صناعة “النجوم” في الإعلام العربي: عمرو أديب أو نحرق كامل الترتيب!

خلال حديث مع صديقة من جنسية أوروبية كانت مقيمة في دمشق بداية الألفية الثانية، سألتني من هم برأيي، ممن يعملون في القطاع الإعلامي العربي، من يمكن أن نطلق عليهم صفة “صناع الرأي العام” في المنطقة العربية! للوهلة الأولى لم أفهم السؤال ولم أستطع ربطه بمجال الإعلام العربي! لم ألبث بعدها، وبعد أن أدركت أن سؤالًا كهذا لا يمكن أن يخص قطاعًا أكبر من قطاع الإعلام، أن استغرقت في ضحك لفت انتباه الحاضرين. الضحك كان على حيرتي من السؤال للحظات ومن ثم اكتشاف أن السؤال بأكمله، وضمن سياق عمل إعلامنا العربي بأكمله، لا يحمل أي معنى على الإطلاق!

في ذلك الوقت كنا، في سوريا وبقية الدول العربية، باستثناء فروقات طفيفة في دول الخليج، كنّا في بداية حديثنا عن شيء اسمه “ثورة الاتصالات”. الثورة التي لم يكن قد وصلنا منها، على نطاق شعبي، إلا صحون التقاط البث الفضائي. لم يكن النت مسموحًا بعد، وإن سُمح، على نطاق محدود جدًا، كان في غاية البطء؛ عالم الشبكة عمومًا، على مستوى العالم، كان في بداياته أيضًا؛ أما “جوهرة التاج” في تلك الشبكة، أي السوشال ميديا، فلم تكن قد عرفت بعد. وبالتالي، ومقارنة مع وضعنا الحالي، كنا ما نزال على تخوم صحراء كنا على وشك مغادرتها دون أن ندرك ما يعني هذا، ودون أن نحمل من العدة اللازمة للدخول إلى عالم ما بعد تلك الصحراء أي أداة نافعة، بما فيها الشكل المفهومي الأكثر بساطة للعمل الإعلامي بصفته السياق الذي يتم فيه تشكيل شيء اسمه: صنّاع الرأي العام.

في ذلك الوقت، وعدا عن “نجوم” القنوات الفضائية، الجزيرة بشكل رئيسي، وبضعة معلقين وكتاب أعمدة في أبرز الصحف العربية، ولن ننسى بالطبع “الدعاة” المكرسين رسميًا عبر الأقنية الرسمية (مصر الشعراوي احتلت الدرجة الأولى في مرحلة سابقة، ولم يلبث القرضاوي في منفاه القطري أن حاول تقليد الظاهرة)، ما خلا ذلك لم يكن من الممكن تخيل أي احتمال لوجود تلك الظاهرة، التي حتى اللحظة ما تزال “غريبة” عن فضائنا الإعلامي العربي كله.

وكان من الصعب القول بأن “حازم صاغية” أو “جوزيف سماحة” أو حتى “طلال سلمان”، قبل إغلاق السفير وقبل انكشافها الكامل أمام جمهور قرائها إثر موقفها من ثورة السوريين، كان من الصعب تخيل أن أي من الثلاثة المذكورين أعلاه يمكن أن يلعب هذا الدور. فعدا عن محدودية انتشار مقالاتهم، بسبب محدودية انتشار الصحف التي يكتبون فيها، هذا إن لم تمنع تلك الصحف في اكثر من دولة عربية ولأيام أو أسابيع أو حتى سنوات، هناك أيضا اللامبالاة، المفروضة غالبًا، تجاه هم عام أبعدت عنه قسرًا الغالبية العظمى من الجمهور. وبالتالي ما عاد لمتابعة مقالات الرأي في الصحف العربية، كبيرة أو صغيرة، أي معنى في ظل استقالة، شبه إجبارية، تكاد تكون جماعية.

بالنسبة لـ “الدعاة” المكرسين، فأولئك اكتسبوا “تأثيرهم” من خلال فضاء مكرس بدوره، سبق الفضاء الإعلامي، وله نواظم علاقاته المعروفة والمعلنة مع السلطات الحاكمة. وبالتالي بات الإعلام وسيلة لتعزيز هذا النفوذ أو التأثير ولا فضل له في خلق “صانع رأي عام”.

