الدائرة المغلقة

حين خرجت من سوريا قبل ما يقرب ستة أعوام، لم يكن يخطر ببالي أن بقائي خارجها سوف يستمر لأكثر من أربعة أشهر وأعود، لم أكن وحدي من فكرت بهذه الطريقة بكل حال، لهذا تركت كل شيء كما هو، لم أحمل معي سوى حقيبة فيها القليل من الملابس، لا شيء آخر، حتى جهاز الكومبيوتر لم أحمله معي، إذ لم أكن أحتاجه تلك الفترة، كنت متوقفة عن الكتابة خارج فيسبوك، وكان الهاتف المحمول يكفيني لذلك. ومع أنه يبدو من الضروري أحيانا التذكير بالطريقة التي خرجت بها ولماذا؟ إلا أنها بالنسبة لي أصبحت ماضيًا، ولا تعني أحدًا غيري، خرجت لأنني شعرت بالخوف ولأنني أبحث عن الأمان، هذا هو السبب البعيد لخروجي، الأسباب القريبة لم تعد ذات أهمية الآن!

لكن من قال إن الضعف، وبالتالي الخوف، ليس حالة إنسانية؟ قال لي أحدهم ذات يوم مستهجنَا خروجي: “ليس لديك أطفال تخافين عليهم؟؟ ما الداعي لخروجك إذًا؟!”، صحيح أنه ليس لدي أطفال صغار، لدي ابنة كانت في بداية شبابها، خرجت من سوريا أنا وهي معًا، بعد أن رفضت هي الخروج إن بقيت أنا، خرجنا وفي نيتنا العودة، لم نكن نملك شيئًا، لا ملكية نبيعها كي نعيش ما، ولا ما لا نحمله معنا في خروجنا، نملك فقط أصدقاء محبين وكرماء ساعدونا حتى استقرت حياتنا. خرجنا وكلنا ثقة أننا عائدون قريبًا، مثل معظم من خرج، لكن أيامًا مرت وأشهرًا مرت وسنوات مرت، وسوريا كل يوم تصبح أبعد من اليوم السابق، أما اليوم التالي، فليس سوى فكرة تبنى عليها مؤتمرات بينما الواقع في مكان آخر تمامًا.

خرجت لأنني أحب الأمان والسلام، ولا أحب الحياة وسط الخوف والحرب، لم أدّع نضالًا يومًا، ولم أدّع البطولة، انحزت بكل ما بي إلى الثورة، ودفعت أثمانًا لا تقارن على الإطلاق بما دفعه غيري، لكن السيء فيها أن بعضها أتى من الطرف الذي أقف معه، كان أقساها على كل حال، وبلا رحمة، فإن كنت أفهم جيدًا أسباب الطرف الآخر للإساءة لي، فإنني حتى اللحظة لا أفهم غاية الإساءة لي ممن يفترض أننا حلفاء في وجه الظلم والقهر والإقصاء وتشويه السمعة!

هل البحث عن السلام والطمأنينة والحياة الآمنة خطأ في بلاد يأكل الموت كل ما فيها؟! هذا السؤال كان دائمًا يسبب لي وخزًا في الضمير وإحساسًا حارقا بالذنب: كيف يمكن أن أعيش حياتي بشكل طبيعي بعيدة عن حرب تدور في بلدي، وبعيدة عن اعتقال يتعرض له أبناء بلدي وأصدقائي، كيف لي أن أتنعم بالشمس والنور والماء والهواء والطبيعة بينما كثر ممن أحبهم ينامون ويصحون على رائحة ولون الموت وهو ينتقل من مكان إلى آخر؟! لوهلة، ولفرط الإحساس بالذنب، دخلت باكتئابات خطيرة، ذات يوم فكرت بالانتحار، وهو أبعد ما يكون عن شخصيتي، لكنني انتبهت أن ما أنا به ليس ضعفًا ، هو بالحقيقة استسلام بائس  لتبرير كسلي عن محاولة الاستمرار بالعيش، وهو السبب الأساسي لخروجي من سوريا، فكرت للحظة أنني إذا أردت الموت فلأعد إلى سوريا، ولأمت بقضية تستحق، اعتقالًا أو قصفًا أو تفجيرًا أو أي شيء، لا موتًا تافهًا كالموت نتيجة الاستسلام لليأس والإحباط. قررت أن أعيش، أن أتخفف من شعوري بالذنب، أن أكون أنا نفسي، المحبة للحياة بكل ما فيها.

