الجسد في الفن التشكيلي السوري المعاصر

نادرة هي الأبحاث التي تحاول أن تعكس الواقع السياسي والاجتماعي في سوريا من خلال دراسة الفنون، ولكنها حين تُنتج غالبًا ما تكون على درجة من الأهمية والدقة في عكس التجربة الاجتماعية والسياسية من خلال الفنون. البحث الذي قدمه الفنان التشكيلي محمد عمران بعنوان “صورة الجسد المعذب في الفن التشكيلي السوري المعاصر”، يستند فيه إلى الفنون التشكيلية: لوحة، تجهيز، أعمال تصوير ضوئي، أعمال فنون رقمية، فن الفيديو (فيديو آرت) ليبين تطور وتغير العلاقة بين الفنان السوري وموضوعة الجسد من ستينيات القرن العشرين حتى اليوم، لكنه يركز على ذلك التحول في حركة الفن التشكيلي السوري ما بعد أحداث العام 2011.

يكتب محمد عمران في التعريف عن بحثه الذي قُدم ضمن مجموعة أبحاث أصدرتها مؤسسة “اتجاهات- ثقافة مستقلة” ضمن كتاب، مايلي: يعتبر الجسد المعذب في الإنتاج الفني، مؤشرًا واضحًا أو معيارًا نستطيع أن نقيس من خلاله حجم العنف المتمثل في المجتمع، فصورة الجسد في العمل الفني تمثل، بشكل أو بآخر، انعكاسًا لصورة المجتمع. لذلك فقد اخترنا أن نتابع تطور موضوعة الجسد المعذب في الفن التشكيلي السوري سواء قبل عام 2011، أي بداية الانتفاضة السورية أو بعدها، لنستطيع، ربما، قياس المتغيرات الطارئة على المجتمع السوري”.

ويرى الباحث محمد عمران أن قراءة الأعمال التشكيلية من منظور علاقتها مع مفهوم الجسد المعذب، سيتيح لنا إعادة النظر بالعلاقة مع المجتمع السوري ضمن شرطه الجديد. وعلى هذا فإن جدة البحث تكمن في معالجته لجوانب مختلفة لم تختبر من قبل، على الأقل، على مستوى علاقة المنتج الإبداعي بشرطه التاريخي. كما أن متابعة تطور تجارب الفنانين التشكيليين الفاعلين يساعدنا في قياس المتيغرات الحاصلة في المجتمع السوري: بمعنى أننا نستطيع أن نعرف بواسطة الفن، حجم الموت الذي يجتاح تفاصيل حياة السوريين.

القسم الأول من البحث مخصص لموضوعة الجسد في الأعمال التشكيلية السورية منذ الستينات حتى العام 2011.

 في الستينات حيث تمت معالجة موضوعة الجسد من قبل عدد من الفنانين السوريين في حينها من أبرزهم لؤي كيالي، في عمله “ماذا بعد ذلك” (1965) الذي يعكس فاجعة الشعب الفلسطيني المهجر، حيث يرسم أجساد تعبة، مستسلمة وأخرى تراقب السماء خوفًا من سقوط قذيفة، حيث الجسد ينكسر باتجاه الأرض وكأنه يهم بالسقوط.

الحرب التي شنتها اسرائيل على الدول العربية في العام 1967، أثرت على عدد من الفنانين وعلى تشكيلات الجسد في أعمالهم، ومنهم فاتح المدرس في عمله المعنون  “أمهات الشهداء” (1967) حيث وضعيات الأجساد الجامدة تعكس حالة ذعر واضحة، وكذلك عمل الفنان نذير نبعة بعنوان “نابالم” (1967) حيث يعكس الجسد المتشنج هول الفاجعة كذلك.