أما الجزيرة، وكانت هي بداية “الغيث”، على الأقل من ناحية الانتشار وسرعته في أوساط لم تعتد تداول الهم العام وتسليط الضوء عليه بهذه الطريقة، فإن الأجواء الجديدة والمثيرة التي أوحت بها لم تخل من ظلال شك مهيمنة على مصداقية تجربتها. بسبب التمويل الخليجي بالذات الذي لم يسبق له أن قدم شيئًا بعيدًا عن الحضور الطاغي والثقيل للممول في الصغيرة قبل الكبيرة.

ولكن الجزيرة مضت في مشروعها وقدمت نفسها كمحطة عربية بدون علاقة حصرية تربطها بقطر، الدولة المالكة للمشروع. وكان ملفتًا في ذلك الوقت أن يكون الخبر العربي هو الخبر الرئيسي في تلك المحطة وليست أخبار الديوان الأميري، بالإضافة إلى برامجها التي تنوعت وحاولت صناعة “نجومها” الخاصين مستندة إلى تناول غير مألوف للقضايا المتداولة في الشارع العربي عمومًا، الأمر الذي أثار حفيظة بقية مشيخات الخليج ضد هذه المحطة بالذات. ولكن مع ذلك فإن الأمر بقي يراوح بين الشك والثقة فترة طويلة، ولو أن الثقة بدأت بالتغلب تدريجيًا جاعلة من الجزيرة المحطة التي تطلب السعر الأعلى للإعلان فيها كونها الأكثر مشاهدة عربيًا. وهنا كانت الإشارة الجدية الأولى، في سياق إعلامي عربي امتد على مدار عقود طويلة، إلى أهمية وجود “رأي عام” له دور ما في اختيار أو تزكية “صناع الرأي العام” في القطاع الإعلامي العربي.

لم يلبث الوضع أن تغير مع بداية ظهور السوشال ميديا وانخراط أعداد متزايدة من الجمهور الشاب في تداول عام ومفتوح، لم يعتد أحد عليه بهذه الطريقة وهذا الزخم والحجم. التداول الذي لم يلبث أن وصل إلى مستقره النهائي: الهم العام ومشاكل حياة أصبحت أكبر من أن تحتمل ولابد من تحديد اسم المسؤول عن تلك المشاكل، الاسم الذي يعرفه الجميع ويخافون النطق به. إلى أن نطقوا الاسم كاملًا، وكانت النتيجة ربيعًا فجر ثورات في طول المنطقة وعرضها.

إبان تلك الثورات، ما عاد من المنطقي الحديث فقط عن قطاع إعلامي عربي بمعناه التقليدي، كائنًا ما كان الدور الذي لعبه القطاع التقليدي في تغطية ونقل صورة الأحداث في شوارع وميادين العواصم العربية المختلفة. حيث لعبت السوشال ميديا دورًا محوريًا في تفجير الربيع والربط بين مختلف وجوهه وبدأت بدورها تنتج نجومها وصناع الرأي العام من طرفها، الأمر الذي ما كان من الممكن تركه من قبل إعلام تقليدي أدرك أنه أصبح أمام تحد يكاد يكون وجوديًا، وبالتالي بات مطالبًا باستجابات تتجاوز ما درجت عليه مؤسسات إعلامية تقليدية طيلة عقود من التكاسل والاتكال إلى قرار ممول أو صاحب سلطة سياسية، والناس قد ثارت ضد هذين بالذات، وهما في حالة منطقتنا العربية كانا شخصًا واحدًا أو جهة واحدة دائمًا، وقررت أن تأخذ زمام أمورها بيدها.

