حين أنقذ الجيش الحر محاكم اللاذقية

إنها الثامنة والربع صباحًا، تسرع ليلى خطواتها إلى  القصر العدلي في اللاذقية، لتلتحق بجلسة النطق بحكم طالما انتظرته، ستتخلص أخيراً من زوجها الذي أوسعها ضرباً على مدى سنوات، ما زالت ندب جسدها شاهدة على ما فعله بها ليأتي فيما بعد ويعتذر عما اقترفه في ساعة غضب دفعته إليها ضغوط حياة لا تنتهي. لجوؤها إلى الشرطة لم يفلح في ثنيه عن هذه العادة التي حلف أغلظ الأيمان عدة مرات على تركها، حتى دعوى الطلاق التي رفعتها ضده بعد أن يئست من صلاح حاله لم تأت بنتيجة، فالقانون برمته يقف إلى جانبه، وطالما أنه لم يحضر الجلسات فسيبقى وضعها على ماهو عليه إلا إذا فكر بطلبها لبيت الطاعة وهو ما هدد به فعلاً لولًا تلك المحامية التي عثرت عليها في أروقة القصر العدلي، لن تنسى كلماتها عندما قالت لها “جيبي خمسمية ألف وتعي وأنا بطلقك منو”.

أحضرت الآلاف الخمسمئة، الاستدانة بالفائدة كان سبيلها لتأمين المبلغ دون أن يكون لديها فكرة عن كيفية السداد، فالمهم بالنسبة لها هو الخلاص، حتى لو كلفها الأمر دخول السجن عند التخلف عن دفع المبلغ، فدخوله كمطلقة سيكون أرحم من الحياة التي تعيشها الآن. لم تتخيل الأمر سهلا لهذه الدرجة، أخبرتها المحامية أن تتهم زوجها بالتواصل مع جماعات إرهابية في سلمى، “قولي إنو جيش حر”، أي حر وأي جيش سينتمي لهم هذا الجبان، قالت ليلى في ذهنها، تلفيق زيارته لقرية قريبة من بلدة سلمى عندما كانت بقبضة الفصائل المقاتلة هناك، وإصدار كشوفات هاتفه الخليوي لإثبات تواصله مع إرهابيين مفترضين كانت كفيلة بتوجيه الضربة القاضية له، لم يعد مهمًا إن حضر أو لم يحضر الجلسات، لم يعد يستطيع الحضور إلى أي مكان بعد الآن، المهم أن الحكم بالطلاق صدر من الجلسة الأولى، مع تحويل الزوج على الفور إلى محكمة الإرهاب.

يحبون الجيش الحر في هذا المكان، ليس للهتافات التي نادت بها مظاهرات الثورة على مدى سنوات لدعمه، بل للهتافات الأخرى التي أطلقها المتظاهرون أنفسهم، “الجيش الحر حرامي…”. التهم التي وجهت لهذه الفصائل من النظام وممن ثاروا عليه جعلته سببًا لحل أية معضلة قانونية لا مخرج لها، تهمة التعاطف مع الجيش الحر باتت قادرة على إعادة حضانة الأطفال لأمهم المتهمة بإقامة علاقة غير شرعية وعليها أدلة، تخليص ثأر قديم بين جيران وأخوة وأقارب لم يتمكنوا من إثبات ما يريدونه بالحجة والقانون، وقس عليها قضايا ما أنزل الله بها من سلطان، وجيمعها تجد الحل مهما كانت تفاصيلها معقدة، التهمة حاضرة والعقاب لا مفر منه الآن، طالما أن القضاء والشرطة لا تحقق أصلًا في هذه التهم وتعتبر إصدار الحكم القطعي بها واجباً وطنياً وطريقة لإثبات ولائهم لنظام يبدو أن لديه تعليمات بتعميم مثل هذه الحالة داخل قاعات المحاكم كما همس مرة أحد المحامين.

الجيش الحر سيكون حاضراً في قضية أشخاص حالهم كحال نبيل، يتجول الرجل بشكل يومي في أروقة هذا المكان حاملاً أوراقاً ووكالات من أشقائه لإكمال معاملة حصر إرث يقسم له محاميه أنها لن تصل لمبتغاها، طالما أن شقيقه واحد من أبطال “الجيش الحر” المطلوبين للنظام، يقسم نبيل أنه لا يعلم شيئا عنه، حتى أنه أخبر المحامي أنه مات بإحدى معارك سلمى منذ زمن، لكن القاضي طالبه بإحضار شهادة وفاة لاعتماد هذا الادعاء، “لم يمت… لكننا نتمنى لو أنه مات”، يقول نبيل لدائرته الضيقة، فهو يعلم أن شقيقه موجود الآن في إدلب يحارب الأعداء هناك، ليتركه وحيداً يحارب طواحين الهواء مع قضاء لن يسمح له ببيع منزل والده والتمتع بإرثه الضئيل إلا بموت شقيقه أو بعودته فاتحاً إلى اللاذقية وهذا ما لا يمكن أن يحصل بعد الآن.

ًخارج هذه القاعات، عند البوابة تحديداً ستجد شابًا أسمر ببنية قوية، يشرب الشاي كثيرا ويتقاسم السجائر مع زميله علي الذي يعتبر الأقرب إليه ضمن السرية المسؤولة عن حراسة مكان كئيب يسمى ظلما قصر العدل، لن ينسى ذلك اليوم عندما شبت بينه وبين أحد المراجعين مشاجرة ضارية نُقل على إثرها إلى المستشفى لخياطة رأسه بقطب تجاوزت العشر، لم يستطع تحمل منظر الرجل وهو يدخل المحكمة بسلاح على خصره، وهو مالم يتقبله الشاب رغم غض بقية العناصر النظر، وقتها خاض معركته مع الرجل المسلح ليخرج منها خاسراً كما خرج في معارك سابقة لا يطيق الشاب سماع قصصها، أو الحديث عنها بعد تسوية وضعه وانضمامه لقوات النظام جراء انفضاض عقد سريته التابعة للجيش الحر في سلمى، ليصبح الآن الحارس الأمين للمكان الذي كان يخطط يوما لتحريره وبناءه من جديد.

نبذة عن الكاتب

بتول العلي

صحافية سورية

Loading Facebook Comments ...