حكاية مريم: من الانضمام لتنظيم داعش إلى الاعتقال فالهرب

حكاية مريم بصوتها:

– – – –

“عندما دخلت الرقة بغية الانضمام للتنظيم آنذاك، كان الوضع هادئًا جدًا، يعني أسواق ومطاعم وسينما!”، تروي مريم، عقب هروبها وطفليها من مناطق سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” – داعش، واحتجازها لدى “وحدات حماية الشعب” الكردية داخل مخيم مبروكة، “مشيت حتى نهاية المخيم، خرجت عبر الأسلاك الشائكة، وضعت ابني الرضيع على ظهري ثم قفزت، متجاوزة خندقًا عميقًا، يحيط بالمخيم، وعرضه يتجاوز مترين”.

 كانت وسائل التواصل الاجتماعي تمثل المنصة الأولى لتجنيد الشبان والشابات، وتسهيل عملية انضمامهم للتنظيمات المتشددة، وبالأخص تنظيم “الدولة الإسلامية”، والذي تمكن خلال السنوات السابقة، من استغلال الفضاء الإلكتروني، عبر إنشاء عشرات الآلاف من الحسابات، توزعت بين تويتر وفيسبوك ومنصات أخرى، متمكنًا بذلك من جذب الآلاف للالتحاق بصفوفه.

“اسمي مريم، من الشمال السوري، أنا إنسانة تبحث عن الحق وعن أصحاب الحق، استطعت عبر الإنترنت من تكوين صداقات نسائية، ومن جنسيات مختلفة، كنا نتعلم سوية أمور الدين ونقرأ القرآن، وكنا مناصرات لتنظيم الدولة، كونه يطبق شرع الله”، تعلق مريم، ابنة الإحدى وعشرين عامًا، بلهجة تختلط ما بين السورية والتونسية، تأثرًا ببيئتها المحيطة، وبلهجة زوجها الثاني، تونسي الأصل.

وتستأنف “أواخر 2014 قررت الذهاب والسكن بمناطق التنظيم، رغم معارضة أهلي وعدم السماح لي بالمغادرة، ولكني كنت قد عقدت العزم على الهرب برفقة ابنتي دون علمهم، بعد أن تمكنت من التواصل عبر فيسبوك، مع شاب تونسي، كان هو السبب في دخولي لمناطق سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية”.

شرعت مريم بتنفيذ حلمها، متمثلًا “بالهجرة نحو أرض يطبق فيها شرع الله، بنية طلب العلم، علم التوحيد”، على حد قولها، لتنطلق وهي أرملة لم تتجاوز عامها السابع عشر بعد، برفقة المهرب، والذي قام بتأمينه الشاب التونسي نفسه، بعد إعطائه مبلغ 400 دولار، مقابل إيصال مريم وابنتها الرضيعة من حلب نحو الرقة، مرورًا بمدينة الباب، والتي كانت تقبع تحت سيطرة التنظيم آنذاك.

“كنت خائفة أثناء مروري بالباب، لأن لدي أقارب يسكنون هناك ممكن أن يروني، ويعيدوني لأهلي”، تتابع مريم رواية قصتها: “وصلنا الرقة عند العاشرة مساء، كان الوضع طبيعي جدًا، يعني أسواق ومطاعم وإنترن، بالإضافة لتجمع حشود من الناس في أماكن متفرقة، أسفل شاشات عرض ضخمة، تبث إصدارات الدولة وأناشيدها”.

وتكمل: “لا يوجد تشدد كما كان يشاع وقتها، ولكن المطلوب الحشمة في الشارع، يعني الواحد يتشدد في لباسه، اللباس الشرعي الكامل”، تشرح الشابة السورية، والتي مكثت بداية عند إحدى العائلات قبل أن يقوم الشاب التونسي بنقلها لإحدى المضافات التابعة للتنظيم، مضافات خاصة تستقبل النساء المطلقات والأرامل، حيث يقوم التنظيم برعايتهن وحراستهن، دون السماح لهن بالخروج لأي سبب كان، دون رفقة الحراس.