والأمر في هذه النقطة بالذات ما عاد مقتصرًا على إعلام عربي، بل امتد إلى كامل المؤسسات الإعلامية العريقة والمكرسة في العالم كله. هناك عالم يفور بدأ بالتململ والتعبير عما يريده مباشرة، سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا بشكل عام، بعد امتلاكه لأدوات ما كان أحد يتخيل أنها ممكنة الوجود حتى قبل عقد أو أقل من الزمن. وبلغ هذا التململ ذروته في منطقتنا، التي كانت أكثر منطقة في العالم مستبعدة كليا من حسابات الجميع في أنها ستكون يوما جزءًا من مشهد عالمي متفجر برغبة بالحرية معدية للجميع. المنطقة التي لم تكن في تلك المرحلة جزءًا من هذا المشهد فقط، بل كانت هي مركز المشهد ومحرض الفعل والحركة الأساسي، وصانع أحداثه قبل أي شيء آخر.

تعددت الاستجابات لهذا التحدي من قبل الجميع. وهو، أي التحدي المطروح لحظتها، كان أصلًا متعدد الوجوه والمستويات. ومن ثم كان لابد من استجابات متنوعة متعددة المستويات تختلف حسب نوعية التحدي وحسب نوعية المؤسسة الإعلامية أو السياق الإعلامي العام الذي تعمل فيه تلك المؤسسة. استجابات لا مجال لتناولها بالكامل في هذا السياق المحدد، حيث ما يعنينا هنا هو استجابة الإعلام العربي بالتحديد لهذا التحدي الذي بدأ، وربما للمرة الأولى في تاريخ ما يمكن أن نطلق عليه اسم “صناعة إعلام” عربية، بمد جسور حقيقية بين المنتج والمتلقي وبناء تلك الدائرة المتكاملة التي تعيد لأصحاب الحق حقوقهم: المتلقين بصفتهم مقررين لمصائر “الخدمات” الإعلامية التي يتم توجيهها إليهم؛ ومنتجي تلك “الخدمات” بصفتهم اكتسبوا مكانتهم بجدراتهم التي حكم عليها تلقي الجمهور، المقرر، لإنتاجهم. فإما الاحتفاء به وتكريس صاحبه “نجمًا” أو حتى “صانعًا للرأي العام”، أو رفضه وعدم المبالاة تجاهه وبقاء صاحبه في نهاية المطاف مجرد “موظف” في مؤسسة إعلامية لن تلبث بدورها أن تستغني عن خدماته خلال بحثها عن طريقة للاستمرار في الحياة أمام هذا الجمهور بالذات.

تجربة باسم يوسف، ومسارها الملفت فعلًا في سرعته وتطوراته، تلخص بوضوح هذه النقطة. فقد بدأ برنامجه “البرنامج” من خلال قناة باسم يوسف على اليوتيوب محققا معدلات مشاهدة كبيرة، في مصر إبان ثورة الميدان. لينتقل بعدها إلى محطة مصرية محلية لم تلبث بدورها أن أصبحت محط أنظار الجميع وبالتحديد في فترة عرض “البرنامج”. والجميع هنا لم تعد تعني المشاهد المصري فقط، بل بدأت بالامتداد حتى صارت تعني المشاهد العربي أينما كان، من المحيط إلى الخليج إلى أي مكان آخر تواجد فيه مشاهد عربي في أصقاع الأرض!

قد يختلف كثيرون حول سبب “السحر” اليوسفي المباغت الذي أسر ألباب ملايين المتابعين في طول وعرض العالم العربي، ولكن ما لا يختلف فيه أحد هو أن الرجل لم يأت بشيء “غريب” عما يعرفه الجميع. لم يكذب أو يجامل وواجه الجميع بحقيقة ما يحدث وما يعرفه الناس جميعًا ضمن قالب ساخر. وهو فوق هذا وبسببه تعرض لخطر فعلي، وإن كان لا يقاس أبدًا بخطر السحق المباشر الذي صار علنيًا في عهد الانقلاب العسكري الذي أتى بالسيسي رئيسًا لمصر. ولكن بالمقابل من كان يجرؤ وقتها على التعرض لإعلامي كرسه الجمهور “نجمًا”؟ الجمهور نفسه الذي قام بثورة أذهلت العالم كله. من يجرؤ على التعرض لهكذا نجم بشكل علني وبكل البلطجة المعروفة في وقت كانت الثورة ما تزال تعيش ذروة انتصاراتها وامتداداتها الكاسحة في أكثر من بلد في العالم العربي؟ وكانت تلك “المخاطرة” هي ما أعطى حيوية أكبر لموقف الجمهور المتقبل والمحتضن لهذه الظاهرة الجديدة التي استهلها يوسف بأفضل ما يمكن للاستهلال أن يكون.

