المسألة السورية و الإمبراطوريات العرجاء

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

 

تستبطن الأغلبية المُطلقة من السوريين إحساساً كيدياً تجاه العالم، خصوصاً الدول الكُبرى، وبالذات الولايات المُتحدة. إذ يُحملونها الجزء الأوسع من مسؤولية تردي أحوالهم إلى هذا الحد. يقولون في سريرتهم: “لا يُريدون حل المسألة السورية، لأنهم لا يرغبون بذلك، يُريدون للسوريين أن يبقوا تحت حُكم ديكتاتورية الأسد، الذي يخدم مصالحهم. كذلك فأنهم يسعون لتحطيم سوريا، كي لا تتمكن من القيام بواجبها في مواجهة إسرائيل، وحتى منافسة هذه الدول”.

تحمل هذه الرؤية الكثير من الإرث الهجائي للخطابية البعثية، التي كانت عادة ممزوجة بتراث الإسلام السياسي، الإخواني منه بالذات، الذي كان يرفع مسألة سياسة الهوية لتكون الديناميكية والمظهر الوحيد لشكل العلاقات والتفاعلات بين مُختلف دول ومناطق وثقافات العالم، انضم إليها في مراحل أخرى من تاريخ مُجتمعاتنا الثقافوية اليسارية، التي وضعت لأشكال علاقات المُجتمعات والكيانات في منطقتنا مع نظيرتها التي في العالم الكثير مما اعتبرته نظريات ومعارف وتحليلات.

هذا الإرث من الخطابية البعثية الممزوجة بسياسة الهوية الإسلامية والثقافوية اليسارية، أنتجت تقليدياً نظريات بالغة الفظاعة عن وجود مؤامرة عالمية كُبرى، تستهدف تحطيم مُجتمعاتنا ودولنا ومُستقبلها.

في مراحل التحول الرئيسية، استماتت كُل واحدة من هذه الرؤى على تحميل نظيراتها المحلية مسؤولية الارتباط والعمالة لتلك المؤامرات العالمية. فالبعثيون اتهموا الإسلاميين بذلك، ولم يقصر الإسلاميون في تحميل القوميين والشيوعيين مسؤولية ذلك.

على أن الكُل كان مُتفقاً، وما يزالون، على وجود مؤامرة ما، عالمية وكاملة وقصدية تجاهنا. تستبطن في ذاتها اعتقاداً عميقاً بأن هذه القوى العالمية أنما تستحوذ على طاقة وقُدرات مهولة، تستطيع عبرها أن تُخطط وتنفذ سياسات استراتيجية على مستوى العالم. أن تُحطم دولاً ومُجتمعات، أن تُغير الخرائط وتؤسس دولاً أخرى.

يعتمد ذلك الاعتقاد بالأساس على ما تلقفته هذه المُجتمعات من مرويات وسير عن الحرب العالمية الأولى وما تلتها من توافقات بين القوى المُنتصرة، والتي اسست التقسيمات فيما بينها دول منطقتنا الحديثة، ومن ثُم استعمرتها وهيمنت عليها، وكونت مؤسساتها وجيوشها وأنظمة الحُكم فيها. وطبعاً ساهمت في ذلك المسار على تشكل اسرائيل التي اعتبرتها مُجتمعاتنا ذروة تلك السيطرة والتحكم والقدرة المهولة للقوى الدولية الكُبرى.

ثمة الكثير من التحولات التي طرأت على شكل العلاقة بين مُجتمعات وكيانات منطقتنا راهناً، وبين هويات وقُدرات واستراتيجية هذه الدول الكُبرى، لكن هذه الرؤية بقيت تعتقد بأن هذه الدول والقوى الدولية ما تزال على حالها السابق.

فمثلاً لا يُلاحظ الكم الهائل من جفاف الروح الاستعمارية في الدول الكُبرى، فتطور الديناميكيات والأدوات الاقتصادية وقُدرة هذه الدول في فرض هيمنتها الاقتصادية وسطوتها السياسية والثقافية سمحت لهذه الإمبراطوريات الكُبرى لأن تغتسل من روح الاستعمار المباشر وآليات علاقاتها مع الدول الصُغرى. إذ صارت تعتقد بأن التدخل التفصيلي والمباشرة والمادي في الحياة الداخلية لهذه الدول أنما يدفعها لأن تصرف طاقة زائدة دون أي عائد مساوٍ لها.

فالدول الكُبرى صارت تعتقد أن الصراعات الداخلية في الكيانات الصُغرى أياً كان نتيجتها، فأنها في المُحصلة سوف تُحيج وتربط هذه الكيانات الصُغرى بنظيرتها الكُبرى، لذا لا حاجة لصرف كمٍ هائل من طاقة التدخل في تفاصيلها.

الأمر الآخر يتعلق بملاحظة النمو الهائل لدور وطاقة الكيانات الإقليمية القوية في منطقتنا، وتدخلها وأثرها في الكيانات الأصغر.

ففي بداية القرن العشرين لم يكن ثمة أية كيان إقليمي يستطيع أن يقف بوجه الاستراتيجيات الاستعمارية الكُبرى، فإيران وتُركيا ومصر كانت كيانات تستميت في سبيل الحِفاظ على وجودها وحدودها الكيانية، حفظها من التفتت وهيمنة مُختلف هذه الدول الكُبرى عليها. ولم تكن تملك أية طاقة للتدخل في شؤون الكيانات الأصغر المُحيطة بالدول الإقليمية الكُبرى، وتركت أمرها للدول الكُبرى المُستعمرة لها.

لا يبدو ذلك صحيحاً اليوم. فالقوى الإقليمية الكٌبرى تملك هيمنة غير قليلة على تشكيلة من المُجتمعات الداخلية في الدول الأصغر، وتتغلب على القوى الكُبرى في حيوية أدواتها للتحكم بما يجري في دواخل هذه الدول.

كان صراعات الحرب الأهلية في لبنان وتدخلات الدول الإقليمية بداية لكشف ذلك، فيما كان التحالف الإقليمي في إفشال المشروع الأمريكي في العراق دلالة على تلك القوة الإقليمية النامية ذروة في ذلك، خصوصاً لتُركيا وإيران والعربية السعودية.

أخيراً، فأن هؤلاء الذين يقرئون شكل الإمبراطوريات الحديثة، لا يلاحظون شكل تغير النسب السُكانية بين منطقتنا والدول الكُبرى، فسُكان فرنسا في بداية الحرب العالمية الأولى كانوا يُضاهون عدد سُكان العالم العربي، بينما سُكان العالم العربي راهناً يُقدرون بخمسة أضعاف سُكان فرنسا وأكثر.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...