طبخة الحجر السورية

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

 – – – –

بانتظار الانطلاقة الفعلية لمعركة/مذبحة إدلب، تظهر عدة مداولات غير مُنتظمة بين عديد الأطراف، تحاول كُل واحدة منها الإيحاء بأنها ستُثمر في المُحصلة منتجاً سياسياً سورياً مُختلفاً عن الصراع العنيف الذي يدور مُنذ سنوات.

فالقوتان الدوليتان روسيا والولايات المُتحدة توحيان بأن محادثاتهما البينية أنما غدت أكثر مباشرة وشفافية في المسألة السورية، وأن كُل طرف صار أكثر احتراماً وتقديراً لمصالح وحساسيات الطرف الآخر، وأنهُما بهذا الأسلوب سيتوصلان إلى توافق سياسي، يُنهي الصراع السوري في المستوى الدولي.

كذلك فأن مشاورات معمقة تُركية إيرانية روسيا تجري دون هوادة، موحية بأنها تخوض استماتة دبلوماسية مُعمقة وصريحة لتجاوز أسوء سيناريوهات الصراع في إدلب، مُعتبرة أن الصراع في إدلب، وبسبب الرعاية التُركية، إنما يختلف عما جرى في باقي المناطق، خصوصاً في الشهور الاخيرة، في كُل من الغوطة ومنطقة حوران.

على مستوى أكثر تفصيلاً، توحي قوات سوريا الديمقراطية، ومن خلفها مجلس سوريا الديمقراطية كواجهة سياسية، توحي بأن علاقتها مع النِظام السوري، من خِلال المعركة التفاوضية، أنما سيكون نموذجاً خاصاً ومختلفاً عما خاضته مُختلف القوى السياسية والعسكرية السورية الأخرى مع النِظام السوري. وأنها قادرة على التوصل إلى توافق سياسي مع النِظام السوري، يُخلص سوريا من الاستبداد والمركزية، ويُجبر النِظام على الاعتراف بحقوق الأقليات القومية والدينية السورية.

أكثر من غيرهم، يُدرك القائمون على هذه المداولات بأنها لن تتوصل إلى أية نتيجة ذات مضمون ومعنى. لأسباب موضوعية تتعلق بالكثير من التفاصيل والسياقات السورية، لكنها أولاً تتعلق بالبنية الصلبة للنِظام السوري نفسه، غير القابل لأية مُساومة أو مُقاسمة أو مُسايسة مع أي كان، فأي شيء من ذلك سيعني القضاء على هذا النِظام وتحطيم بُنيته الصلبة، وهي حقيقة صار رُعاة هذا النِظام الإقليميون والدوليون يُدركونها أكثر من غيرهم.

مثلاً، سترى قوات سوريا الديمقراطية نفسها بمواجهة النِظام السوري في المُحصلة، وهي لن تكون مُجرد مقابلة عسكرية، بل معركة سياسية على مُستقبل تلك المنطقة، فنفوذ الطرفين لا يُستطاع أن يكون متوازناً أو مُتقاسماً في تلك المنطقة بأي شكل.

إذ يعرف النِظام السوري بأن سوريا تنقسم تقليدياً إلى ثلاثة أقاليم جُغرافية/سياسية شبه منفصلة عن بعضها: إقليم الجبال الساحلية، وإقليم خط المُدن السُنية التاريخية التقليدية، من حلب وحتى درعا، وإقليم الجزيرة، الذي يتألف من خليط من السُكان الكُرد والسريان والعشائر العربية. يعرف النِظام السوري بأن أي نِظامٍ سياسي لا يستطيع أن يُهيمن على سوريا ما لم يكن يُسيطر فعلياً على هذه الأقاليم الثلاث، ولو أن كان ثمة سيطرة لطرفٍ ما على منطقة جزئية من هذه الأقاليم، إلا أن السيطرة على مراكز هذه الأقاليم يجب أن تكون في يد النِظام.

ينتظر النِظام السوري نتيجة معركة إدلب، التي إن “انتصر” فيها كما جرى معه في باقي المناطق، فأنه سيتأسد لإعادة الهيمنة على إقليم الجزيرة السورية، إن عبر التوافق المؤقت حتى ينال المزيد من الاعتراف الدولي، أو الضغط على قوات سوريا الديمقراطية، التي تُسيطر على أغلبية مناطق الإقليم، وإن بمحاربتها في المُحصلة.

على المستوى الإقليمي، تُدرك تُركيا بأنها الطرف الأضعف في المداولات الإقليمية بشأن إدلب، فغير أزمتها السياسية والاقتصادية المُركبة والعميقة مع الولايات المُتحدة والدول الأوربية، فأنها تُدرك بأنه سوريا صارت في عُهدة روسيا والنِظام السوري، وأن هذه الأطراف تستطيع أن تؤذي تُركيا في أمنها القومي، فيما لو أسست لمشروع اعتراف حقيقي بالهوية السياسية للكُرد السوريين.

فهذه المداولات أنما تسعى فحسب لإقناع تُركيا لأن تُقدم إدلب للنِظام السوري دون حرب، وأن أي شكلٍ من اشكال التنازلات السياسية من النِظام السوري غير ممكن في هذا الاتجاه.

دولياً، فأن الولايات المُتحدة تُدرك، وتعرف القوى الأوربية أكثر منها، بأن تسليم سوريا لروسيا عسكرياً وسياسياً لن تؤدي لأية نتيجة. إذ لا يُمكن لروسيا أن تصك أية عملية سياسية ذات مضمون في سوريا، عملية تُقلل من السُلطة المُطلقة للنِظام السوري. كذلك فأنها لا تستطيع أن تقطع النفوذ الإيراني في سوريا. فهو نفوذ صار أكثر تداخلاً وعضوية وحيوية في كافة بُنى المؤسسات وأجهزة النِظام السوري.

ثمة حكمة أولية تراكمت وتمنطقت مع تحولات المسألة السورية، تقول أن ترويض الأسد يحتاج أولاً لتجويعه، لا العكس.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...