لاحقًا، كان للحرب الأهلية اللبنانية أثرها في الفن التشكيلي السوري أيضًا، كما في عمل “بطاقة بريدية” (1975) لنعيم إسماعيل حيث نشاهد ثلاثة رجال مسلحين بألوان مختلفة إشارة إلى انتماءاتهم الطائفية، يتقدمهم جسد امرأة ميت يرمز لبيروت على الأغلب. ونذكر ثلاثة مشاريع تخرج نحتية أنتجت بين 1976 و1979 تناولت مجزرة تل الزعتر، وهي للنحاتين زهير دباغ وربيع الأخرس وماهر البارودي.

في فترة الثمانينيات، وبالرغم من أنها شهدت أحداثًا دامية كمجرزة حماة 1982، ومجزرة صبرا وشاتيلا في العام نفسه، لم تبرز على صعيد المحترف السوري، على الأقل بشكل علني، أعمال تتحدث عن هاتين المجزرتين في حينها.

شهيد – عمل ليوسف عبدلكي

في التسعينيات برزت مجموعة من الأعمال الفنية التي تبرز ما أطلق عليه الباحث محمد عمران نعت “الجسد المشوه”، قائلًا: “يستخدم عادة مصطلح وحش للتدليل على ما هو خارج حدود المنطق البشري”، ومن أهمها هذه الأعمال لوحتان للفنان يوسف عبدلكي بعنوان “رجال سلطة على هيئة وحوش” و”أشخاص” (1995) فيهما تتجلى قدرة الرسام على تحوير الأشكال، حيث يرسم الفنان بشكل ساخر وعنيف صورة الديكتاتور مقاربًا بينه وبين صورة الوحش. وفي المرحلة ذاتها، وفي مقاربة مشابهة، قدم الفنان ماهر البارودي عملين الأول بعنوان “جنرالات على هيئة وحوش”، والثاني هو “أربعة بورتريهات” تمثل وجوهًا على هيئة وحوش ترتدي زيًا عسكريًا تكسوه ميداليات مزيفة مصنوعة من أغطية زجاجات المشروبات الغازية.

 في العقد الأول من الألفية الثانية، وبين العامين 2002 – 2005، أيضًا ثلاثة أعمال نحتية تناولت موضوعة الجسد الميت، والتي يكتب عنها الباحث محمد عمران: “الموت هو بالتأكيد واحد من أكثر المواضيع التي نوقشت في تاريخ الفن، ليس فقط لأنه الصفة الأساسية في التكوين البشري أو لأنه المصير الذي لابد منه، ولكن أيضًا بسبب ارتباطه الوثيق بجميع القيم الإنسانية للحضارة الإنسانية. في المحترف السوري أيضًا ارتبطت، بشكل عام، أغلب الأعمال التي أنتجت قبل الثورة والتي يبرز فيها عنصر الجسد الميت، بفكرة الحرب”.

العمل النحتي الأول للفنان الفلسطيني السوري زكي سلام بعنوان “الشهيد” (2005)، حيث يبدو جسد الشهيد أكبر من أجساد مشيعيه، العمل النحتي الثاني للفنان مصطفى علي بعنوان “امرأة من غزة”  (2009) حيث نرى جسدًا ميتًا لإمرأة يتموضع فوق مربع برونزي أحمر اللون. أما العمل النحتي الثالث فهو للفنان عاصم الباشا، بعنوان جنين (2002) يجمع مجموعة من الأيادي، هي نسخ جصية منتجة عن قالب حي، في فضاء ضيق تذكر بأشلاء تحت ركام البيوت المقصوفة. وفي مقاربة الجسد المشوه أيضًا، نذكر عمل الفنانة رندا مداح بعنوان بلا بشارة (2010)، وهو تجهيز فني تعرض الفنانة بداخله أشلاءًا لأجساد ميتة ضمن غرفة مستطيلة بيضاء محصورة.

القسم الثاني من البحث مخصص للأعمال التشكيلية السورية التي أنتجت منذ العام 2011 وحتى اليوم.

