طلبت من اسرائيل قصف مدرستي

أركض بجسمي النحيل الأسمر، على شكل “زكزاك” بين الجموع التي تتراكض حولي محاولةً إلقاء القبض عليّ وتسليمي لوالدتي التي تعبت بالركض خلفي، طلبت ممن يسمع صوتها في حارتنا، إلقاء القبض على مقابل مكافأة مالية، وقدرها خمس ليرات سورية، يركضون خلفي، يمسكني موظف الهاتف الأرضي الذي كان يزاول عمله وما أن سمع بالمكافأة المالية حتى ترك علبة الهاتف وركض خلفي مع جمع الركضين. أحاول الإفلات منه لكن دون جدوى، يضع قلم الفاز* على رسغي، ويرفعني عن الأرض شبراً كي لا أقوى على الهروب منه.

 تستقبلني أمي بكفّ على خدّي، يسمعه من في الشارع العام رغم صوت السيارات والزمامير، مع كل ثلاث خطوات لأمي أثناء العودة إلى المنزل كان نصيبي كفّاً منها، كانت الضربات تتواتر على خدي حتى لا أستجمع قواي وأهرب من بين يديها كما في السابق.

ومن ثم تأخذني للمدرسة، كأنما أساق إلى الموت وإلى منصة الإعدام، أشاهد وجوه كبار السن ورجال الحارة يبتسمون وآخرين يجلسون أمام منزلهم وآخرين في منازلهم يشاهدون برامج الأطفال المعروضة الآن على القنوات، وأنا أساق بيد أمي إلى المدرسة.

هذا المشهد يُعاد بداية كل عام في مرحلة تعليمي الابتدائية، كنت أبغض المدرسة وأكرهها ولا أحب الآنسة الفلسطينية البدينة المطلّقة التي ترا زوجها في وجوه طلابها وتضربنا بالعصا، نحن الذكور دون الإناث، مقابل كل خطأ وتصرف، ومدرسة اللّغة الإنجليزية التي لم نتعلم منها شيئاً، فكل سنة وقبل أن ننهي المنهاج كانت تأخذ إجازه أمومة.

 تدخلني أمي المدرسة بعد ترتيب “فولاري” البرتقالي وتمشيط شعري بالمشط الأسود الصغير، تطلب مني أن أشدّ الهمّة وأدرس ولا أصبح مثل بعض أطفال الحي الذين يعملون في المصانع. أساومها ربما غضبها قد سكن: “ماذا لو عملت مثل ما يعمل أطفال الحي، سأساعدك بالمصروف اليومي، وسأصبح رجل المنزل.” ما أن أنتهي من اقتراحي حتى يأتي كفّها على خدي مع نظرة اضطر بعدها للذهاب إلى الحمام، تعيد ترتيب “الفولار” البرتقالي وتمشيط شعري، أطلب منها في حال انصرفت أن تحدّثني عما فعلوا في الحارة ومن ضرب من! وهل سيتزوج أحد من الحارة أو سافر أي شاب انتهت إجازته وعاد لقطعته العسكرية وأين ستذهب وألّا تتصرف بشيء غريب دون وجودي.

جدي يجلس أمام منزله، يضرب بكفّ يده على الكرسي، ينظر إلي ويضحك ويطلب مني الصبر: “أدعوا الله طوال العطلة الصيفية أن يعجل هذا اليوم، الذي ارتاح فيه منك لعدة ساعات، الآن سوف تجلس مثل القط في المقعد وسوف تضربك الآنسة ولن تستطيع التفوه بكلمة، الحمد الله يا ربي وقد عجلت بأيلول”.

 أكره طلاب الفوج الصباحي وأشعر أن نظراتهم إليّ أثناء مسك أمي ليدي في الطريق إلى المدرسة كمن يريد لي أن أبكي من القهر، ثمّة غصّة في حلقي لا أستطيع مضغها.

أدخل طوابير الصفوف، يناديني أحد طلاب السنة الماضية، يطلب مني الوقوف إلى جانبه، أتحاشى النظر إليه، أقف في الطابور المخصّص للصفّ الثالث، أنظر إلى الآنسات القديمات والجديدات، تدعوا أخت عمّار أن تكون لنا هذه السنة نفس معلمتنا في السنة الماضية، أشتمها في سريّ.

 أختار معلمة جميلة تشبه الممثلة السورية عبير شمس الدّين، أدعوا الله أن تكون معلمتنا لهذا العام “أفضل الشَرِّين”. تزمجر الجموع الأناشيد الوطنية، يصرخ المدير مقطوع أصابع اليد، بأننا جيل المستقبل، أشبال الأسد، طلائع البعث، من سنقاتل العدو الإسرائيلي، ونحرر الأقصى ونعيد للأمة مجدها، بين كل جملة يكرر اسم العدو الإسرائيلي، مع صدى صوته عبر مكبرات الصوت التي تشبه مكبر صوت بائع الخضار المتجول في حارتنا, قلت في سريّ: “يقول لي جدي: عدوّ عدوّك صديقك، ماذا لو احتلتنا اسرائيل وقصفت المدرسة والمدير والآنسات والمستخدم والطلاب وأخت عمار، كم سأفرح؟!”

 تمنيت لو يأتي الطيران الإسرائيلي ويقصف المدرسة في هذه اللحظة وارتاح وأعود للحارة لمعرفة ما سيحدث وأجلس أمام جدي وأجاكره وأبعد إبريق الماء عنه حتى يقوم عن كرسيه ويجلب الماء بنفسه، ومن ثم يضع إبريق الماء بالقرب منه وأعود خلسة لإبعاده وهكذا.

 الآن ارتحت وانقصفت المدرسة ولم يبق أي طالب أو آنسة، حتى آنستي المطلقة لم أعرف عنها شيئاً ولا أخت عمار ولا المدير ولا المستخدم، لكن لم يقصف المدرسة طيران الكيان الصهيوني الذي كنا نشتمه، بل من قصفها طيران من كنّا نرفع أيدينا ونصفق ونصرخ بأعلى صوتنا باسمه: حاااااافظ … ااااااسد …. رمز الأمة العربية.

*مفك مزود بفاحص للتيار الكهربائي

نبذة عن الكاتب

خليفة الخضر

مواطن صحفي مقيم في الشمال السوري

Loading Facebook Comments ...