أدرك تمامًا أنه ما من ثورة تحدث في الخارج، الثورة في الداخل، مهما ادعينا عكس ذلك، لهذا انتبهت في كتاباتي وكلامي لكل حرف أقوله، لم أرد يومًا أن يشار إلي أنني شجعت البشر على الصمود في وجه أعتى آلة إجرام في العالم وأنا أعيش في أمان، لهذا أيضًا حاولت التبرير لكل من يعيش داخل سوريا، إذ لو كنت مكان أي منهم لفعلت الشيء نفسه ولقلت الكلام ذاته ربما! فالأشياء والمواقف رهن بظروفها اللوجستية، أنا بمصر مثلًا غير مسموح لي أن أقف أمام سفارة روسيا احتجاجا على احتلالها سوريا، سوف يتم اعتقالي وترحيلي، الأمر الذي لا يحصل مع سوريي أوروبا لو أنهم وقفوا وقفة الاحتجاج ذاتها! كيف سأطلب إذًا من السوريين في الداخل أن يشتموا في منشوراتهم نظام الأسد؟! سأكون بلا أخلاق ببساطة، أو في أحسن الأحوال سأكون قليلة الحساسية، غير أنه بالمقابل، يحملنا كثر ممن تبقوا في الداخل جميلة بقائهم، وكأنهم بقوا من أجلنا نحن!

في أكثر من نقاش خاص وعام مع أصدقاء في الداخل أسمع منهم التالي: “نحن الذين بقينا في الداخل ولم نترك البلد مثلكم”! بالطبع هذا غير الشتامين الذين يشتمون ليلًا نهارًا من خرجوا من سوريا ويفاخرون بصمودهم في أماكنهم، الأماكن التي لم تقترب منها قذيفة واحدة ولم يحصل بها تفجير واحد، ويسافرون خارج سوريا ويعودون دون أية مشكلة أو مساءلة، فإذا كانوا يعيشون تبعات الحرب، فإنني أظن أن كل السوريين الذين يعيشون في البلاد العربية هم تحت التبعات نفسها، إذ لا يكاد بلد عربي يخلو من آثار الحرب ولو بدون حرب مباشرة، كما أن هؤلاء يحاكمون من في الخارج كما لو أنهم يعيشون في قصور، ولديهم سيولة مالية يصرفون منها ما يشاؤون، ويتعالون عن التفكير بما يعانيه من في الخارج من الكآبة وعدم القدرة على الاندماج وضعف سوق العمل والاضطرار إلى الحصول على المساعدات، هذا غير التقوقع وسط الدائرة السورية واجترار الهموم والكلام والمشكلات نفسها، فإذا كانت هناك شريحة خارجية استفادت مما حصل بالمتاجرة بالثورة والشهداء، فإن ثمة شرائح في الداخل تاجرت بالوطن والدم وبكل شيء وأثرت وأفسدت وشكلت عصابات تفتك بالجميع! فما هو هذا الداخل الذي تتفاخرون به؟! وكيف يمكن لأحد أن يفاخر بخيار شخصي؟! ومن قال إن الوطن هو واحد بالنسبة للجميع؟ من خرج خرج بخيار شخصي أو مضطرًا تحت ضغط القصف والقتل، ومن بقي بقي يخيار شخصي أو مضطرًا تحت ضغط العجز، ليس من حق أحد التبجح بخياره ولا مطالبة الآخرين بفعل ما فعل.

نحن في الدائرة المغلقة ذاتها، الدائرة التي لا يبدو أنها ستفتح قريبًا، إن كنا في الداخل أو في الخارج نحن خاسرون، الإمعان في تقسيم السوريين بين داخل وخارج ليس أكثر من خدمة مجانية لأمراء الحرب من كل الأطراف، ليس كل من خرج جبان أو خائن، وليس كل من بقي بطل ووطني، لا الجبن والشجاعة ولا الخيانة ولا الوطنية يملك مقياسهم أحد، كفّوا عن هذا اللغو القاسي وواصلوا حياتكم واطلبوا الحياة لأبنائكم فهم ما تبقى لهذا البلد التعيس.

نبذة عن الكاتب

رشا عمران

شاعرة وكاتبة سورية، أصدرت 5 مجموعات شعرية، كما أصدرت أنطولوجيا الشعر السوري من 1980 إلى عام 2008. وتكتب المقال في عدد من المواقع والصحف السورية والعربية.

Loading Facebook Comments ...