الصين إلى قمة العالم: المختبر السوري

بين عامي 1992 و2010، نما الناتج الإجمالي الصيني بمعدل 1100 بالمئة، مضيفًا إلى النمو الذي بدأ بمعدلات تاريخية غير مسبوقة منذ الثمانينيات، ووصل في ثلاثة عقود ونصف، إلى حوالي 3000 بالمئة. في العقدين السابقين، ارتفعت حصة الصين من حركة السلع المصدرة عالميًا، من 2 بالمئة لا أكثر إلى 17 بالمئة. وارتفع معدل دخل الفرد في الفترة نفسها بنسبة 970 بالمئة، أي عشرة أضعاف معدل زيادة دخل الفرد في الولايات المتحدة، في الفترة نفسها. وبفعل ذلك التسارع، قفز حوالي أربعمئة مليون صيني إلى الطبقة الوسطى، وفي العقد الماضي أصبح النمو الصيني هو قاطرة النمو العالمي، بنسبة 40 % منه. وفيما وصل الاقتصاد الصيني إلى مرتبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم، في عام 2010، فإنه أضحى في حكم المؤكد أن يصل إلى المركز الأول، بنهاية العقد القادم، منتزعًا موقع الصدارة من الولايات المتحدة.

لدى الإدارات الأمريكية، ما تخشاه بالفعل، فالخلل في ميزان فائض الميزان التجاري السلعي بين البلدين، يميل لصالح الصين بفارق ضخم، وصل إلى 375 مليار دولار، حيث تحتل الصين مركز المورد السلعي الأكبر للأسواق الأمريكية، التي تصدر لها أربعة أضعاف ما تستورد منها. وبالرغم من أن إدارة ترامب كانت قد بدأت حربًا تجارية مع الصين، بفرض ضريبة إضافية على واردات بقيمة 50 مليار دولار، فإن شهر أغسطس قد شهد ارتفاعًا في قيمة التوريدات الصينية إلى الولايات المتحدة، واتساعًا إضافيًا في فارق الميزان التجاري، ربما لمحاولة المستوردين تفادي العقوبات القادمة بأسرع وقت ممكن. ومطلع الشهر الجاري أعلن ترامب أن لديه نية لفرض رسوم إضافية بنسبة 25 بالمئة على وارادات بقيمة 200 مليار دولار، وصرح لاحقًا بأن لديه خطة لتعميم الضريبة الحمائية على كافة الواردات الصينية، في وقت قصير.

 لكن العقوبات الأمريكية لا تتعلق بالميزان التجاري فقط، ففي كانون الثاني- يناير الماضي، فرضت واشنطن محاذير إضافية على توريدات عالية التقنية لشركات اتصالات صينية بسبب خرقها للعقوبات على إيران، هذا بالإضافة للقيود المفروضة على تصدير التكنولوجيا ذات التقنية العالية للصين، بشكل عام، منذ عقود. وبعد تقارير عن انتهاكات ضد أقلية الإيغور في الأسابيع القليلة الماضية، توعدت الولايات المتحدة بفرض عقوبات على مسؤولين وشركات صينية مشاركة في الخروقات.

يبدو الصدام بين الولايات المتحدة والصين قادمًا بلا محالة، فمشروع “صنع في الصين 2025” على سبيل المثال، يكشف عن عزم الحكومة الصينية للتحول إلى سوق الخدمات والتكنولوجيا العالية، بعدما وصلت بعملية التحول الصناعي والحضري إلى نهايتها، بالمعدلات الأسرع في التاريخ. ومع أن الفارق ما زال شاسعًا بين الصين والغرب في مجال البحث العلمي والتطوير التقني، فإن بكين قطعت شوطًا معتبرًا بالفعل في هذا المجال، وأصبحت أكبر مشغل للروبوتات الصناعية في العالم، على سبيل المثال. ومن ناحية أخرى، وفيما تخاطر الولايات المتحدة بعلاقاتها التاريخية بحلفائها التقليديين، بتورط إدارة ترامب في مشاحنات معهم جميعًا من جارها الأقرب كندا ومرورًا بالاتحاد الأوروبي، فإن مشروع “حزام واحد طريق واحد”، الذي استثمرت عبره الصين مليارات الدولار في البنية التحتية في دول الجوار في الأعوام القليلة الماضية، لا يضمن فقط تأثيرًا دبلوماسيًا واقتصاديًا كبيرًا في تلك الدول، بل إنه يحول العملاق الآسيوي إلى مركز خطوط المواصلات البرية والبحرية للعالم، فكل خطوط الطرق والسكك الحديدية والموانئ وخطوط الأنابيب، التي تم إنشاؤها في إطار المشروع، والموزعة بين سيريلانكا وماليزيا ولاوس وفيتنام ونيبال وكوريا الشمالية وميانمار وغيرها، تقود في النهاية إلى الصين، قلب الإمبراطورية الصاعدة.

