الملحد الذي حمى المسجد

قصة حقيقة حدثت في قرى مدينة عفرين شمال حلب:

في قرية من قرى عفرين، ذات البيوت المتناثرة على عدة تلال صغيرة، حول ساحة صغيرة يوجد فيها سوق. السوق عبارة عن عدة محال تجارية ومسجد صغير يناسب بمساحته عدد أهالي القرية.

لا تستغرب وأنت تسير في سوق القرية، إذا ما شاهدت غيمة تسير قربك وتبتعد عنك، تدخل الغيمة من نافذة الجامع لتخرج من النافذة في الجهة المقابلة.

يستيقظ الأهالي قبيل شروق الشمس، يستقبلون الشمس ومن ثم يهيمون مع جراراتهم الزراعية بين أراضيهم، تنقسم الأراضي بين الأهالي وفق “حدود الوجدان”، إذ لا توجد أي جدران أو أسلاك حديدية تحدد الخطوط الفاصلة بين أراضي الأهالي، أمّا جرارات القرية فعاد بعضها بعد معاناة طويلة وتأكيدات لفصائل المعارضة المنتشرة في عفرين، أن هذه الجرارات لم تنتسب لـ”وحدات حماية الشعب الكردية” ولم تقاتل ضد الفصائل، وبعضها الأخر اشتراها صاحبها الأساسي من الرجل الذي سرقها منه بمبادلة تجارية غير منصفة.

” ابني أن ما فقت كل يوم الصبح ورحت ع الأرض ما فيني كمل يومي”

  • – مسن من عفرين

منذ أيام، ومع ذهاب أهالي القرية إلى أراضيهم الصغيرة المتلاصقة حول القرية، رأى أحد المسنين من أمام باب منزله، شابًا صغيرًا يفكّ مكبر الصوت من مئذنة جامع القرية، ومن ثم رماه من على المئذنة على أرض الشارع، ليصدر صوتًا ملأ صداه القرية وتلالها، دون أن يعبأ الشاب الصغير بردة فعل أهالي القرية وكأنه ينجز عملًا تطوعيًا يستحق الشكر والعرفان.

مع فك الشاب للمكبر الثالث من أربعة مكبرات تحيط بالمئذنة، كان قد وصل إلى باب المسجد بعض من رجال القرية والمسن الذي رآه، وطلبوا منه النزول وإلا سيغلقون باب الجامع عليه ولن يفتحوا الباب إلا بطلب من قائد فصيله العسكري.

نزل الشاب وبيده المكبر الرابع و”بانسة” وقال بنبرة المستغرب منهم:

 “ماذا تريدون؟”

طلبوا منه، كما فك مكبرات الصوت من المئذنة: “عليك إعادتها.”

قال له أحد رجال القرية:

“يا بني كيف سنصلي إن قمت بنزع مكبرات الصوت، كيف سنسمع صوت الأذان؟؟!!”

رد الشاب بحزم أنه سوف يأخذ هذه المكبرات لكي يستخدمها في الجبل: “هل أنتم تصلون حتى تكونوا بحاجتهن… ولا مرة سمعت صوت الأذان من قريتكم”.

رد عليه رجل آخر: “إن كان صوت رفيقك الذي بالقرب منك لا تستطيع سماعه كيف لك أن تسمع صوت الأذان من جامع قريتنا؟”

يواصل الرجل مخاطبته للشاب المقاتل: لا يتعدى سعر مكبر الصوت الواحد 7000 ليرة سورية، لم لا تشتريه؟ انظر إلى هذه المكبرات صدئة وقد عفا عنها الزمن، شد همتك وأعد المكبرات لمكانهن قبل أن تجتمع كل أهل القرية عليك ويصوروك مقطع فيديو وينشروه على فيسبوك.

ظل الشاب صامتًا وكأنه يبحث عن كلمة ما من معجم كلماته كي يرد بها على بعض رجال القرية الذين يلتفون حوله، صمت يشوبه الاستغراب.

قطع الصمت سؤال من الشاب لأهالي القرية: هل أنتم تصلون وتعبدون الله؟ قال لي أحد العناصر: اذهب وفك مكبرات الصوت من مئذنة الجامع، واجلبها لنا لكي نستفيد منها بتنقلنا بين الجبال، أفضل من بقائها بلا استخدام من قبل أهالي القرية.

سأله أحد رجال القرية الشاب: في حال ذهبنا إلى المريخ ونوينا الصلاة، أين نتجه؟ أين مكان القبلة؟

واصل الرجل حديثه قبل أن ينتظر من الشاب إجابة عن سؤاله: أهل القرية مسلمون ولسنا ملحدين كما علمك البعض، قم بإعادة مكبرات الصوت لأمكنتها واذهب لشراء مكبر صوت لكم من السوق”.

طلب الشاب من الرجال أن يتركوه ليعود إلى المقر العسكري: أنتم أعيدوا المكبرات، لا أعرف كيف يتم إعادة تركيبها.

ركب الشاب دراجته النارية بعد أن طلب من رجال القرية تعبئة دراجته النارية “ولو بليتر بنزين”، واختفى بين موجات الغيم التي تسير بين منازل القرية والجامع.

نبذة عن الكاتب

خليفة الخضر

مواطن صحفي مقيم في الشمال السوري

Loading Facebook Comments ...