هنا يرى الباحث محمد عمران أن أغلب الفنانين استطاعوا من خلال الفضاء الافتراضي وصفحات التواصل الاجتماعي أن يعلنوا مواقفهم تجاه ما يحدث في البلاد. ويلاحظ، بالرغم من تنوع المواضيع وتعدد الأساليب، أن عنصر الجسد المعذب بالإضافة إلى مفردات الحرب والدمار هي العناصر الأكثر حضورًا في معظم هذه النتاجات. بعض هذه التجارب انقطعت بشكل نسبي مع ما كانت تنتجه قبل الثورة، فالتشكيلي يوسف عبدلكي الذي، ولفترة طويلة، اختار “الطبيعة الصامتة” موضوعًا أساسيًا في بناء عمله، يعود إلى الرسم التشخيصي، ولعل أولى لوحاته التي حاكت المأساة السورية كانت “شهيد من درعا”، أيضًا الفنان عبد الكريم مجدل بك، الذي انصب انشغاله في السابق على رصد الزمن ورسم الآثار التي يخلفها على الجدران، كأثر المطر، خربشات الأطفال، كتابات المراهقين ونعوات الموتى، سيطرت على أعماله لاحقًا مفردات تعبر عن الموت والحرب. يحضر الجسد المعذب أيضًا في أعمال عمران يونس، فأنتج مجموعة من الأعمال بالأبيض والأسود، منفذة بقلم الرصاص والفحم، وأخرى ملونة بالأحبار والألوان المائية، تحت عنوان “منمنمات الموت السوري”، حيث يظهر الجسد الميت كثيمة مركزية فيها.

 توثيق رمزي للعنف والموت في مجموعة المصور الضوئي جابر العظمة والتي تحمل عنوان “جراح”. ونلاحظ دخول عنصر الجسد الميت على لوحات الفنان صفوان داحول المنتجة مؤخرًا كما في “حلم” (2014)، كما تبدو الألوان لديه أكثر قتامة مما كانت عليه في السابق.

في تجربة إدوارد شهدا، تعود للظهور في سياق مختلف هذه المرة، بعض المفردات التي كان قد استخدمها سابقًا، كالجسد الميت، مجسدًا بالمسيح المصلوب، كما في لوحة “سوريا” (2011)، حيث يرمز المسيح للإنسان السوري المعاصر. وفي أعمال النحات عاصم الباشا الأخيرة تظهر موضوعة الجسد الميت بشكل ملحوظ كما في “مشهد سوري” حيث الأب يحمل ابنه القتيل، أو “الطريق إلى بابا عمرو” حيث نشاهد هيئات بشرية مبهمة مرفوعة على صلبان.

أعمال ريم يسوف تتواصل أيضًا مع تجربتها القديمة، غير أن الملاحظ حضور جسد الطفل كعنصر أساسي في اللوحة، كنوع من تكريم لأرواح الأطفال الذين قضوا خلال الحرب، كما في العمل الذي ينتمي إلى مجموعة يسوف الأخيرة “نسائم باردة”. أما الفنانة شذى الصفدي فقدمت تجهيزًا بعنوان “وعود” (2012) يحاكي فكرة المجزرة، حيث قامت الفنانة بحفر آثار أجساد على البلكسي بينما كانت الإضاءة المسلطة على هذه الآثار ترسم ظلالها الشبحية على جدران المعرض.

أكرم الحلبي قدم مجموعة بتقنيةPhotomontage  أعاد فيها إنتاج صور المجازر التي وقعت في سوريا ليضع بذلك تعريفه البصري للعنف. وقدم عملًا آخر بعنوان “طفل سوري أو كرم الزيتون” (2012) نرى أربعة أجساد مبهمة لأطفال تنتشر فوقهم كلمات بالإنكليزية مثل يد، عين، وجه، ذراع، قدم وطفل. كأن الفنان يريد أن يعيد تعرف تلك الأجساد من خلال تسمية أعضاءها. كما قدم مهند عرابي، لوحة “الهاون “حيث تستقر في المستوى الأول للعمل قذيفة هاون أمام وجه محاط بهالة حمراء لتصبح جزءًا عضويًا من هويته.