مع صعود نجم أحد “صناع الرأي العام العربي” الجديد كان هناك تكريس أيضا لقيم مهمة في صياغة هذا “الصانع” أو “النجم”، المصداقية واحدة من أبرزها وأهمها على الإطلاق. يمكن أيضا أن نضيف المهنية العالية في التعامل مع المادة المطروحة، وربما حتى الشكل نفسه. ولا أتحدث هنا عن القالب الساخر والمحبب في آن، بل أقصد أيضًا شكل باسم يوسف الخارجي. في ذروة الظاهرة “اليوسفية” علق أحد أبرز المعلقين العرب، حازم صاغية، على هذه الظاهرة بأنها تشبه الطبقة الوسطى العربية وتحاكي ذائقتها في كل تفاصيلها حتى في الملبس!

ردة فعل الإعلام العربي التقليدي تجاه هذه الظاهرة كانت متوقعة: محاولة سحب يوسف إلى صفه، إن لم يكن كموقف فعلى الأقل كصيغة للعمل والتعاون. وبالفعل تقدمت أكبر شبكة بث تلفزيوينة عربية، مجموعة إم بي سي، بعرض لشراء البرنامج وبثه عبر أقنيتها. ولم يكن الأمر كله في ذلك الوقت محاولة للسيطرة على تلك الظاهرة بقدر ما كانت محاولة للاستفادة من شعبيتها. ولم يكن الأمر مستغربا والقناة الإخبارية الرئيسية في تلك المجموعة، العربية، كان قد غيرت سياستها بالكامل وعكستها 180 درجة إبان بدء ثورة الميدان في مصر، وخلال بضعة أيام فقط، من التحفظ تجاه ما يجري، إلى التأييد ولو على مضض، خصوصًا لما عرف وأعلن فعلا من علاقة خاصة تربط ملك السعودية، عبد الله في ذلك الوقت، مع الرئيس المصري الذي كان المصريون يحاولون إسقاطه.

 إذًا كانت هناك سابقة تؤكد أن الكلمة الفصل فيما يتعلق بتوجهات الإعلام العربي، تقليدي كان أم جديد، قد عادت إلى أصحابها، وهم الجمهور هنا. وأن جميع ما بني من “إمبراطوريات” إعلامية، كائنا ما كان حجم تمويلها واعتمادها الكلي في إيراداتها على تمويل حكومات معنية بتكريس سياساتها قبل أي شيء آخر، ما عادت قادرة على تجاهل صاحب القرار هذا وما يريده.

لم يلبث أن تغير المشهد كليًا بعد أن بدأت الثورة المضادة تحقق تقدمًا ملحوظًا، عبر انقلاب عسكري في مصر، وعبر دعم يكاد يكون علنيًا للنظام الكيماوي في سوريا وصفقات علنية معه ورفض بالمقابل لإزاحته من السطلة ومن قبل القوى المقررة دوليًا قبل الجميع! وكان لابد للسياسي أن ينعكس على الإعلامي، وأصلًا لم يكن هناك فكاك بين الطرفين. النتيجة أن هذه الإرتكاسة قد بدأت بفصل ما وصل وظن الجميع أنه أعاد الأمور إلى نصابها. ارتكاسة بدأت من إجهاض حلم الدور المركزي لصندوق الاقتراع في حياتنا السياسية؛ وصولًا إلى تكريس شكل الحكم المنفصل كليا عن الناس وإراداتهم وتطلعاتهم والمستند فقط إلى سطوته وجبروته؛ مرورًا بالإعلام ومن هو صاحب القرار فيه، بما فيه القرار بمن سيكون “النجم” أو “صانع الرأي العام” في الإعلام العربي.

