كيت مكلور وحكاية “المُلهِمين”

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

 

شكلت حكاية السيدة الأمريكية “كيت مكلور” مع المُتشرد “جوني بوبيت” واحدة من قصص الإلهام الأكثر إثارة للمشاعر الإنسانية على مستوى العالم طوال العام الماضي. فمكلور التي انقطعت بها السُبل في إحدى الطُرق السريعة بولاية نيوجرسي الأمريكية، بعدما توقفت سيارتها لنفاذ البنزين، ولم يُسعفها إلا المُتشرد “جوني بوبيت”، الذي منحها عشرين دولاراً، كانت كُل ما بحوذته، حصل عليها من التسول طوال اليوم، وساعدها في الحصول على الوقود، لإعادة تشغيل سيارتها.

دفعت هذه الحادثة بكيت مكلور لأن تكتب قصتها مع المُتشرد، الطيب والشُجاع، على شبكات التواصل الاجتماعي، وتخوض حملة لجمع التبرعات لصالحه، ليتخلص من حالة الفقر والتشرد التي يعيشها.

تفاعل عشرات الآلاف من المُتابعين مع قصة كيت وجوني، واعتبروها واحدة من المُثل الدالة على حيوية ونقاء الروح الإنسانية، حيث تعاضد كُل شخص على انتشال الآخر من سوء أحواله، دون انتظار مُقابل أو ثناء. وهي مشاعر وقضايا صارت نادرة الحدوث في نمط الحياة المُعاصرة، التي يلهث فيها الجميع في دروب تحقيق المنفعة الذاتية والخلاص الشخصي، وتخلو من قيم الإيثار والبذل والمؤازرة، دون منفعة نظيرة أو ثناء.

الجديد في تلك الحكاية هي القضية التي رفعها “جوني بوبيت” عن طريق مُحامي بحق “كيت مكلور”. حيث ذكر محاميوه أمام محكمة في ولاية نوجيرسي الأمريكية بأن مكلور وزوجها استخدما الحساب الذي أنشآه لجمع تبرعات لبوبيت من أجل “تمويل نمط حياة لم يكن بوسعهما توفيره من قبل”. وأن بوبيت الذي هو مُقاتل سابق في مُشاة البحرية الأمريكية قد عاد للتشرد والعيش مع أخيه على التسول.

أغلب الظن أن دائرة الحوادث المنطقية تُحيط بحكاية مكلور مع المُتشرد بوبيت، وهي بتفاصيلها جزء طبيعي ومُصغر لما تعيشه “نُخب الإلهام” عادة، في مختلف مستويات تحولاتها، من الإلهام والإنسنة المُطلقة، نحو الفردانية والانتهازية واستغلال تلك الحكايات التي شغلتهم في وقت ما من حيواتهم.

فالأكيد أن مكلور قد عاشت قصة تعثر سيارتها في أحدى الليالي، والصحيح أيضاً أن بوبيت قد ساعدها في تجاوز ضائقتها، عبر مزيج من الامتنان ورد العُرفان للأُناس الذين يساعدونه يومياً في تجربة التسول.

والأكيد أيضاً أن هذه الأخيرة قد تأثرت بشهامة بوبيت وأحواله المُزرية، واندفعت لأن ترد له الجميل عبر عمل إنساني يُساهم في انتشال بوبيت مما هو فيه.

لم تكن مكلور تتوقع أن تتطور مبادرتها وأن تنال هذا الكم الهائل من التفاعل والتضامن والمُساهمة، وأن يتجاوز كُل حدٍ كانت تُخطط لها. بحيث غدت هي أيضاً، إلى جانب بوبيت، إلى واحدة من الشخصيات المُجتمعية البارزة، التي أثرت على مشاعر ومواقف عشرات الآلاف من الناس، ودفعتهم لأن يساهموا ماديا في حملتها.

كان لذلك الفعل بالضبط، أي تجاوز حملة مكلور لما كان مُخطط لها والشُهرة العارمة التي بلغتها، كان لها الدور الرئيس في تحوير مركز اهتمامها ووعيها واستخدامها لهذه الحكاية. ففي لحظة ما قالت مكلور لنفسها: لقد أوفيت بوبيت بما بذله لأجلي، وساعدته كثيراً لتغيير أحواله، ولولاي لما كان من أحدٍ قد سمع به قط، وأنه كان سيبقى على هو عليه. فوق ذلك، فأن مهارتي وكفاءتي في إثارة الموضوع وتحويله إلى قصة إلهام، قد فاقت كثيراً الموقف العادي الذي بذله بوبيت، وإلا لماذا لم تشتهر المئات ورُبما الآلاف من الحكايات الأخرى التي قام بها أحد المُشردين أو المتسولين بمُساعدة الأشخاص الآخرين، دون أن تشتهر أية واحدة من هذه القصص.

لأجل ذلك، فأن مكلور لم ترَ أية مُشكلة أخلاقية أو وجدانية في الاستفادة من هذه الحكاية، إن عبر الحصول على عائد رمزي يخلق لها شُهرة شعبية، أو عائد مادي عبر الحصول على جزء مما ترده الحملة الإلكترونية التي تخوضها تحت مسمى جمع الأموال لجوني بوبيت.

ليست كيت مكلور مُجرد شخصية استثنائية في هذا الإطار، بل تكاد أن تكون نموذجاً عمومياً لشخصيات وحكايات الإلهام، التي تبدأ عادية وبسيطة ورومانسية، لا تلبس أن تتحول إلى ديناميكية تقليدية في تحقيق الفردانية والخلاص الشخصي واستحصال الموارد الرمزية والمادية من حكايات الإلهام الأولية البسيطة.

طبعاً ثمة استثناءات من كُل ذلك، لكنها قليلة، قليلة للغاية.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...