ومن الملاحظ ان موضوعة كالتهجير واللجوء، بدأت بالظهور في الأعمال الفنية، خاصة في العامين السابقين، كما في “هجرة عبر البحر” (2013) لدينو أحمد علي، الذي يشتغل بشكل أساسي على البوستر بنوع من الإيهام البصري. نلاحظ الشكل المبسط المتكرر والكتداخل لرأس رجل يغرق يتحول تدريجياً إلى طائر.

حماه 30 – عمل لخليل يونس

يظهر في رسم “حماه 30” (2012) خليل يونس، جذع أنثوي عار على خلفية سوداء، يشير عنوان العمل إلى مرور ثلاثين عام على حدوث المجزرة. الدم، اللون الأحمر، يهيمن على الجذع بإستثناء الثديين. حيث نرى آثار القطب التي خلفتها عملية استئصال الحلمات.

 سومر سلام في الرسم المعالج على Photoshop “من الحولة إلى السماء” (2012) نرى أجساد الموتى تستقر على خلفية ذات لون برتقالي غير نقي تصعد إلى السماء بوضعية مقلوبة على عكس المشاهد النتمطية التي تصور الأرواح.

إلى جانب الأعمال التي توثق المدن المنكوبة من خلال الجسد، ظهرت أعمال أخرى تعيد إنتاج صورة الموت الواقعي ، حاملها الأساسي الجسد الميت أو الجسد المشظى.

ألهمت قصة الطفل حمزة بكور الذي فقد فكه السفلي جراء القصف العشوائي على بابا عمرو واستمر ينزف أكثر من سبعين ساعة ليفارق الحياة بعدها، هذه القصة ألهمت عددًا من الفنانين منهم خليل يونس وأمجد وردة وخالد الخاني وفنان الفيديو داني أبو لوح في فيلمه “كان اسمه حمزة بكور”.

 بعض الأعمال التي أنتجت فترة الثورة كانت تخليدًا لشخصيات قضت في الحرب وتحولت مع الوقت إلى رموز، منها “إلى روح الشهيد غياث مطر” (2012) لوسيم المرزوقي، و “الشهيدة الطفلة علا جبلاوي” لطارق بطيحي.

في الختام، وبعد هذا الإستعراض الشامل لأعمال الفنون التشكيلية السورية في الفترة المعاصرة، يخلص الباحث محمد عمران إلى النتائج التالية:

  • انتشار عديد الأعمال الفنية التي تتناول موضوعة الموت والشهادة.
  • الصور التي تقدم الجسد الميت بعد الثورة أعنف بشكل واضح مما كان عليه قبل ذلك.
  • إن التجارب السابقة على الثورة كانت رمزية بشكل عام، بمقابل المباشرة والفجاجة في العمال الراهنة.
  • يسجل الجسد المتشظي حضورًا لافتًا في الأعمال المنتجة بعد الثورة، وخاصة الرأس المقطوع.
  • يتزايد عنصر الجسد الوحش في الأعمال المنتجة بعد الثورة، وخاصة في أعمال جيل الشباب، حيث نلاحظ ميلًا عامًا نحو اكتشاف أشكال جديدة ما بعد بشرية، أو موازية للإنسان.
  • حرصت معظم الأعمال التشكيلية، التي أنتجت خلال الثورة، على تحقيق صدمة تماثل تلك التي يخلفها العنف اليومي المعاش في الواقع.
  • بعد هذا الإستعراض الموجز لبعض أعمال الفنين السوريين التي تتناول موضوعة الجسد المعذب، يمكننا القول إن معظم التجارب الفنية تتواصل وتتراكم دون أن تحدث قطيعة مع تجربتها الماضية. وبالرغم من التنوع الواسع في تمثيل العنف، يبقى الجسد الميت الأكثر حضوراً في معظم هذه التجارب خلال السنوات الماضية.
    ربطة العنق – عمل لماهر البارودي

    الطفل حمزة بكور – عمل لأمجد وردة

نبذة عن الكاتب

علاء رشيدي

قاص، صحفي ثقافي، ومدرب إعلامي. صدرت له مجموعتان قصصيتان عن دار أطلس للنشر.

Loading Facebook Comments ...