حكاية يوسف مع شبكة إم بي سي معروفة النهاية، حيث ما عاد لـ “البرنامج” أن يستمر في ظل حكم جديد ما عاد يتقبل أي انتقاد، حكم ما كان له أن يوجد أصلًا لولا الدعم المالي والسياسي المباشرين من قبل ممولي وأصحاب الشبكة التي اشترت حقوق “البرنامج” نفسه. ولكن كانت هناك حكايات أخرى، كانت قد بقيت مستمرة على الهامش وما كان لأحد الالتفات إليها في زحمة ما يمكن أن نسميه “عرسًا” إعلاميًا، أو “مولد” حسب التسمية المصرية، ضمن “أعراس”، أو “موالد”، أخرى كانت قد سيطرت على صدارة المشهد إبان انتصارات الربيع عاكسة روحية تلك المرحلة شديدة الحيوية والصخب والراغبة في المضي في ثورتها إلى أبعد ما يمكن أن تصل إليه الثورة. ومع الارتكاسة كان للركود أن يعود محاولًا فرض نفسه ونجومه وخياراته وإيقاعه وقيمه فظهرت تلك الحكايات الجانبية محاولة سد الفراغ الذي تركه “نجوم” و”صناع رأي” تم تغييبهم كبداية لخنق مرحلة أريد لها أن تموت وتمحى بالكامل.

ما كان للمحاولة الجديدة، مع الثورة المضادة، أن تنجح إلا عبر العزف على أوتار يمكن أن تعيد جذب رأي عام، كان قد بدأ الاعتياد على العمل المتقن والجذاب والمعد فعليًا للفت انتباهه وإشباع فضوله. ولكن، وحتى لا نتهم الذين أتوا كبدائل من حكايات جانبية بأنهم غير موهوبين أو غير أكفاء… فقط، فإن هذه المحاولة كانت محكومة بالفشل سلفًا وهي مباح لها الحديث عن كل شيء إلا ما يعني الناس فعلًا، الظلم والجور اللذين عادا للتخييم فوق أنفاس الجميع. وهنا ما عاد أمام هؤلاء “البدلاء” إلا العزف على أوتار غير تلك التي تعني الناس فعلًا في معاشهم وحياتهم، ولكنها مع ذلك يمكن أن تجذب عين أو أذن فضولي ما، وتحولت برامج “التوك شو”، العينة التي نتناولها هنا بصفتها أهم “مصانع” النجوم الإعلاميين، إلى ما يشبه صحافة صفراء رخيصة تطارد الخبر الفضائحي، أو تفبركه أو تفتعله في أحيان كثيرة، لمجرد أن تجد لنفسها فسحة من وقت ومتابعين يمكن أن يهتموا بما يدور أمامهم من رخص وتفاهة لا حدود لهما. وفي سباق كهذا لا يمكن أن يربح إلا الأشخاص الأشد رخصًا من غيرهم الجاهزين لتلبية رغبات “المقرر” في المحطة صاحبة القرار وليس اكتساب احترام جمهور أعيد عنوة، مرة أخرى، إلى هامش المشهد بعد أن كان مركزه والمقرر الرئيسي فيه.

وفي مشهد يصح أن يوصف بأنه ختامي يلخص حقيقة ما آل إليه الإعلام العربي من تقطيع ما كان يجب أن يوصل وسرقة القرار من قبل من لا حق لهم به ولا كفاءة أو مهنية تؤهلهم للاضطلاع به، ومن تكريس لقيم في غاية الرخص، استيقظ المتابعون على خبر جديد مفاده أن هناك “لاري كنغ” عربي جديد! “النجم” المقصود قدم للجمهور من قبل شخص لم يكن أحد قد سمع باسمه أو عرف ما هو عمله فعلا غير أنه من “الدائرة الضيقة” المحيطة بولي عهد السعودية محمد بن سلمان، الحديث عن تركي آل الشيخ. الرجل يفترض أنه مسؤول عن القطاع الرياضي، ولكن الظاهر أن نفوذه يمتد إلى ما هو أبعد بكثير من قطاع عمله. خصوصا وأنه بدوره قد تحول إلى “نجم” وضيف يكاد يكون شبه دائم على برامج “التوك شو” المصرية بالدرجة الأولى، عدا عما “يدبجه” من تغريدات وأفلام عبر صفحته على موقع التواصل “تويتر”، بالإضافة إلى التصاريح الصحفية المتعلقة بمجال عمله وسواه من المجالات والتي تثير، عمدا كما هو ظاهر، الكثير من الضوضاء.