لكن الصدام المتوقع لا يبدو محسومًا، ولا حتى على المستوى الاقتصادي. فحتى مع تحول الصين إلى الاقتصاد الأكبر والمورد والمستهلك الأول في العالم أيضًا، فإن متوسط دخل الفرد الصيني لايزال أقل من 20 بالمئة من متوسط دخل الفرد الأمريكي. كما يهمين الدولار الأمريكي على حركة التبادل التجاري والمعاملات المالية العالمية، ولا يتوقع أن يتغير هذا قريبًا. ولا يبدو أن الجهود المبذولة بالدفع باليوان كعملة بديلة، أو منافسة، قد حققت نجاحًا يذكر. أما على المستوى العسكري، فبالإضافة إلى الفارق الشاسع بين الإمكانيات الأمريكية في مجالات التسليح والجاهزية والتمركز الاستراتيجي، فإن الصين لم تختبر قواتها في أي عمل عسكري منذ حرب فيتنام نهاية السبعينات.

إلا أن السلطات الصينية تبدو عازمة، اليوم، على وضع قواتها المسلحة على محك الاختبار. فنهاية الشهر الماضي احتفت وسائل الإعلام الصينية بالمشاركة في مناورات فوستوك الروسية، والتي تعتبر المناورة الأكبر منذ انهيار الاتحاد السوفيتي. لكن التدريبات العسكرية التي تشارك فيها منغوليا أيضًا، ليست مجرد عمل دعائي أو استعراضي، فكل من وسائل الإعلام الغربية والصينية أشارت إلى أهمية المناورة للصينيين، فهي فرصة سانحة “لتعلم الدروس الروسية في سوريا”، بحسب كل من نيوزويك الأمريكية، و“ساوث تشينا مورينيغ بوست” (مقرها هونغ كونغ)، وبالأخص إدارة ساحة عمليات خارج الحدود، وفي أماكن حضرية كثيفة السكان.

وهذه ليست العلاقة الوحيدة بين سوريا والعسكرية الصينية، فمطلع الشهر الماضي، نشرت جريدة “الوطن” السورية تقريرًا نسبت فيه للسفير الصيني في دمشق استعداد بلاده للمشاركة في العملية العسكرية في إدلب. ونفت الحكومة الصينية تلك التقارير لاحقًا، لكن هذا لم يكن كافيًا للتغطية على الأخبار التي تسربت في كانون الأول- ديسمبر من العام الماضي، عن وصول قوات خاصة صينية، باسم “نمور الليل”، إلى طرطوس، للمساهمة في المعرك ضد مقاتلي الإيغور المنخرطين في صفوف الفصائل الإسلامية المسلحة في سوريا. وبالطبع تبدو تلك فرصة نادرة للاستفادة من المختبر السوري، كساحة للتدريب بالذخيرة الحية وعلى أهداف حقيقية ومجانية.

 تشير الدلائل، بأن هيمنة أمريكية على الاقتصاد العالمي والسياسة الدولية في طريقها للتراجع في المستقبل القريب جدًا، وأن صعود الاقتصاد الصيني والرغبة في توسيع أسواقه، غالبًا ما سيقود لمواجهات أكثر حده بين الولايات المتحدة وغريمها الصيني. تظل منطقة الشرق الأوسط، إلى الآن، هامشية في تفاصيل تلك الصراعات، لكن “الدروس السورية” التي يتعلمها الصينيون تبدو منبئة بموقع المنطقة المستقبلي في السياسة الصينية، بوصفها مختبرًا، أو ساحة للتدريب.

نبذة عن الكاتب

شادي لويس

كاتب وباحث مصري، حاصل على شهادة الماجستير في علم النفس من جامعة إيست لندن، يكتب المقال في عدد من المواقع والصحف العربية

Loading Facebook Comments ...