسحرة في محافظة القنيطرة. من هنا التصق به وصف “الدقيق” الذي يليق به أيضاً كمدافعٍ عن جودة رغيف الخبز وفاضحٍ لسرقة الدقيق في أفران الدولة.

استهل المحلل الدقيق ترشيحه باستعارة جملة بشار الأسد “لا أسعى إلى منصب ولا أتهرب من مسؤولية”، فتهافت المهنؤون عبر فيسبوك. ثمانية أيام قضاها بين النشوة والتململ من تأخر إصدار القوائم النهائية، حيث كان أعضاء فرع الحزب “يمزمزون” الأسماء ويغربلون الأقل طعمة ومحسوبية، وهكذا استبعدوا صوت الحق وأطلقوا النار بوحشية ودمٍ بارد على فرحته الوليدة وحربته المشرعة.

ورغم أنه “لا يسعى الى منصب”، تحول المحلل إلى الردح على صفحته، وهدد كل من يرفع شعار “خلصت” بأن يلعن “أبو أبوه”، ومضى يطعن في الانتخابات والقائمين عليها، لاسيما في ظل الاستعراض الدرامي بين فرع الحزب والشعب الحزبية لتضييع المسؤولية عن انتقاء الأسماء النهائية المطروحة للتصويت في 105 دوائر انتخاب، هو إجمالي عدد الدوائر في المحافظة.

وكعهده في التدقيق واستقصاء الحقيقة، استولى على كم من الفضائح التي لا تمت بصلة مطلقًا الى سمات الحكم في وطنه الغالي العزيز، ومنها توريث المقاعد، وتخليد كبار السن ممن ينتظرون الموت على حواف قبورهم، واستئثار عائلات معينة بقوائم الوحدة الوطنية، من شدة إبداعه أسماها “الوحلة” الوطنية، وعدم وجود حبر سري، وغير ذلك من منشورات انتقامية حصدت كمًا كبيرًا من الإعجابات والتعليقات، كان أكثرها سعارًا في المنشور الذي تضمن خبر الموافقة على ترشح شقيق ضابط منشق في محافظة حماة، ليبدأ الجمهور لطمية “حضن الوطن يتسع للخونة ويلفظ ذوي الشهداء”.

ووصل انتقام الصحفي البعثي المغدور الى حد الهتاف في أحد المنشورات للحزب القومي السوري، ثم للحزب الشيوعي وجريدته “النور” التي استضافت له بهذه المناسبة الحزينة مقالًا حول انتكاسة محصول الزيتون هذا العام.

وبعد الردح لأيام، استعاد وقاره لمدة كتابة منشور واحد. يمم وجهه شطر رئيسه يطالبه بالتحقيق في المهزلة التي يترشح فيها مسلحون وذوو منشقين. ظل يحلم ليلًا بكتابته، فجاءه رئيسه في الحلم بهالة حول رأسه ووعده خيرًا، تمامًا كما زاره عندما قرر التوسل إلى سيادته ليمنح الطلاب دورة تكميلية “ولتكن الأخيرة سيدي الرئيس”، فجاء الجواب بـ”لا” على لسان المفتي، فراح الجمهور يلعن المفتي. أما هذه المرة فلم تصب اللعنة شخصًا واحدًا، بل جميع المسموح بشتمهم، من أوسط مسؤول إلى أصغرهم، أو اختصارًا “دواعش الداخل”، الجملة الأثيرة لأصحاب المظلوميات في سوريا المفيدة.

يبقى للإيمان دوره الأقوى، مهما كثرت الصفعات، لا بد أن يزوره بطله في الحلم بهالة حول رأسه وصوت يتردد صداه: “الله يديمك صوت للحق”، حينها سيسترد كبرياءه الى درجة الترشح للانتخابات القادمة، والسقوط في الفخ بكل رضا وإيمان وثقة بالقضاء والقدر وسيادته.

نبذة عن الكاتب

سورية مقيمة في طرطوس

Loading Facebook Comments ...