في المشهد يجلس تركي آلي الشيخ في عمق الكادر وفي الصدارة أمام شخصين يوقعان عقدًا. أحدهما مذيع رياضي معروف في شبكة إم بي سي، لماذا هذا المذيع بالذات من يمثل الشبكة؟ لا أحد يعرف. والثاني هو “النجم” أو “صانع الرأي العام” الجديد المراد تقديمه عبر هذه الشبكة بالذات بصفته “لاري كنغ” العرب، المقصود مقدم برامج “التوك شو” عمرو أديب. الثلاثة يجلسون في شرفة مطلة على القاهرة على ما يظهر، ولا أحد، مختصًا أو غير مختص، متابع أو عابر سبيل أو حتى قريب الصلة بما يحدث، يمكن أن يفهم كيف ارتبط الثلاثة، بخلفياتهم المتباعدة كليًا، في هذا الموقع لتقديم هذا المشهد بالذات للرأي العام. المعنى الوحيد الملتقط من هذا المشهد والذي يمكن قرائته بعدة مستويات هو أن الأمر برمته محاولة لتكريس مجموعة من القيم أمام المشاهد وجعلها “النورم” الذي سيحكم المشهد الإعلامي العربي في المرحلة القادمة.

القيمة الأولى، والأكثر جاذبية على ما يبدو، كانت قيمة العقد المالية، والتي قيل على لسان آل الشيخ أنها تؤهل عمرو أديب ليكون أغلى “نجم” من نجوم الإعلام العربي. القيمة الثانية، وهي الأهم بالنسبة لصانعي المشهد والحدث والنجوم، هو أن المقرر في كل هذا، مُمَثلًا بأحد المحيطين به، المقصود ولي عهد السعودية، هو الذي يعلي من يشاء ويذل من يشاء في المشهد الإعلامي برمته. إذ لا يوجد أي مبرر منطقي أو حتى يتعلق بنسب المشاهدة على الأقل، يبرر اختيار عمرو أديب دونًا عن سواه. هناك من يمكن أن يوازيه، إن لم يتفوق عليه، بنسب المشاهدة والكثير من التفاصيل الأخرى التي يمكن أن تشكل جاذبا لأي مستثمر يريد أن يعطي ولو شكل نجاح أولي لمشروعه تبرر كل هذا الصرف. على اعتبار أن التمويل يأتي من مصادر باتت معنية بالدرجة الأولى بتغيبب الجمهور وقراره في أي شيء، إعلاميًا كان أو سياسيًا أو حتى حياتيًا. وهنا ربما تظهر القيمة الثالثة المحورية والرابطة بين جميع أطرف المشهد، صلتك الشخصية بصاحب القرار، وليس كفاءتك أو جدارتك أو سواه مما يمكن أن تبذل جهدًا وتكرس قيمة من خلاله، هذه الصلة التي يمكن أن تكون حتى عبر أحد المحيطين بصاحب القرار، هي التي ستجعلك من أصحاب الحظوة. وكما هو معروف فإن هناك صلة قوية تربط آل الشيخ بعمرو أديب حيث الأول صار ضيفًا شبه دائم على برنامج الثاني قبل أن ينتقل للعمل في الإم بي سي.

وأمام بؤس المشهد وبؤس القائمين به والقيم التي يحاول أن يعيد تكريسها محاولًا إعادة الأمور إلى ما كانت عليه يوم سألتني الصديقة هذا السؤال قبل ثمانية عشر عامًا بالضبط، وجدت نفسي كمن يدور في حلقة مفرغة ترفض نهائيًا أن تنقطع وتضغط على أنفاس الجميع. هل ستكسر هذه الحلقة من جديد؟ ما تعلمناه خلال سنوات قصيرة، لحظات، من أعمار طويلة عشناها في قهر مزمن أن دوام الحال من المحال.

نبذة عن الكاتب

شكري الريان

كاتب فلسطيني سوري مهتم بالشأن الإعلامي

Loading Facebook Comments ...