“قضيت أربعة شهور تقريبًا، قبل أن أتمكن بعدها من التواصل مع أختي، والتي قامت بدورها بالتواصل مع عمي، وهو مسؤول عن أحد حواجز التنظيم في مدينة الباب، وبالفعل في اليوم التالي، استطاع عمي إخراجي من المضافة، مصطحبًا إياي لمنزله، مكثت فترة عنده، قبل أن أنتقل إلى منزل عمتي، والتي تقيم برفقة زوجها التونسي، في قرية مجاورة لمدينة الباب”.

تواصل مريم سرد حكايتها مع التنظيم، واصفة إياه بالدولة أحيانًا: “بعد تقدم الجيش الحر، انتقلت مع عمتي نحو منبج، وهنا تعرفت على زوجي الثاني، وهو تونسي الأصل، لأتزوج وأنتقل معه إلى بيته، حيث يعيش برفقة أمه وأخته، كان زوجي إنسانًا طبيعيًا ويحبني كثيرًا، وعوضني عن غياب أهلي، فكان هو أهلي كلهم، وما هي سوى فترة قصيرة حتى كنت حاملًا بطفلي الثاني”.

برفقة عائلتها الجديدة انتقلت مريم نحو الرقة مجددًا، فدير الزور، أما زوجها فانقطع عن الذهاب للقتال، نتيجة إصابة سابقة في عينه، كما توضح: “كان زوجي يتبع لفئة المصابين، والدولة تعطيه إعانة كل شهر خمسين دولار، بالإضافة لخمسين دولار أخرى يتقاضاها عني، و 35 دولار لابنتي، والتي بلغت عامها الثاني حينها”.

وتشير مريم إلى انعطافة حصلت في علاقتها مع تنظيم “داعش”: “في رمضان 2017، قرر زوجي اعتزال تنظيم الدولة، وعدم تلقي الإعانة منهم، وذلك نتيجة للظلم والممارسات الخاطئة التي يرتكبها التنظيم في أصول العقيدة والدين، ليلاحق ويسجن لأكثر من ثلاث مرات بتهمة الاحتطاب أو الغلو في الدين، بعدها أصبح زوجي يعمل بالتجارة، كنا نتنقل من قرية إلى أخرى، وخاصة بعد تقدم قوات pkk الكردية والنظام والروس، وخسارة التنظيم لمزيد من الأراضي”.

وتكشف الشابة السورية أن التنظيم بدأ بإخراج الوافدات لمناطق سيطرته من غير السوريات نحو تركيا، عن طريق مهربين يتقاضون 4000 دولار على الشخص الواحد، ولكنه سرعان ما أوقف خروجهن، عقب تمكن مقاتلي “قوات سوريا الديمقراطية” ذات الغالبية والقيادة الكردية من إمساك إحدى الدفعات، وتحويلهن للمخيمات، لذلك أوقف التنظيم خروجهن، وبات يقوم بإخراج السوريات الوافدات من محافظات أخرى باتجاه إدلب.

“بعد وداع زوجي، خرجت برفقة أطفالي من قرية اسمها غرانيج بريف دير الزور، كانت أختي وأطفالها بصحبتي أيضًا، خرجنا برفقة المهرب، قطعنا صحراء طويلة، لنصل مساء نحو قرية المحيمدية، ولكن المهرب غدر بنا وهرب، ليتسلمنا حاجز تابع لقوات سوريا الديمقراطية، واقع بالقرب من محطة البولمان”، تشرح مريم.

وتضيف: “تعرضنا للتفتيش والسب والإهانة، قبل أن نتمكن من الركوب بأحد الباصات، لتبدأ رحلة العذاب، طوال الطريق كانت الحواجز تتواصل مع بعضها، يقولون جاييكم نقلة دواعش، لنتعرض للمزيد من الذل والإهانة، حتى وصلنا للحاجز القريب من مخيم عين عيسى، والمجاور لمدينة منبج تقريبا، نمنا في الباص لنتفاجأ في اليوم التالي بتحويلنا نحو مخيم مبروكة، الواقع في منطقة رأس العين بالحسكة”.

برد قارس وأوضاع مأساوية للغاية، اختبرتها الأم العشرينية برفقة صغارها داخل مخيم مبروكة، والذي رفض القائمون عليه بداية الإفراج عن النساء المحتجزات وأطفالهن، إلا بشرط واحد، قدوم أزواجهن من أعضاء تنظيم “الدولة” وتسليم أنفسهم، وفق ما تقول مريم، لافتة أنه “في إحدى المرات ذهبت أختي، والمصابة بشظية في كتفها، لتستجدي الضابط المسؤول، والذي أخذ يصيح مهددًا، ورائحة الخمر تفوح من فمه، “ولله بجيب باصات وبعبيكن كلكن عالمعتقلات، وخلي الأمريكان يشوفوكم”.

“بعد 18 يوم، جمعوا النساء ودعوهم لتجهيز أغراضهن استعدادًا للمغادرة، باستثناء اسم واحد، اسمي أنا، مريم”، تستذكر الشابة السورية بحرقة قائلة “توسلت للضابط ولكن دون جدوى، لذلك قمت بإرسال ابنتي ذات الأعوام الأربعة بصحبة أختي وأطفالها، بينما بقيت أنا برفقة ابني الرضيع داخل المخيم، أراقب رحيلهم بصمت وقلبي يعتصر ألمًا”.

وتواصل قص ما جرى معها “خلال 50 يوم قضيتها داخل المخيم، حاولت التواصل سرًا مع أهلي، والذين استطاعوا تأمين مهرب كردي، اتفقنا معه على لقائي بالقرب من الصيدلية، والتي كانوا يأخذونا إليها كل يوم جمعة، بواسطة باص يحرسه عدة حراس، كي يقل النساء من المخيم باتجاه الصيدلية، الواقعة بالقرية المجاورة للمخيم”.

وبالفعل وصل المهرب كما هو متفق، وبدأ بالتواصل مع مريم التي نفد صبرها من انتظار الحافلة، فقررت الشروع بتنفيذ الخطة دون مزيد من التأخير، قطعت مريم أرض المخيم حتى وصلت نهايته، تجاوزت الأسلاك الشائكة بنجاح، قبل أن تتفاجأ بوجود خندق عميق يحيط بالمخيم، وعرضه يتجاوز مترين، “لذلك وضعت ابني على ظهري، ثم قفزت متجاوزة الخندق”.

وتردف: “خلعت حجابي واجتزت أرضًا زراعية بمسافة 1 كلم تقريبًا، ولكني تفاجأت بوجودي داخل ثكنة عسكرية، فاستدرت بهدوء ثم أكملت طريقي برفقة طفلي، كنت ألتف خلف البيوت وأردد بصوت منخفض آيات من القرآن، أثناء سيري صادفت امرأة أخبرتني عن طريق مختصر، قطعته لأصل باتجاه الصيدلية، حيث كان المهرب بانتظاري”.

تمكنت مريم برفقة وليدها من العودة سالمين لمنزل عائلتها، بينما اعتقلت “قوات سوريا الديمقراطية” زوجها، عقب محاولته الهرب باتجاه تركيا، لتفقد الاتصال معه وتنقطع الصلة بينهما.

تختم مريم حكايتها “أنا إنسانة أبحث عن الحق، أول ما عرفت هذا التنظيم كان بنظري على حق، ولكن بعد ما دخلته، صرت أشوف حقيقته، وأخطاءه، بالإضافة لدخول جواسيس في صفوفه، باسم الدين، خربوه تمامًا، هذه الأيام لا يوجد أحد على حق، ولا أي فصيل”.

نبذة عن الكاتب

Loading Facebook Comments ...